د.محمد عطيّات -  بعد سقوط الحكم الفيصلي في دمشق، تجمّعَ في الأردن شعراء أقاموا إقامة دائمة وتجنسوا في الأردن، وشعراء أقاموا ورحلوا بعد أن تتلمذ على أيديهم شعراء شباب من أبناء الأردن، وكان الشعراء العرب ذوي نزعة عربية وحدوية ثاروا على الأتراك، واعتزوا بجذورهم العربية، ورفضوا فرض اللغة التركية على العرب، وشاركوا في الحركة الوطنية التي رافقت عمر الكيان الأردني.
وقد استقطب الأمير عبد الله بن الحسين عشرات الشعراء والأدباء في الإمارة، الذين رأوا فيها البوابة الوحيدة المفتوحة لذوي الاتجاهات العامرة بمعاني الكرامة والوعي الوطني، والباحثين عن الحفاظ على التراث العربي والهم المشترك.
قاد معلمو اللغة العربية والتاريخ منذ عشرينات القرن العشرين، نهضة أدبية على شكل أناشيد وقصائد، وكانوا على قدر واسع من الثقافة وقلّدهم تلاميذهم الأردنيون، فأبدع بعضهم، وظهرت قصائدهم في المهرجانات الأدبية والمناظرات الشعرية، ولبعضهم موهبة الشعر المبكر.




فمحمد علي الحوماني الذي كان مدرساً في مدرسة السلط الثانوية لسنوات عديدة، واللغوي اللبناني مصطفى الغلاييني، والموسوعي سعيد الكرمي، والشاعر والباحث عادل أرسلان، والشاعر الكبير فؤاد الخطيب مستشار الأمير عبد الله، وخير الدين الزركلي الباحث في اللغة والأدب، والشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي، أسهموا بإقامتهم في الأردن في إحداث حالة اهتمام شعري متوهج، وهؤلاء أقاموا ورحلوا، بينما آخرون أقاموا واستقروا وحصلوا على الجنسية الأردنية، وأشغلوا مناصب كبيرة في الدولة، ومن هؤلاء الشعراء: محمد الشريقي، ونديم الملاح، وشكري شعشاعة، وتيسير ظبيان، وهم من علّم طلبة الأردن الروح القومية، والحماسة، والأناشيد الوطنية، ونظم الشعر، ورأوا في الأردن وطناً عربياً جميلاً، لأنه ملتقى قوافل الفتح الإسلامي، والجسر الذي اجتازه العرب إلى بلاد الشام.
ولعل شاعرين عربيين اثنين هما، محمد علي الحوماني وفؤاد الخطيب، أثّرا أكثر من غيرهما في الجيل، فقد تأثر عرار وحسني فريز وصبحي أبو غنيمة ورفعت الصيبي وعبد المجيد الحياري وعبد الفتاح الحديدي وإبراهيم المبيضين بالحركة الشعرية، وكتبوا شعراً مهّد لبداية النهضة الشعرية الأردنية، وقد اعتز الحوماني بالانتساب إلى الأردن بقوله: «الأردنيون نحنُ وفوقنا البيض تحنو».
أما فؤاد الخطيب، اللبناني الذي انضم للثورة العربية في مطلع القرن العشرين، وعاش في غير قطر عربي، وأقام في الأردن حتى بداية الحرب العالمية الثانية، وكان قد أنهى دراسته في الجامعة الأميركية، وأصبح وزير خارجية الشريف حسين بن علي، وسمي «شاعر الثورة العربية الكبرى»، فيقول:
 «لبّيك يا أرض الجزيرة، واسمعي
    ما شئت من شدوي ومن إنشادي
لكِ في دمي حق الوفاء، وإنه
    باقٍ على الحدثان والآباد
أنا لا أفرق بين أهلكِ، إنهم
    أهلي، وأنتِ بلادهم وبلادي
ولقد برئت إليك من وطنيةٍ
    ليست تُجاوز موطن الميلاد
فلكلّ ربع من ربوعك حرمة
    وهوى تغلغل في صميم فؤادي».
وتساءل محمد الشريقي بعد اقتسام الحلفاء لأرض العرب:
«كيف السبيل إلى اعتزاز ربوعنا؟
أيغيب في الظلمات ضوء شموعنا؟
كيف السبيل إلى اتحاد جموعنا؟
أيضيع حق دمائنا ودموعنا؟».
