حسني فريز «أيقونة الشعر الأردني» : أبو قبلان فكأنه أستاذ وفي الشرح ذو بيان

أجرى الحوار- إبراهيم السواعير

«عبدالله اللوزي» شيخ عشيرة اللوزيين وشاعرها، قال فيه وصفي قبيل أيام من استشهاده بالقاهرة عندما كان يعوده في مرضه « أصدق من عاملت وأذكى من عرفت».
وهاهو الباحث عمر اللوزي يضع اللمسات الأخيرة على كتابه (عبدالله اللوزي..بدايات وطن)، الذي يجمع فيه أشعار جدّه الشاعر (1900- 1976)، محققاً قصائده في سياق قصصي وشروحات توخّى فيها أن تكون عيّنةً على رجالات في ذاكرة الأردن.
في هذا الحوار نقرأ عبدالله اللوزي في أشعاره ومساجلاته مع الملك المؤسس عبدالله الأول ابن الحسين طيب الله ثراه، ونلمس فنيّات القصيدة لديه، مثلما نتحدث عن صعوبات التدوين في ظل تباين اللهجات وشيوع المقحم والدخيل على قصائد مضى عليها زمن، وضاع كثيرٌ منها في صدور الحفظة، لنقرأ الملامح الوطنية والقومية لذلك الشاعر في ربوع منطقة الجبيهة، تمهيداً للديوان الذي يستذكر فيه عمر اللوزي عن (أبي قبلان) شيئاً من طيف تلك الأيام.   
تدوين التراث يبدأ فكرةً  تدخل بهمّة صاحبها حيّز التنفيذ، وغالباً ما يسابق الأبناء والأحفاد الزمن للعناية بمورث أسلافهم، وربما وقعوا في أخطاء السرعة والاستعجال؛ كيف تفاديت هذه المصيدة، وأنت تجمع أشعار عبدالله اللوزي وأخباره وجملة ما روي عنه؟!
لقد رأيت وسمعت منذ طفولتي جدي عبدالله اللوزي ورأيت مجلسة وكيف كان وعن أشعاره الدافئة، وعن رثائه والدي (صدقي) رحمه الله وتوثيقه أحداث الأردن في قصائده، وفي ذلك من قصص النخوة وإكرام الضيف والتواصل مع شيوخ البلقاء والأردن والعرب الكثير الكثير، فضلاً عن أشعاره التي ما نزال بها نتغنى ونتمثّلها في كلّ مجالسنا، وحين ودّع الحياة كان عمري أحد عشر عاماً، وقد لمست شاعرية (أبو قبلان) من خلال ما قرأت عنه وسمعت، فقد كان على قدرٍ عالٍ من الشاعرية والحسّ المرهف، وكان يساجل جلالة الملك المؤسس عبدالله الأول ابن الحسين طيب الله ثراه، ويبدع في قصائده، في الغزل والوجدان والحكمة ووصف الخيل وتأكيد قوة الجيش العربي وكرامته، فزادني شغفاً بالكتابة عنه أنّ شخصيات الأردن السياسية والأدبية كانت تذكره في مؤلفاتها ومقالاتها وتترحم عليه، من أمثال وصفي التل وحسني فريز وكثيرين.    
لذلك، وجدتُ أني أنا المعني قبل غيري بأن أجمع أشعاره وأقف على ظروفها وأتحدث عن خصاله وسبقه إلى المعاني العذاب في الشعر؛ وإذ ذاك سابقتني همتي في أن أكتب عنه وألمّ شعره وأجالس الشعراء والحفظة وأصحاب الوثائق والصور  التاريخية، لأستزيد على ما هو موجود، وبالفعل، فقد سرتُ في مشروعي، وكنت أحسبه هيّناً، لكنه طال وتفرّع عن حكايات وقصص ومناسبات، وصدّقني، فحتى هذه اللحظات ما يزال الباحثون والمثقفون والحفظة يفاجؤنني بقصائد قالوا إنهم حفظوها وهي تُروى عن جدي أو أنهم سمعوها منه، وذلك ما وضعني بحجم هذه المسؤولية. فأعتقد أنّ سبعة عشر سنة  من الاشتغال على هذا الموضوع كفيلة بأن تجعلني أتوافر على مادّة الكتاب، وكان يمكن أن أكتفي بالظاهر الذي أسمّيته أنت مصيدة السرعة والشهرة والاستعجال.
