إبراهيم كَشت

أعتقد أن ثمة اختلافاً بين مفهوم (الانتماء) ومفهوم (الولاء) ، رغم الخلط القائم بينهما في الاستخدام الشائع ، ونستدل على هذا الاختلاف من خلال الرجوع إلى الأصول اللغوية لكلا اللفظين ، سواء في الانجليزية أو العربية ، أو حتى من الرجوع للمعاجم المتخصصة . فالانتماء يفيد في اللغة معنى الانتساب ، ويشير في الاصطلاح غالباً إلى تلك الرابطة الفعلية أو الواقعية أو القانونية التي تربط الفرد بفئة أو جهة أو مؤسسة أو فكرة ، فهو (ينتمي) إلى أسرة أو عشيرة برابطة الدم ، وإلى دولة برابطة الجنسية أو المولد أو الإقامة أو غير ذلك، وقد ينتمي لنقابة أو جهة أو مؤسسة لسبب واقعي كالعمل أو التخصص . أما (الولاء) فتقول قواميس اللغة إنه يعني : القرب ، والمحبـة ، والصداقة ، والنصرة ، وهو يشير كمصطلح إلى تلك الرابطة العاطفية التي تربط الفرد بفئة أو جهة أو مؤسسة أو فكرة أو شيء ، وبما أنها رابطة عاطفية فإنها تكون عن اختيار ورضا ، ولا يقوم الدليل عليها إلا من خلال آثارها ، بخلاف الانتماء الذي يقوم على أسباب ووقائع محددة ومعروفة .
وهناك تعريف جامع مانع ، موجز وبليغ ، لمفهوم الولاء ، قال به فيلسوف أمريكي اسمه (جوزيا رويس) يرى فيه أن الولاء هو (إخلاص شخص لموضوع إخلاصاً طوعياً وعملياً غير مشروط) ويمكننا أن نستشف من هذا التعريف خصائص الولاء : فهو في أصله عاطفة وشعور يتمثل في الإخلاص ، إلا أنه شعور تترتب عليه آثار عملية ، ولا يُعتدُّ به ما لم ينقلب إلى واقع وعمل ، ثم إن هذا الإخلاص يكون طوعياً عن اختيار ورضا ، ولا يمكن إجبار أحد عليه ، وهو إخلاص غير مشــروط ، بمعنى أن الــولاء قيمــة يتبناها الشخص لذاتها ، وليس لأجل منفعــة شخصية . ولا شك أن الولاء يتجه إلى موضوع معين ، فقد يكون ولاءً لدين أو وطنٍ أو جماعة ، أو فئة أو شخص أو مؤسسة ، أو مهنة أو فكرة ، بل لقد توسع مفهوم الولاء حتى صِرْتَ تجد مباحث في مجال دراسة التسويق تتحدث عن ولاء الزبائن لمُنتَج أو لعلامة تجارية أو اسم تجاري .

 الولاء ـ ارتباط بالحياة
وتحقيق للذات ، وتحديد للهوية :
الولاء جزء من طبيعة الإنسان وكيانه ، وحاجة من حاجاته ، بحيث يصعب أن نتصور إنساناً لا يملك ولاء لجهة ما أو موضوع ما ، فالولاء هو الذي يمنح الفرد الإحساس بالارتباط بالزمان والمكان والناس والمعاني من حوله ، على نحو يجعله يحس أنه ذو جذور ضاربة في الوجود ، ويتمكن من خلال ذلك من تحقيق ذاته . كما أن الولاء يسهم بشكل كبير في تحديد الفرد لهويته ، من خلال الجهات والأفكار التي يمنحها ولاءه ، بحيث يصبح في ضوء ذلك الولاء صاحب هوية ثقافية ، وهوية وطنية ، وهوية مهنية ، وربما هوية أكثر تحديداً ، حين يتجه ولاؤه مثلاً الى نادٍ رياضي أو حزب سياسي أو جمعية تطوعية .