فهو شعر جديد فرّخ في الإمارة بحكم هجرة شعراء تشربوا مبادئ اليقظة العربية. وغلب على هذا الشعر الخطابية والتراكيب اللغوية المكررة والمعاني المطروقة، والجنوح إلى تقليد السابقين من الشعراء.

ظاهرة شعرية محورية
نشأ في الأردن مجتمع عربي طلائعي يلوذ به الوطنيون ذوو الاتجاهات المناوئة للاستعمار، الحاملون بذور الوعي القومي والأدبي، ولكنّ اثنين من أبناء الأردن تخرجا في مكتب عنبر في دمشق، وأتيح لهما حظ من التعليم المبكر قبل نهاية الحرب العالمية الأولى، أحدهما عرار، وقد كتب الشعر بكثافة ومهارة متقدمة، والثاني صبحي أبو غنيمة الذي امتهن الطب والسياسة، وكتب الشعر على ندرة، ولكنه لمع في حركة الشعر بشكل فاعل، أما عرار فكان ظاهرة شعرية محورية متفردة، لأنه استوعب الأحداث المتفاعلة داخل الأرض الأردنية، فخلا شعره من الهدير اللفظي، والضجيج العالي، وادعاء الإنجازات التاريخية الخارقة، وفي شعره بريق جديد، وعفوية الكلمة، وبساطة اللغة، واقترابها من ذوق المواطن العادي.
طعّم عرار شعره بالعامية الدراجة، ومعالجة المشكلات الطارئة بشجاعة ووعي، وخلق لغة داخل اللغة، فتداول المواطنون والدارسون شعره بشغف. وكانت بيئته متوقدة، فالشعراء حوله يتكاثرون، ومنهم من هو في جيله، ومنهم من يصغره بسنوات، لكنه كان الألمع والأقدر على استقطاب الحركة الشعرية من المجايلين له، ومنهم: ناصر الدين الأسد، ومحمود المطلق، وأحمد الشرع، ومصطفى السكران، ورفعت الصليبي، وعبد المنعم الرفاعي، ورشيد زيد الكيلاني، ومصطفى زيد الكيلاني، وعيسى الناعوري، وقد كتبوا شعراً متفاوتاً، ونظم صبحي أبو غنيمة في عشرينات القرن الماضي محاولة نشيد مندداً بالاستعمار والحماية البريطانية، يقول فيه:
«افتحوا لنا الطريقْ
فمماتاً لا نُطيقْ
الحمايةُ والوصايةْ
 وعلى العيشِ بذلٍّ
 كي نجوزَ العقباتْ
ولنا حقُّ الحياةْ
 كلها معنى الأسرْ
أبداً لن نصطبرْ».
امتلك عرار القدرة على نقل اهتزازات الحياة الباطنية والرعشات الغامضة للناس، مما أهله أن يكون أول الأصوات الشعرية الأردنية، وأجدرها بالاهتمام وتسليط الأضواء عليه، لدوره القوي في إعطاء الشعر الفصيح كينونته، وحضوراً لافتاً.
ولعرار فلسفة ونمط حياة خاص به، تجلى في مواجهة حراس التخلّف، وضيّقي الأفق، وذوي المنطق الساذج في تأويل الدين، ودسائس المستعمرين. وأوقد في الناس نار الحقد والثأر على حكم الغرباء، وحثّهم على الائتلاف، ورفع صوته عالياً لإيقاظ شعبه، يقول:
«كم صحتُ فيكم وكم ناديت من ألم
    فلم تصيخوا لصيحاتي وأناتي
والله ما غالكم، واجتثّ دوحتكم
    بين الشعوب سوى حب الزعامات».
نقد عرار سياسة بلاده، وجهر برأيه في مجالس المسؤولين، ومقت الكذب والنفاق، وناصر المظلومين، واحتقر المظاهر الزائفة، ومال إلى المساواة والإصلاح بين الناس. وناصر الفئات الاجتماعية المحرومة من حقوق المواطنة، ودافع عن حقوق (النَّور)، وهم أدنى مرتبة اجتماعية في الأردن، منادياً بإرساء العدل، ومشيداً بمجتمعهم الخالي من التفاوت الطبقي ومستويات العيش. يقول:
«بين الخرابيش لا عبدٌ، ولا أمَة
    ولا أرقاء في أثواب أحرار
الكل زط مساواة محققة
    تنفي الفوارق بين الجار والجار».