لكنّ الباحثين في الشعر المحكي أو البدوي أو (اللهجي) غالباً ما يقفون حيارى أمام اللفظ المقحم والشعر غير الموزون بتواتر الرواة وطول مدة الرواية من غير تدوين، أو ينال منهم اليأس أمام لهجاتٍ تتباين لدى الحَفَظة. كيف تغلّبت على كلّ هذه التحديات؟!
كنتُ كلّما راودني التعب أو تملكني اليأس من تعدد الروايات أو سماع الأشعار غير الموزونة، أعود فأستمع إلى صوت جدّي وريادته في ابتكار الصور والمعاني، فأتابع المشوار بحثاً وتنقيباً، ومثلي لا ينام إن سمع أنّ قصيدةً يحتفظ بها هذا الشاعر أو ذاك أوحكايةً تتخللها قصيدة لأبي قبلان، فكنتُ أحثّ الخطى وأطلب المزيد.
لكنّي أريد أن أشرح لك أمراً في غاية الأهميّة، وهو أنّ شاعراً وشيخاً نبيلاً بحجم عبدالله اللوزي لا يمكن أن يمرّ لفظٌ مقحمٌ في قصائده دون اكتشافه، ذلك لأنّ قرائن الأخلاق الكريمة والمحبة وطيب النفس التي عُرفت عنه تجعله يسير وفق منهج أخلاقي إنساني أدبي عالي المستوى في قول الشعر البدوي. وهو شعر بدوي بلهجة أهل البلقاء، الذين تستطيع أن تميزهم عن غيرهم في مخارج حروفهم وفي أدوات الربط وطريقة اللفظ، وكلّنا نشأنا على هذه اللهجة ومارسناها في بيوتنا وتفاصيلنا اليومية، ولا يمكن أن نعمد إلى وزن بيت من أبيات عبدالله اللوزي فنقحم عليه لفظةً قد تشوّه معناه وتدخلنا في اضطرابات وانتقادات لاحقة حين يعمد المتخصصون في مقارنة اللهجات إلى اكتشاف الخطأ، وأهونُ عليّ أن أترك البيت كما ورد عن جدي، هكذا بصيغته، دون أن أضع من عندي ما يجعله غير مستساغٍ لدى أهل البلقاء بخاصة والأردنيين بعامة، وأسألك: ما فائدة أن نجمع الشعر القديم إن لم يكن يعبّر عن بيئته وناسه وظروفه وتفاصيل حياة قائليه ولهجاتهم ومنظورهم للحياة والجمال؟!.. أجد أنّ أغلب أبيات (أبو قبلان) موزونة، ولا تنس أنّ الغناء يظهر البيت الموزون من غيره، كما في (الهجيني)، وهنا فأنا بين مفاضلات لا تنتهي بين الصحيح والأصح، وعلى أيّة حال فقد ورد في شعرنا الفصيح ما يؤكد هذا المعنى (تغنّ بالشعر إمّا كنتَ قائله/ إنّ الغناء لهذا الشعر مضمارُ).
اليوم، ومن خلال جلساتي المتواصلة مع الشاعر نجل عبدالله اللوزي العم أحمد اللوزي (أبو عبدالله) الذي كان على معرفة بقواعد اللغة وعروض الشعر والأوزان، وجدتُ، في استشارتي له، أنّ المتخصصين يستطيعون تطبيق قاعدة الخليل بن أحمد الفراهيدي على الشعر النبطي وأن يفهموا الجانب الغنائي وتعدد اللهجات والزحافات والمد والإشباع في لفظ هذا اللون من الشعر. ولا شكّ أنّ كثيراً من أبيات الشعر النبطي تقبل تفعيلات الشعر الفصيح إن نحن حرّكنا قليلاً في الحروف لنصل إلى المقاطع القصيرة والطويلة، فيقال إن هذا الشعر هو على وزن المسحوب، مثلاً، المقابل لبحر من بحور الشعر لدى الفراهيدي، ومع ذلك، فأنا أحبّ ألا أتدخل إلا بما هو صارخ ويحتاج تعديلاً، فربما كنت الطباعة سبباً في أن يتعثر وزنه، أو كان اللفظ عند القارئ لا يسمح بالوزن الصحيح، مع أن البيت هو موزون، فتبقى المهمة على عاتق قارئ القصيدة. وفي الواقع، فإنّ تخوفك من أبيات يمكن أن تكون محل اضطراب موسيقي هو أمرٌ وارد، ولكنّي أعوّل في هذا المجال على كيفية كتابتي البيت لأساعد المتلقي على قراءته، فكثير من الألفاظ تجعل من البيت غير موزون إن نحن لم نفطن إلى أنّ الحركات تصبح حروفاً مشبعة، وهذا يحتاج إلى دربة ومراس في قول هذا اللون من الشعر ودراسة ظروفه وسهولته الممتنعة.
