حزنتْ على فراق زوجها على الرغم من لؤمه ونكده وفضّلتْ رفقته على رفقة الوحدة. من سيسأل عنها من بعده؟ «لا ولد ولا تلد». حتى الجارات اللواتي كنّ يزرنها كل حين انقطعت علاقتها بهن؛ لغلظة زوجها وحدّة طباعه. على الرغم من قصرها الفادح كان يصرّ على تجريب التابوت الجديد عليها، تتمدّد داخله فيغافلها ويثبّت الغطاء بحجّة تجريبه، فيصيبها الذعر الشديد ويرتفع صوتها وتدفع غطاء التابوت بيديها الصغيرتين. يضحك باستمتاع وهو يرفعه عنها ويقول: «نفذتِ منها هذه المرّة، لكن مش كل مرّة بتسلم الجرّة. متى يأتي اليوم الذي أدقّ فيه مسامير تابوتك؟». تخرج من النعش بسرعة، ثم ترفع طرف ثوبها عند الرقبة وتتفل في صدرها: «فال الله ولا فالك يا رجل».
مضت الأيام وهو يتكسّب من هذا العمل حتّى تعسّرت حاله عندما كسد الموت بين النّاس ولم يعد هناك ما يدرّ عليه ثمن طحين القمح ليخبز ويأكل وزوجته. كان يستغرق في التفكير ثم ينهض ضاربًا كفًّا بكف: «ما العمل؟ لا أحد يموت في هذه القرية المشؤومة. قالوا إنّ أبا سالم اشتدّ عليه المرض وقد يموت، وفي اليوم التالي قام مثل الجنيّ يحرث ويزرع ويقلع. ما العمل؟». كانت زوجته تراقب حركات وجهه ويديه عندما تنبّه مثل غافل لسعته جمرة فرّت من كانون الحطب، ثم انفرجت تعابير وجهه وكادت ابتسامة تتوهج على شفتيه قبل أن يطفئها بقسوة كعادته، إذ لمح زوجته بطرف عينه تترصّد حركاته. همّت بسؤاله لكنّها تراجعت لأنها تعلم علم اليقين أنّه لن يفصح.
في الأسبوع اللاحق كثر اللطم والنحيب في القرية، مات أبو سالم وتبعه أبو خالد وأبو هاني وأم هاني وغيرهم من الأهالي القاطنين في الحي الغربي من القرية. انتعشت أحوال صانع التوابيت وصارت أعماله رائجة، لكنّه ما لبث أن مات هو نفسه في الأسبوع التالي. كانت زوجته تجلس في دارها تفكر بما يتهامس به أهل القرية عن زوجها الذي -كما قالوا- أفسد ماء البئر الغربيّة، لا الشرقيّة القريبة من داره، ليسمّم الناس وخاصة المرضى منهم، فتزدهر أعماله. «إذا كان ما يقولونه صحيحًا، فكيف لم يأخذ حذره من الماء المسموم؟ أعرف زوجي جيّدًا. لن يفوته أمر كهذا».
ظلّ يأتيها في الأحلام كل ليلة ويشتكي من مسمار بارز في تابوته يشكّه كلما تقلّب من جنب إلى آخر. ألحّ عليها حتى تحفر قبره وتنزع المسمار اللعين كي يرتاح في رقدته الأخيرة. انتظرتْ حتى هبط الليل وذهبتْ إلى المقبرة حاملة فانوسًا ومعولًا. حفرتْ القبر كما طلب حتى كشفتْ التابوت ونزعتْ غطاءه لتعرف أي مسمار أقضّ مضجع زوجها. تفاجأتْ عندما وجدته جالسًا بانتظارها، ابتسم لها ثم غافلها ودفعها لترقد في التابوت بدلًا منه. تضرّعتْ إليه أنْ يترك لها الفانوس فهي تخاف الظلمة، لكنّه رفض بشدة. دقّ المسامير بقوة وأهال التراب عليها وغادر دون أن يلتفت وراءه.