سلط عرار شعره على رموز السلطة، ورجال الدين والإفتاء، وتنوير الرأي العام، وأكثر من ذكر السمات الأردنية، وأسماء النبات والحيوان والملابس، والمأكولات، والطيور، والأماكن، مثل: واد الشتا، جلعاد، راحوب، عجلون، واد السير، وعشق جبال الأردن، ووهاده، ومياهه، وأعشابه، يقول:
«يا أردنيات إن أوديت مغترباً
    فانسجتنها بأبي أنتن أكفاني
وقلن للصحب: واروا بعض أعظمه
    في تل إربد، أو في سفح شيحان
عسى وعل به يوماً مكحلة
    تمر تتلو عليه حزب قرآن».
لقد أوقعت روح عرار الجامحة الغامضة الدارسين في أحكام متناقضة، وعجزوا عن فهم النص الشعري لديه، فهو ظاهرة متمردة مثيرة، اقترنت بحياته البوهيمية وهجمته على المرابين والموظفين الفاسدين، ومعايير الأخلاق السائدة، مما أهله أن يكون أكبر شاعر أردني، وله قيمة إقليمية، فهو مثل إبراهيم طوقان في فلسطين، وأبي القاسم الشابي في تونس، وفهد العسكر في الكويت، والرصافي في العراق، وسر روعته أنه لا يقلد الآخرين، ثقافته تراثية متعددة المواهب، لم يكن شاعراً عادياً، فهو انبجاس مفاجئ في الحركة الشعرية الأردنية، له صوره المبتكرة، وطريقة تناول الموضوعات بأدوات تعبيرية تتخطى النصوص التقليدية.
 ***
نال الأردن استقلاله عن بريطانيا العام 1946، وتحول من إمارة إلى مملكة، وفي عام 1948 حدثت هزيمة العرب في فلسطين، وتدفق اللاجئون إلى الأردن بكثافة لافتة للنظر، واتحدت ضفتا الأردن تحت مسمى «المملكة الأردنية الهاشمية»، ونشأ شعر جديد في شكله ومحتواه وطرائق تعبيره، ونشأ الشعر الحر، ودار معظم شعر تلك المرحلة حول أفكار مطروقة كإزجاء المدح لذوي النفوذ، والتغني بأمجاد العرب، واتسم بالخطابة والهتافات.
ونشأ شعر وطني فجّرته الهزيمة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، اتسم بالوعي القومي، ومهاجمة الاستعمار، فهو شعر واقعي تسجيلي عمودي، لجأ إلى التعبير السهل والرومانسية الطاغية، وجنح بعض الشعراء إلى التهويل وتهديد العدو بالويل والثبور، وبعضهم انعزل عن الشعب في خطابه الشعري، ظناً منه أن ذلك تفوق ثقافي، ومع أنهم اعتمدوا الأسلوب التقليدي وشعر الوعظ والصّراخ الذي يخلو من الصور الإبداعية واللمع الوجدانية، إلا أنهم كانوا صورة لعصرهم.
وكان خليل زقطان أفضل شعراء تلك المرحلة، لأن شعره مطعّم بهمّ اللاجئين ومأساتهم، وتفاعل الشعر مع القيم السائدة، وغزر، ونشأت ظاهرة الشعراء الذين ينظمون ولا يبدعون، ويأتون بمنوعات ومجموعات شعرية سطحية الفكرة وقصائد تتراوح بين القافية الواحدة وتغير القوافي، أو تغير البحر في القصيدة، ظناً من الشاعر أنه يأتي بإبداع حقيقي في مسيرة الشعر، متكئاً على طول القصيدة التي تسبب الملل والنفور أكثر مما تجذب القارئ، فهي قصائد تسجن القارئ في عصر السرعة.
وبعض هؤلاء الشعراء تمسك بعمود الشعر ولم يعِرْ اهتماماً للشعر الحديث، وخاض معارك مع الشعراء الشباب الذين كتبوا الشعر الحر بكثافة واهتمام بالغ، ومن هؤلاء الشيوخ الذين حافظوا على عمود القصيدة وتشيعوا لها، ونعتوا من يخرج عن أصالة الشعر العمودي بأشنع النعوت: حسني فريز، وعبد المنعم الرفاعي، وعيسى الناعوري، ومحمود الأفغاني، وجميل علوش، ومصطفى زيد، ورشيد زيد، ورجا سمرين، ومحمود الروسان، وسليمان المشيني، ورفعت الصليبي، وإبراهيم المبيضين.