وأنت تشرح القصائد، ما الملامح التي تبرر بها أشعاراً تتعب على جمعها لعبدالله اللوزي؟!، وهذا على أيّة حال يمكن أن نقرأه بالاستنتاج والنظر ومقارنة الأحوال.
سيجد القارئ لديوان (أبو قبلان) أنّه رجلٌ وطني شديد الوطنية، قوميّ يدعو إلى الوحدة، إنساني في أدق التفاصيل التي قلّما ينتبه إليها أحد. فشعره ليس فقط كلماتٍ في شطر وعجز، بل هي مشروع مهم يمكن لمن يقرأ الديوان أن يحبّ صاحبه، والأمثلة على ذلك كثير. لقد وصف (أبو قبلان) مدرعات جيشنا ومعركة الكرامة وامتدح رجالات الوطن وكانت أغراضه في الوصف والمدح والمداعبة وشكوى الحال والنظرة السياسية تدخل القلوب بانسيابٍ وتلقائية.
ويذكر كثير من رجالات الوطن مواقف عبدالله اللوزي سواء في  مجلس جلالة الملك المؤسس طيب الله ثراه، أو في مواقفه التي جمعته مع رجالات الأردن- الأمر الذي دعانا في هذا الكتاب لذكر بعضٍ من أشعار  الملك المؤسس عبدالله الأوّل ابن الحسين التي لم تنشر من قبل، وأشعار عبدالله اللوزي في الصالونات السياسية والاجتماعية، وكان (أبو قبلان) قد ظهر فيها زعيم عشيرة وشاعراً له حسّه المرهف،  تقرأه الأجيال عبر هذا التاريخ المضيء.
فهو رجل دولة بكل ما في الكلمة من معنى وكما عشق السياسية عشق الأدب، إذ يقول رئيس الوزراء الأسبق زيد الرفاعي:  (كان لقائي بأبي قبلان كل أسبوع على  شرفة مطلة في منزلنا بجبل اللويبده، و كان للرواية التي يرويها (أبو قبلان) نكهة خاصة ودلالات قوية، وأنا كنت أعتبره لقاء ثقافياً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، ومن شدة إعجابي بتلك الأحاديث وبطريقة إلقائه حدث أن أحضرت مسجلاً لتسجيل ما يرويه عبدالله اللوزي، وذلك للاستئثار به شخصياً، إلا أنه رحمه الله كان يرفض ذلك.
 وقد فاجأني الرفاعي بترديد أبيات قصيدة نمر العدوان:  (حبه سكن في جوشن الروح نزاع/ ويسوق ما بين العظم والنخاع)، إذ يقول: ( كان عبدالله اللوزي وكلما رأيته لا بد أن يبادرني بالسلام بهذا البيت من أشعار نمر بن عدوان)، ثم استرسل (أبو سمير) في الحديث عن رجالات الأردن وبالأخص عن عبدالله اللوزي  وعلاقته بسمير الرفاعي من قبل.