 إلى أين يتجّهُ الولاء .. تلك هي المسألة :
إن الاستعداد النفسي لتوجيه الولاء لجهة ما وفكرة ما ـ كما أسلفنا ـ استعدادٌ موجود في الإنسان بالفطرة ، وحاجة يسعى لتلبيتها ؛ من أجل الإحساس بوجوده وتحقيق ذاته وتمييز هويته ، لكن المسألة المهمة هي : إلى أين يتّجه هذا الولاء ؟ فوُجهة هذا الولاء هي التي تميّز (إلى حدّ كبير) فرداً عن آخر ، من حيث هُويته وقيمه وسلوكه تجاه ثقافته ووطنه ومؤسسات ذلك الوطن ، والكيانات القائمة فيه كافـــة . لكن الأهم مــن ذلك هو أن طبيعة الولاءات في المجتمع ، تصلح لأن تكون ـــ وفقاً لما أزعــــم ـــ مؤشراً جيداً لقياس مدى تقدم ذلك المجتمع أو تخلفه ، ومؤشراً كذلك إلى مدى قدرة ذلك المجتمع على النجاح في جهود التنمية والتطور .
كلما كان المجتمع أكثر تخلفاً ، كان ولاء أبنائه أقل توجّهاً نحو الوطن ومؤسساته المدنية ، لأن الولاءات تكون متجهة حينئذٍ إلى الطائفة أو الفئة أو القبيلة ، أو إلى أي مـن العصبيات والكيانات الصغيرة ، وبالتالي تكثر الصراعات والخلافات داخل البلد الواحد . ناهيك عن أن تعدد الولاءات داخل الوطن من أهم معوّقات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، ففي ظل توجّه الولاءات إلى فئة أو طائفة أو قبيلة ، أو ما إلى ذلك ، تكثر المحسوبيات والواسطات ، ويزداد الاعتداء على المال العام ، ويترسخ في سلوك الأفراد وثقافتهم تقديم مصلحة الجماعة أو الفئة على مصلحة الوطن . كما يؤدي مثل هذا الولاء الجزئي إلى أنواع من الانغلاق الواقعي والفكري ، والجمود الذهني ، وعدم احترام ثقافة الآخر .
وفي مقابل هذا الشكل من الولاء الذي يسود المجتمعات المتخلِّفة والنامية ، تجد أن ولاء أبناء المجتمعات المتقدمة يتجه عادة نحو الوطن ومؤسساته المدنية ، ويتجاوز الولاءات الجزئية المتعددة ، ولك أن تتصور لو أن الولاءات في الولايات المتحدة مثلاً كانت متجهة إلى الولاية ، أو إلى الأصل العرقي ، وليس إلى الوطن كله ، فهل كان يمكن أن تبلغ تلك الدولة المتقدمة ما بلغتهُ من حيث حجم اقتصادها وتقدمها العلمي وقوتها العسكرية ؟ وهذا هو الحال بالنسبة لليابان كذلك ، فقد ردَّ كثير ممن درسوا أسباب تفوقها إلى ذلك الولاء العجيب الذي يُكنّهُ العامل للمؤسسة التي ينتمي إليها .

 الولاء لمؤسسة العمل :
لاحظ المهتمون والمتخصصون في علم الإدارة مدى أهمية الولاء لمؤسسة العمل في زيادة الإنتاج والكفاءة والفاعلية والجودة والإبداع ، وعلى ذلك اعتبروه (أي الولاء) جزءاً من الموارد المعنوية التي تملكها المؤسسة ، وتسهم في تحقيق أهدافها . لكن تجدر الإشارة إلى أن الولاء لمؤسسة العمل يكون ضعيفاً عادة في المجتمعات المتخلفة والنامية ، لذات السبب الذي سبق وأن أشرنا إليه عند الحديث عن توجُّه الولاء في تلك المجتمعات إلى الفئة والطائفة والقبيلة ، وغير ذلك من العصبيات . ناهيك عن أن قيمة الإنتاج ، وتميّز الفرد من خلال انجازاته ، ما زالت لم ترتقِ لتصبح قيمة حقيقية مهمة بالنسبة لتلك المجتمعات ، مما يقلل إحساس الفرد بأهمية مؤسسة العمل ، ودورها في مساعدته على تحقيق ذاته ، وتشكيل هويته وتمييزه من خلال مهنته وعمله وانجازاته وإنتاجه وإبداعه ، وليس من خلال نَسَبِهِ وحَسَبِهِ ، أو سوى ذلك من الاعتبارات .

الحاجة إلى التنبّه لأهمية الولاء :
وفي الوقت الذي صارت العولمة – في جانب منها – تعمل على توسيع الولاء ليغـدو متجهاً نحو الإنسانية جمعاء ، ونحو كوكب الأرض ، فإن ولاء أفراد المجتمعات المتخلفة والنامية لم يزل محصوراً بعصبيات ضيقة ، ولم يرتقِ بعد ليصبح ولاءً للوطن ولمؤسسات المجتمع المدني . ومن هنا يظهر مقدار التأخُّر الذي ما زالت تعيشه هذه المجتمعات ، قياساً لما وصل إليه ركب الأمم المتقدمة .
على أية حال ، أعتقد أن تربية الولاء في النفوس ليكون موجَّهاً نحــــو الوطن ، ونحو مؤسسات العمل ، ومؤسسات المجتمع المدني ، بدل أن يظل محدوداً ومحصوراً ومقيّداً بجماعة وفئة ضيقة ، يكون بشكل أساسي من خلال التنبيه إلى قيمة الولاء ومفهومه ، وإجراء المزيد من الدراسات والأبحاث الميدانية حوله ، لكي يدرك النشء والشباب آثــــاره وأبعاده ، ومساوئ حصره في العصبيات الضيقة ، ويدركوا منافع توجيهه نحو الوطن كله ، ونحـــو مؤسساته ، فذلك شرط من شروط التنمية ، وضرورة من ضرورات التقدم .