سقط الشعر في ساحة تقليد الشعراء الكبار في الوزن والقافية والموضوع واستغلال المناسبات الوطنية والقومية والدينية، وكثير منهم مال لنظم المعلومات التاريخية في كلام موزون مقفى يخلو من الصورة المبتكرة والعاطفة المؤثرة، وكثرت في شعرهم مفردات: المجد والشرف والفخر والسيف والرماح والوثوب إلى المعالي، وكل ممدوح يستحق هذه الصفات الدالة على الشجاعة في زمن غبر، وأغلب الشعراء عالجوا موضوع مأساة فلسطين دون رؤية واعية ممتدة إلى جذور الهزيمة.
ولا تخلو مرحلة شعر الضفتين من شعر عمودي أصيل يحمل قدراً عالياً من الوعي والجرأة والمهارة الفنية تجلى في ما كتبه يوسف الخطيب، وكمال ناصر، اللذين أتيح لهما حظ من الإقامة في الأردن ونزحا عنه بسبب آرائهما السياسية، وكتبا شعراً وطنياً متقدماً. تقول فدوى طوقان من قصيدة رمزية الموضوع والتعبير ذات محتوى عام يكشف عن فكرة مضمرة جسدت وضع الشاعر، وتعرضه للسجن واختفاءه عن عيون الأمن وتشبيهه بالطائر السجين:
«يا طائري السجين فاصدح لنا
     من خلف جدران الدجى والعذاب
غنِّ فقضبان الحديد التي
    تسد في وجهك رحب الفضاء
لن تحجب الفضاء عن سمعنا
    ما زال يمتد مشع الضياء».
نشط الشعر السياسي والقومي والإسلامي واليساري في الأردن، وارتفع صوت الشعراء في صراعهم مع الاستعمار، من خلال قصائد ثورية موجهة للجماهير، وكان للأحزاب شعراؤها الناطقون باسمها، ومن الشعر العقائدي المحكوم بالفكر السياسي، وبمهارات فنية متقدمة قصيدة لأسد محمد القاسم، يقول فيها ساخراً:
«أنا لا أدافع عن حياة هُدِّدت أو عــن وطـــنْ
           أنا خائن إن لم أقاتل تحت راية الأباةْ
بل عن بنوك واحتكارات تعيش على الفتنْ
          إن لم أمزق بالرصاص صدور أعداء الحيـاةْ
اليوم أدركت الحقيقة فاغفري لي يا حياةْ
       إن لم تحطم قبضتي الهزلاء أدمغة الطغاةْ».
ويصرخ مصطفى زيد الكيلاني من منظور عقائدي إسلامي، يبشر بطلائع الإيمان ودولة المسلمين، يقول:
«متى الإسلام في الدنيا يسود
    ويشرق بيننا الفجر الجديد؟
متى ننقض كالشهب البوازي
    ونمضي مثلما تمضي الأسود؟
متى نستأنف الإسلام حكماً
    سماوياً تقام به الحدود؟».
كان رفعت الصليبي أكثر شعراء الضفة الشرقية استجابة وفهماً لهزيمة العرب، وهو يشير إلى تجربة اللاجئ خلف أسوار الوطن بقوله:
«هناك بذلك العلمِ
منازلنا من القدم
ترى عيني مرابعها
    ولا يسعى لها قدمي
هنالك كان لي أهل
    وأصحاب وجيران
بلاد باعها بالسُّحت
     سمسار وخوّان».
 وصرخ خليل زقطان ساخطاً على حياة المخيم مهدداً، يقول:
«قسماً بكل مشرد وبكل جائعة وجائع
سنثيرها شعواء تسحق كل ما سموه واقع».

ظاهرة الشعر الحر
كان الشعراء الأردنيون في خمسينات القرن الماضي أكثر تأثراً بحركة الشعر الحر التي نشأت في العراق، تمرداً على القصيدة العربية التقليدية، وتفجيراً للشعر العربي وقفزاً إلى الحداثة، لأنه يحمل صوت العصر ونداء المثقفين، بينما كان النقاد قد سجنوا أنفسهم بين جدران الثقافة القديمة.