وكما نسير مع الأديب الراحل حسني فريز وهو يصف قصص الشعر ونسيم الجبيهة وبيوت الشعر ولطائف عبدالله اللوزي، فإنّنا سنجد في الكتاب أنّ الكثيرين من وجهاء الأردن أخذوا ينعون عبدالله اللوزي بعبارات حملت معنى الحزن وألم الفراق؛ في البرقيات أو الكتابة في الصحف. فقد كتب حسن النابلسي ينعاه في جريدة الرأي بتاريخ 17/2/1976 بمقالة شهيره حملت عنوان»رجل وموقف»، لتتوالى بعد ذلك مقالات كثيرة يصعب حصرها خطّها عدد من الأدباء والمفكرين وهم يستذكرون مواقف عبدالله اللوزي، منهم ضيف الله الحمود، والأديب خالد الساكت، والأديب زياد عودة، والدكتور حسين أبو عرابي، والدكتور سليمان عربيات، والمحامي أحمد النجدواي، والشاعر حبيب الزيودي، وجميعهم كان يستذكر عبدالله اللوزي ومجالسه ويقرأ إحساسه السياسي العالي وروحه العذبة المليئة بالإنسانيّة والوفاء.
وطنياً يمكن أن أتحدث في سياق شعر عبدالله اللوزي عن السلط وثقلها السياسي عند بداية تأريخ المملكة، وبالأخص حينما كانت إمارة، إذ كانت تحدث مظاهرات بسيطه هنا وهناك، وتحديداً مظاهرة أمام القوات البريطانية المتواجده على أرض الأردن سرعان ما تحوّلت إلى مواجهة مع الإنجليز. وما يميّز هذه المواجهة أنها كانت بقيادة شيوخ ومشايخ الأردن بشكل عام والبلقاء بشكل خاص: سلطان العدوان مع أبنائه ماجد ومنصور وعلي وعبد الحميد حيث استشهد المرحوم صايل الشهوان شيخ مشايخ العجارمه، وجُرح الشيخ بشير الحويان والشيخ محمد البريزات،  وحدث ما حدث. وهم في حقيقة الأمر كانوا معترضين على قرارات تفرض على القيادة الأردنية من قبل بريطانيا، كما أن وجود هذه القوات في الأردن كان مصدر قلق لهم على الدوام.
قلتَ إنّك وجدتَ في مساجلات عبدالله اللوزي مع الشعراء الأرادنة وثيقةً مهمةً في المحبة والعيش المشترك والأخوة الواحدة في الوطن الواحد. وهذا بحدّ ذاته استنتاج مهم.
في الواقع قال شاعر الفحيص المبدع زيدان الصويص قصيدةً رثى بها والدي صدقي اللوزي معزياً جدّي عبدالله اللوزي(أبو قبلان)، ولا أخفيك فقد قرأتها بيتاً بيتاً حتى حفظتها لسببين، أولاً أنها دقيقة الوصف وفيها تشبيهات حلوة ودعوة إلى النظر في أمور الدنيا الفانية، وثانياً لأنّها تشكل دستوراً إنسانياً للعيش المشترك بين الأخوة المسيحيين والمسلمين، وهذا ما جعلني أفتخر بشاعر بحجم زيدان الصويص وأتواصل مع أبنائه، فهو شاعر قرأ المعنى الإنساني وخطّه شعراً صادقاً يجعل من بلدنا ريادياً في العيش المشترك والمحبة والتكامل الإنساني. من القصيدة أذكر: (( ليتَ البقا بِعْماركم يا ابو قبلان// يسلملي راسك يا حميد المزايا// الموتْ حَق وْما عَلى الموْتْ نِكرانْ// وكلْ واحدٍ لازِمْ يِزورَ المنايا// ما يَسْلَمِ مْنَ الموْتْ واليْ وْسلطانْ// والانبيا الليْ طاهرينَ النِّوايا). وكان عبدالله اللوزي ردّ بقصيدة تحمل الشكر على التعازي وتؤكد المعاني الإنسانية بين أبناء الوطن.
كيف اشتغل عبدالله اللوزي على فنيات القصيدة؟!.. ضعنا بصورة عامة عنه شاعراً في جماليات اللغة والأسلوب؟!