فقد خرج الشعراء الجدد على إطار الشكل الشعري المتبع، وفتحوا نوافذهم الأدبية على أساليب نظم الشعر في الغرب. ولعل الحرب العالمية الثانية فتحت عيون الدارسين والمثقفين على آداب الغرب وأشعارهم، ومنجزاتهم في فنون الكتابة، وساعدت الصحف والمجلات وفنون الترجمة إلى العربية في اطلاع رواد النهضة العربية، على هذا النمط من الشعر الذي تخلص من الصدر والعجز وقيود القافية والأوزان الشعرية المعروفة، ومهد ذلك لنشوء ظاهرة الشعر الحر، وتأثر به الشعراء الأردنيون وكتبوا معظم إنتاجهم في هذا اللون.
ونشأت معارك أدبية ثقافية شغلت الباحثين في الأدب، وكان لكل من مدرستي الشعر الحر والشعر التقليدي أتباع ومريدون ومتحمسون، واتُّهم الشعراء الشباب بتبني حركة قلب الأوزان الشعرية، وبأنهم فئة ضالّة ويساريون، وبأنهم أغراب شاذون، وبأن الشعر الحر فنذ مترف ومفتعَل، وهروب من رصانة الشعر وعبقرية القافية والوزن وجمال البناء الشعري، وضياع هوية الشعر؛ ولكن الشعر الحر اشتد عوده في الخمسينات، وترسخت قواعده في الستينات من القرن الماضي، ومال إليه أغلب الشعراء، وتناولته الدراسات الحديثة بتسميات عديدة، فمنهم من سماه : الشعر الجديد، أو الحر، أو المرسل، أو المعاصر، أو المنطلق، أو الحديث، أو المنثور، أو المحدث، أو شعر التفعيلة.. ومنهم من رأى في قصيدة النثر لوناً من الشعر، مع أنها لا تتقيد بوحدة التفعيلة، وظلت الدراسات مضطربة وسائبة لم تستقر بعد.
وكثر عدد الشعراء كثرة مفرطة في النصف الثاني من القرن العشرين، وتوجه كثير منهم إلى لون من الشعر الحديث، وأصبحت قضيته قضية يومية في الأوساط الأدبية والأندية الثقافية والصحف، وتياراً لا سبيل إلى رده، ورأى بعضهم أن يسمى هذا الشعر: «الشعر المحدث»، لأنه يدل على الابتكار، بينما يدل الشعر الحديث على الارتباط بالزمن والمعاصرة، والعرب تسمي الجديد محدثاً. وهذا الشعر يملك إيقاعاً جديداً لم تألفه الأذن العربية التي اعتادت على النغم والقافية وإيقاع الهمس والتغريب والخطابة. ويبقى مصطلح «الشعر الحر» هو التسمية التي استعملها الشعراء الرواد، وهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، فهو شعر جديد في تاريخ الأدب العربي.
أما الشعر الحر في الأردن، فتناول موضوعات الشعر العربي من حب وهجاء وشعر ذاتي وفلسفي ومضامين اجتماعية ووطنية وقومية واتجاهات يسارية مناوئة للاستعمار وتوجهات دينية، وطغت عليه ظاهرة الرمز والأسطورة والصور الشعرية، والتقى هذا الشعر بالتجارب والتوجهات السائدة، وكان عرار قد جنح في قصائد قليلة إلى كتابة هذا اللون من الشعر الذي يصدر لا عن قواعد، بل عن أحاسيس ووعي عابر.
لكن العام 1952 كان منعطف الشعر الحر في الأردن، حيث مال الشعراء إلى كتابته بكثافة، وتبنت المجلات والصحف هذا التوجه، فكتبت فدوى طوقان، وعصام حماد، ويوسف الخطيب، قصائد تقليدية وشعراً حراً لافتاً للنظر.
رأى أنصار الشعر الحر أنه ثورة على الاستبداد والتوكل وحياة التخلف، وأنه تعبير عما يتلجلج في النفس من معضلات، ورفض لهيمنة قوى الشر والاستعمار الغربي وتناقضات الناس، وأنه شعر يمثل البساطة في التعبير، وتحقيق الذات الأدبية.
وتفجر الشعر من خلال شعراء تميزوا بسمات ومضامين خاصة، وقواعد ترفض محاولات الانفلات الكتابية، فقد غزر في فترة وحدة الضفتين، ولم يستطع شاعر أردني أن يكون رائداً على مستوى الشعر العربي، وعجز الشعر الأردني عن تجاوز الحدود الأردنية إلا ما ندر بالرغم من غزارة الإنتاج وكثرة الشعراء. ومع أن التقليديين رفضوا الشعر الحر، ورأوا فيه بدعة مستهجنة غير جديرة بالخلود، إلا أن الشعر الحديث ثبت أقدامه على أيدي جيل من الشعراء يملكون رؤية شعرية عميقة، اتسمت بالنبض وبالقناعة بكتابة هذا الشعر، لأنه يمثل أوجاع الناس.
ونشطت الندوات والمحاضرات الثقافية التي تتناول هذا الشعر، وكان لمجلة «الأفق الجديد» في القدس، ومجلة «أفكار» في عمّان، دور في قيادة حركة أدبية حديثة ذات شخصية شعرية جديدة مستقلة، وأهم شعراء تلك المرحلة: تيسير سبول، وعبد الرحيم عمر، وأمين شنار، وأيوب طه، وخالد الساكت، وراضي صدوق، وناجي علوش، ويوسف العظم، ومحمد القيسي، وحيدر محمود، وسليم دبابنة، وفايز صياغ، وفي شعرهم ألوان من الفكر الديني والفلسفي ونزوات الشباب ورؤى وصور وروح متعبة، وبعضهم لم يكتب الشعر العمودي بتاتاً، فتيسير سبول غنّى للانتصارات في بداية حرب تشرين عندما اشتمّ رائحة النصر، ورقص في الدروب فرحاً، وخلع ثيابه ابتهاجاً بالنصر، ولم يحتمل عقله نتيجة الحرب، فسدد رصاصة إلى رأسه، ورحل بعد أن سقط يملأ جوفه الظلام، ميمماً نحو تخوم النهاية، نبياً غريب الملامح، وما فاهَ بعدُ بآية.
أما شعراء الموجة الثالثة في الشعر الحر، فقد كثروا كثرة لافتة للنظر، وأصبح هذا الشعر واقعاً يمثل حركة نشطة طاغية في الساحة الشعرية، احتلت معظم المؤتمرات والندوات، واستأثرت بمعظم إنتاج الشعر، وتراجع الشعر التقليدي إلى الخلف، وكانت هزيمة حزيران 1967 محركاً للشعراء، ولعل إنشاء الجامعة الأردنية أسهم في إحداث منابر أدبية كما أُنشئت صحف ومجلات عديدة، فتحت صفحاتها لإنتاج الشعراء والنقاد، مما هيأ بيئة خصبة لنمو شعر كثيف، ومجموعات شعرية تتناثر في المكتبات وعلى أرصفة الشوارع، ولعل إنشاء رابطة الكتاب واحتضان الشعراء الشباب، ونشر إنتاجهم، ودَور الإذاعة والتلفاز الأردنيين، قد جسد نهضة شعرية توازي الشعر في الأقطار العربية المجاورة، وقد ناف عدد الشعراء الأردنيين عن ألف وستمئة شاعر، يكتب شعره في الصحف، وفي كتب، وبلغ ببعضهم أن تجاوز ما أصدره عشر مجموعات، ولكن لم يصل أحدهم إلى مرتبة الشعراء العرب الكبار أمثال نزار قباني والسياب والملائكة، وأدونيس.