الدارس لشعر عبدالله اللوزي سيجد أنّه جوّد في أشعاره وعرف كيف يؤثر في نفوس أصدقائه ومحبيه من الشعراء وممن يضمهم مجلسه في الجبيهة، وهذا متروك للباحثين في جماليات الشعر النبطي ومقاصده ولغته وأسلوبه وعاطفته وتقنياته. وأستطيع القول إنّ قصائد (الهجيني) التي كان يصدح بها هي مدرسة فنيّة لما حملته من رقة الأحاسيس وعذوبة الموقف وشكوى المحب. فأرجو أن تقرأ معي هذه الأبيات لتدرك الاشتغال الذكي على عنصري الشمس والقمر والعلاقة القائمة بينهما إذ لا يلتقيان؛ وهو ما يحمل حزن الشاعر وألم الفراق، إذ يقول: ((يا بنت يا لابسة الجبّة/ ياللي كما عين صيّادِ/ القلب والنار تلهب بَهْ/ يطرق كما كور حدّادِ/ حتى القمر عذّبه ربّه// يركض ورا الشمس وينادي)، وفي شكواه: (البارحة ساهرٍ لما القمر بانِ/ ليلة ثلاثة تبقّن من ثلاثينِ/ قعدتله بالوعد والترف ما جاني/ مدري وش اللي جرى من مغيزل العين). والأمثلة كثيرة على أسلوبه وتشبيهاته في المدح والرثاء والحب والوصف والمساجلات.
وأحب أن أستشهد هنا بما قاله الشاعر الكبير حسني فريز عن عبدالله اللوزي في زيارته الجبيهة ليعود يكتب قطعةً أدبية يعبّر فيها عن إعجابه الشديد بهذا الشيخ الشاعر الفارس المحب، إذ يقول في كتاب (مع رفاق العمر) عام1982:
« أولئك الذين يشكون من حر المدينة، ويتخذون لذلك ألوان الاحتياطات ويظلون مع ذلك في تذمر، يستطيعون أن يروا ما في نهار الصيف من جمال، وما في حرّه من مسرة إذا هم جلسوا في بيوت الشعر، أو في بيت من البيوت التي ابتناها البدو في الريف.
ولقد نعمنا في يوم قائظ بالتعرف إلى جمال الصيف ونسائمة إذ كنا في ضيافة عبد الله اللوزي أبي قبلان، فجلسنا في غرفة تشرف على السهول الخصبة في الجبيهة، من مغاريب عمان. كان الهواء ينساب من نافذة الغرفة الغربية لطيفاً ، ناعماً يخبىء الربيع في ردنه!!
وها نحن ننظر إلى الراوية الشاعر، الرجل الطويل الأهيف القوي البنيان رغم أنه ناف على الخمسين. فكأنه أستاذ يعرف مدى طلابه فيشرح لهم ما يعرف أنهم بحاجة إلى إيضاحه، وهو في الشرح ذو بيان.»

أما عن مساجلات عبدالله اللوزي مع ملك شاعر بحجم المغفور له عبدالله الأول ابن الحسين هي كنز نفيس يمكن أن تكون محلّ قراءة، لأن كثيرين يقرأونه طيّب الله ثراه شاعراً فصيحاً وصاحب لغة قويّة، فضلاً عن حنكته السياسيّة. ضعنا بهذا الجوّ؟!
كان جلالة الملك يحبّ الجبيهة وصيفها، ويحب موقعها المرتفع، وكان يذكرها في كتاباته وأشعاره ومجالسه لخصبها وطيب تربتها التي لا تثير الغبار، علاوةً على هوائها العليل النقي وكثرة بيوت الشعر، والخيول العربية الأصيلة، التي كانت تزيد من جمال المنطقة، وفي صيف 1939 شرَّف جلالة الملك عبد الله عشيرة اللوزيين بزيارة كريمة، إذ كان يمتطي فرسه ومعه كوكبة من الفرسان يحيطون بجلالته فلما رأى مضارب عشيرة اللوزيين والخيول راقه هذا  المنظر فاستقبله أفراد العشيرة ومكث وقتاً لا بأس به، فنظم هذه القصيدة: (يا مهيرتي يا حلو منقاك/ ريمٍ نظا وصفه لزومِ/ والقذلة اللي على محياك/ يلعب بها ريح الحزومِ/ شبه النداوي تغيظي عداك/ صقرٍ على الصيد مرقومِ/ يا بلادي اللي خلق يحماك/ يا ربعنا خيرة القومِ/ عمان رب الملا يرعاك/ ديرة عرب دايم الدّومِ/أصيلةٍ والهوى بمرقاك/ ريح النفل عطّر هدومي/ ومن الجبيهة نقا ننقاك/ مقيظ يومٍ باثر يومي). هذه (الهجينيّة) حرّكت شاعريّة عبدالله اللوزي، فقال: (دنيت انا حرّةٍ محراك/ يا بكرتي ما لها سومِ/ من الجبيهة القصر ملفاك/عالهاشمي سيّد القومِ/ سمح الوجه ما اطيب محيّاك/بمشاهدك عيدنا اليومِ/نورٍ ظهر والسعد يبراك/بدر السما فوق الغيوم/ شعوب العرب تحتمي بحماك/جيش الترك فرّ مهزومِ/كل الوطن بارك محياك/ ع دربكم سارت القومِ/ طلال ونايف على يمناك/ اشبالك نمور ونجومِ/ باعيالنا ومالنا نفداك/ يا منجدٍ كل مظيومِ/ يا سيدي ربنا يحماك/ بالهاشمي حكمك يدومِ).