وشكّل الشعراء ظاهرة طلوع شعري مكثف جدير بالدراسة الجادة لخصوبة إنتاجهم، وأهم هؤلاء الشعراء: حيدر محمود وعلي البتيري، ومحمد الظاهر، وإدوارد حداد، وإبراهيم العجلوني، ومحمد عطيات، ومحمد لافي، وعز الدين المناصرة، وخالد محادين، ويوسف العظم، وعبد الله رضوان، وإدوارد عويس، وخالد الساكت، وزهير الشايب، ويوسف أبو لوز، ومريد البرغوثي، ومحمد العامري، ومازن شديد، ومحمد القيسي، وسميح الشريف، وهيام الدردنجي، وإبراهيم نصر الله، وأحمد المصلح، ومحمد المقدادي، وعمر شبانة، وعمر أبو سالم، وعبد الله منصور، ومحمد ضمرة، ومؤيد العتيلي، وعلي فودة، ومحمود فضيل التل، وعمر أبو الهيجاء، وجميل أبو صبيح، ومحمد سلام جميعان، ونايف أبو عبيد، وكمال ناصر، وراشد عيسى، ويوسف حمدان، وإبراهيم الخطيب، وكمال رشيد، وعائشة الرازم، وسعد الدين شاهين، وعبد الله الشحام، ويوسف عبد العزيز، وزليخة أبو ريشة، وعلي الفزاع، وخليل العبويني، ومحمود الشلبي، وأحمد الكواملة، وفتحي الكواملة، وشهلا الكيالي، وأمين العدوان، وموسى حوامدة، وباسل رفايعة، وطاهر رياض، وبلال التل، وعطاف جانم، وغسان زقطان، ومحمد سمحان، ووليد سيف، وخيري منصور، وإبراهيم خليل، وخالد أبو خالد، وسهيل السيد أحمد، وعبد الله منصور.

الشعر بعد هزيمة حزيران
نشبت حرب حزيران بين العرب و»إسرائيل» في ستينات القرن الماضي، دون إعداد من العرب لهذه الحرب، وخسر العرب الضفة الغربية، وسيناء المصرية، والجولان السورية، ونشطت الحركة الفدائية الساعية لإرجاع الأرض، وظهرت الأحزاب السياسية الداعية للثأر، وتشكلت في الأردن دائرة للثقافة رعت الحركة الأدبية، من خلال ميلاد مجلات (أفكار، والفنون، والشباب)، وتأسست رابطة الكتاب الأردنيين، ومن بعدها اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين، وخصصت بعض الصحف صفحات ثقافية يومية أو أسبوعية ونشطت أمانة العاصمة، ومؤسسة شومان، وبيت الشعر، في دعم حركة الشعر، وتناثرت كتب الشعراء في أرفف المكتبات، وزاد عدد الشعراء الذين طُبع إنتاجهم على ألف شاعر، ولكن الشعراء الذين أثروا في الذائقة الثقافية لا يتعدون العشرات، ويمكن تقسيم هذه المرحلة إلى ثلاثة اتجاهات هي: الشعر التقليدي الذي كتبه شعراء شيوخ ورحلوا تحت الثرى -أو من أطال الله أعمارهم-، والشعر الحر الذي تفجر بغزارة في هذه المرحلة، وشعر الشباب الذين ما يزالون يرفدون الحركة بالعطاء المتنوع.
والاتجاهات الشعرية العربية وتياراتها وسماتها ماثلة في الشعر الأردني، ولكن التيار التقليدي أعطى تجربته وغلب عليها الشعر العمودي، وبدأ ينحسر. ويمثل هذا التيار الشعراء الذين رحلوا وهم: حسني فريز، وحسني زيد، وعبد المنعم الرفاعي، ورشيد زيد، وجميل علوش، وشكري شعشاعة، وفدوى طوقان، ومصطفى زيد، وخليل زقطان، وأسد محمد القاسم، وأحمد أبو عرقوب، وكمال رشيد، ويوسف العظم، ويوسف الخطيب، وخالد الساكت، وأيوب طه، ومحمود الأفغاني، وإبراهيم المبيضين، وعبد الفتاح الحديدي، وعبد المجيد الحياري، ومحمد سليم الرشدان، ومحمود الروسان، وأحمد الشرع، ومصطفى السكران، وعيسى الناعوري، وحسن العزازي، وسليمان عويس، وكمال ناصر.
ومن الشعراء الأحياء الذين اتسم شعرهم بمضامين وطنية سياسية وجمالية، ولكنهم حافظوا على القصيدة العمودية: حيدر محمود، وناصر الدين الأسد، وسميح الشريف، وجاسر العموري، ورجا سمرين، وشجاع الأسد، وعطا الله أبو زياد، وعلي زيد، ومحمد سمحان، ومحمد النطافي، ومحمود عبده فريحات، ومصطفى الخشمان، ومصطفى القرنة، وسليمان المشيني.
ومن الشعراء الأحياء الذين قادوا حركة التجديد في القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة: حيدر محمود، عز الدين المناصرة، إبراهيم الخطيب، إبراهيم نصر الله، أمجد ناصر، راشد عيسى، خالد محادين، يوسف أبو لوز، وليد سيف، محمد لافي، يوسف عبد العزيز، زليخة أبو ريشة، محمود الشلبي، علي البتيري، نايف أبو عبيد، محمد الظاهر، حبيب الزيودي، عبد الله رضوان، عبد الله منصور، محمد سمحان، محمد ضمرة، خيري منصور، إبراهيم العجلوني، محمد عطيات، محمد سلام جميعان، حكمت العتيلي، محمد مقدادي، أمينة العدوان، جميل أبو صبيح، عيد النسور، نزيه القسوس، محمود فضيل التل، محمد ناجي العمايرة، غسان زقطان، خالد أبو خالد، هاشم القضاة، هيام الدردنجي، سهيل السيد أحمد، حسين حسنين، خليل العبويني، أحمد أبو سعدون، عبد الله منصور، مازن شديد، وعائشة الرازم.
ولعل شاعرين اثنين استأثرا بالإعلام الأردني الذي ساهم في صقلهما، وانتشار شعرهما، وامتلكا أدوات تعبيرية إبداعية، وهما: حيدر محمود، وحبيب الزيودي، كلاهما كتب شعراً غزيراً نشر في المجلات والصحف المحلية، وأتيح لهما من الدعم الحكومي ما لم يتح لغيرهما، وقد ركزا على الملامح والسمات الأردنية، وجمال الطبيعة والمدن والشخصيات الوطنية البارزة، مما أسهم في حضور شعري لهما في المناهج المدرسية، وفي الصحافة المرئية والمسموعة والمطبوعة، والندوات والحلقات الدراسي. يقول حيدر محمود:
«تتوحد الدنيا وننفصل
    ونقل نحن وتكثر الدولُ
وتصير كل لغاتها لغة
    وعلى (حروف الجر) نقتتلُ
هل ظل للمستعمرين يد
    فيما يحل بنا، وقد رحلوا؟
أم إنها يدنا التي فعلت
    في حالنا أضعاف ما فعلوا؟
فكأنه لا فرق بين يد
    ويد ومن خرجوا كمن دخلوا
تتوحد الدنيا على هدف
    وتضيع من أهدافنا السبلُ
وإلى متى؟ ستظل نجمتنا
    تطوي لياليها ولا أملُ
قولوا لهذا الجدب إن لنا
    يا جدب، ماءً سوف ينهملُ
الفجرُ موعدُنا، وموعدُنا
    فاستعجل الأشواق يا قُبَلُ
ستجيء مهما الليل عاندها
    ستجيء، مهما عاند الأجلُ».
وحبيب الزيودي الذي توفي في تشرين الأول 2012 إثر سكتة دماغية مفاجئة، من الذين مشوا على خطوات عرار في تعلقه بالأردن، وجماليات المكان ونفض التراب عن التراث الأردني، يقول من قصيدة «ارتعاشات»:
«قفا على النبع، لي بالنبع حاجاتُ
    حلت على القلب من ذكراه علاتُ
أتيته حاملاً في راحتي ندمي
    وفي دمي شرشت لليأس غاباتُ
مسافر، ما احتواني شارع، تعب
    تناهشتني بعمان المحطاتُ
حدق بوجهي ترى الآمال ذاوية
    فلو تكلمت خانتي العباراتُ
تعطلت في طريق التيه بوصلتي
    فضيَّعتني بدربي الاتجاهاتُ
بيني وبينك يا آمال أودية
    من الرمال وأحلامي بعيداتُ
صحراء! أصرخ في ساحاتها ثملاً
    من الضياع فترتد النداءاتُ
أكاد ألمحُ في كثبانها كفني
    للموت في وجهها الضاري علاماتُ
يا أردنيات أشلائي مبعثرة
     فمن تلملمني، يا أردنياتُ».
 ويبقى الشعر في الأردن مطاولاً لحركة الشعر العربي في أقطاره المتعددة، ويمتاز بحمله للهمّ القومي، وبغنى مضامينه الوحدوية والتحررية، ويبقى مشبعاً بالقضية الفلسطينية، وعذاب الفلسطينين وحجم نكبتهم.
•أجزاء مقتطفة من دراسة طويلة