 نفائس
لا بدّ وأنّ وجهاء العشيرة يحتفظون بهذه النفائس مما ترك شاعرهم عبدالله اللوزي. هل تواصلت معهم وما مدى الاستفادة في التحقق من رواية الأشعار والمناسبات؟!
أشعر أنني مدينٌ لهم واحداً واحداً، فقد مدّوني بالنصيحة ومنهجية البحث ووقفوا عند الأشعار والمناسبات، وساروا معي في مشروع التوثيق خطوةً بخطوة، فمنهم الشاعر والسياسي والدبلوماسي وصاحب التجربة، فلهم كلّ التقدير. وهنا اسمح لي أن أردّ الفضل إلى دولة أبي ناصر أحمد اللوزي على معرفته ونصائحه وما زوّدني به من نفائس الأشعار، من مكتبته العامرة بالنوادر من الكتب والمخطوطات التي حفظها وقد بحثت لأكثر من عشرين عاماً عن قصيدة رثاء جدي لأبي فما وجدتها الا عند رئيس الوزراء  الأسبق أحمد اللوزي «أبو ناصر».
يحتفظ الأبناء بالمكان بين جوانحهم ويحملون له أطيب الأثر. كيف ترى (الجبيهة) بعد كلّ هذا العمران؟!
في الجبيهة مرابع الصبا، وموئل الأجداد، ولا يمكن أن أنسى بطولاتٍ وقصص وحكايات رويت لي عن مفلح اللوزي(أبو رداد) الذي أرسم له في ذهني أطيب الصور، فارساً وشيخاً وحكيماً في مرحلة مفصلية كانت الأكثر بروزاً في تاريخ عشيرة اللوزيين، حين تم فيها مصاردة «الجبيهة» بقرار من قبل الحكومة التركية لإخلائها من ساكنيها تمهيداً لمنحها المهاجرين من القفقاس، الذين قدموا إلى الأردن بدايات القرن الماضي، فإخلاء الجبيهة من ساكنيها أمر لا مفر منه،  ولا أحد يستطيع التصدي لذلك إلا إذا كان بمواصفات معينة لمواجهة الحاكم التركي في بلاده. كان ذلك في فترة حرجة ضاع فيها الأمن والأمان وعمّ الجهل والظلام، فكان أن ذهب (أبو رداد) إلى الآستانة مغاضباً ليعيد العروس إلى أهلها، بعد أن تم اختطافها من خدرها ومن بيت عزها، وعلى ظهر جواده وحيداً سار يقطع الفيافي والسهول والهضاب والجبال معرضاً نفسه للمخاطر المحدقة، فكان، وبحق، فارساً نتمثّله في كلّ مجالسنا، إذ أقنع الآستانة بالعدول عن رأيها، وبذل لذلك جهداً ووقتاً وأحدث ضجةً لدى المحاكم التركية وعاد بسندات الملكية والحقوق، وبالمناسبة، فهو الأخ الأكبر لعبدالله اللوزي، وهكذا فنحن نحتفظ بأعذب الذكريات وأروع قصص البطولات لرجل بحجم مفلح اللوزي ( ابو رداد) ودع الحياة وسط بكاء خلقٍ كثير عام 1916، وفي ذلك أطيب الحديث.