سناء أبو شرار

هل يقتصر عالم السياسة على الرجل؟
نعم، ولا!
نعم، لأن الرجل هو من وضع قوانين السياسة ونظم فعالياتها، وجدولَ مصالحه ومصالح سواه وفق منظومة انتخابات وأحزاب وتيارات وربما ثورات وانقلابات. هو عالم الرجل لأنه يخضع لكل مفاهيم الصراع والتنافس وتضارب المصالح أو تآلفها لديه ولدى من يُمثل أو لدى من يريد أن يستقطبه ليُمثله. هو عالم الرجل، لأن الرجل جعل من السياسة عالماً بلا مشاعر، وربما بلا إنسانية، وبرر لنفسه كل الوسائل لأنه رجل، وانطلاقاً من أن الغاية تبرر الوسيلة.
هو عالم الرجل، لأن الرجل يسمح لنفسه بالأخطاء، وأن يتابع من جديد حتى لو رفضته الجماهير، فالمجال الوحيد الذي لا يشعر به الرجل بالإحراج أو الخجل هو المجال السياسي، لأن الرجل روج وأسس لثقافة أنه لا يوجد في السياسة ما هو محرج أو مُخجل، وأن الأشياء غير المسموح بها خارج السياسة مسموح بها في السياسة.
هو عالم الرجل، لأنه انعكاس حقيقي وواقعي لرغبة الرجل لفرض سلطته، بل هو عالم رجولي بكل معني الكلمة، حيث يمارس الرجل سلطته المطلقة حتى لو كان ضعيفاً ومنسحباً في مواضع أخرى في حياته، ففي السياسة يكشر عن أنيابه ويزأر، لأنه قرر ونفذ بأن تكون السياسة حلبة صراعه الأولى، ولأن فرض القرار شبيه جداً فرض السلطة الرجولية.
عالم السياسة وإن كان مقتصراً على الرجل، إلاّ أنه لا يخصه وحدع، فحين نحلل السياسة بعيداً عن النظريات والإيديولوجيات، نجد أنها عالم الحياة، بل هي أهم علوم الحياة، لأنها تمس الرجل والمرأة والطفل ثم تنتقل لشرائح أوسع كالأسرة والمؤسسات وتتدرج لتنتقل للحكومة والوزارات، ثم تصل لقمة الهرم لتمسّ الدولة بعلاقاتها مع الدول الأخرى. لذا فإن مقياس نجاح دولة ما في تسيير شؤونها وشؤون أفرادها ومجتمعها هو المقياس الحقيقي لنجاحها، ولهذا أيضاً تلجأ بعض الدول حين تفشل داخلياً (سواء على صعيد الفرد أو الأسرة أو المجتمع ككل) إلى مَخرج أخير هو النجاحات الخارجية، عبر الحروب أو إيجاد مكانة دولية دبلوماسياً أو اقتصادياً؛ لكن مهما بلغ نجاح الدولة خارجياً، فإن العيون تظل ترصد مقدار نجاحها الداخلي، لأنه المقياس الحقيقي لجدارتها السياسية.
لقد اقتصر عالم السياسة على الرجل بإرادة منه، وكذلك لظروف صعبة تتطلب وجود رجل في موقع القيادة؛ لكن العالم المعاصر فرضَ حضور المرأة، فهل كان ذلك بفعالية حضور الرجل؟ وهل نجحت المرأة في الغرب أكثر من المرأة العربية في مجال السياسية؟
ما يزال حضور المرأة العربية في مجال السياسة ضعيفاً على الصعيد العملي، مع الإشارة إلى أنه لم يعد صعباً على المرأة أن تتقلد مركزاً سياسياً، بل الصعب هو أن تُثبت جدراة تنافس جدارة الرجل وخبرته، وهو أمر ليس سهلاً رغم تساوي الطرفين في المؤهلات العلمية؛ وربما يكمن السبب في أن المرأة ما تزال تنطلق في إدارتها لمعظم الأمور من كونها امرأة، فتتحفظ أو تتراجع، ولا تمتلك الجرأة ليكون لها بصمة خاصة مثلما يكون لبعض الرجال؛ لأن السياسة لها وجهان: إدارة الأمور، وهو ما يمكن أن يُتقنه أي شخص سياسي سواء كان رجلا أو امرأة؛ وقيادة الأمور، وهو ما لا يتقنه سوى فئة نادرة من الرجال وفئة أكثر ندرة من النساء، لأن هذه القيادة تتطلب الحكمة والمعرفة وقوة الشخصية من دون تسلط، والقدرة على اتخاذ قرارت غير تقليدية، والقدرة على استقراء المستقبل واستشعار حاجة المجتمع لشيء لم يُطلب بعد ولكن قد يُطلب لاحقاً.
باختصار؛ السياسي ليس المطلوب منه أن يكون صاحب منصب رفيع فقط، بل ينبغي أن يكون صاحب فكر رفيع وشعور مرهف لما يدور في أروقة الحكم وفي الشارع، وألاّ ينفصل الشارع بالنسبة له عن أروقة الحكم، وأن يكون مع الجميع وليس مع ذاته بالشراكة مع فئات محددة.
وما تزال المرأة العربية تفتقد لروح القيادة، فهي حتى في موقعها السياسي ما تزال تجْنح للتطبيق الحرْفي للقانون وتتردد في المبادرة بتغيير القانون، تتواصل مع الجمهور عبر منظومة تقليدية رسمها الرجل وتسير وفق خطواته، ولا تمتلك أدوات إبداعية تتناسب مع روحها الخلاقة وشعورها بالقرب من جميع فئات المجتمع.. لمْ تستثمر المرأة العربية بعض طاقاتها الكامنة كامرأة ولم تتوقف عن تقليد الرجل في جميع الأمور مما أفقدها خصوصيتها؛ حتى إنها لم تطور أيديولوجية نسائية سياسية، ليس بمفهوم التعصب لكونها امرأة، ولكن بمفهوم إيجاد نمط سياسي حديث ومرن يتطابق مع شخصيتها ويكون أكثر قرباً للجمهور.
لقد أسست المرأة الغربية لأيديولوجية سياسية نسائية خاصة بها، لكنها أيديولوجية خاصة بالنساء على وجه الخصوص لم تتوجه من خلالها للجمهور بشكل عام، وما تزال المرأة حتى في الغرب تقتفي آثار الرجل وتسير وفق منهجه السياسي، بل وتنظم برنامجها الانتخابي بما يُشبه برنامج الرجل، بل قد تكون قيادتها للأمور أكثر شراسة من الرجل؛ وتتنافس من منطلق إحداثيات الانتخابات لا من منطلق أيديولوجية حديثة تبتدعها بأفكارها الخاصة ورؤيتها المتفردة للأمور؛ فتبدو السياسة النسائية سواء في الشرق أو الغرب تكراراً لسياسة الرجل، وهو ما يُضعف إقبال الجمهور على انتخاب المرأة، لأنه يرى أنها تكرر ما يقوم به الرجل، بل يجد أنه من الأفضل له في هذه الحالة انتخاب الرجل، لأن الرجل على الأقل يمتلك أدوات أكثر وسلطة أعلى من المرأة.
يمكن للمرأة أن تُبدع بالسياسة في حالة واحدة، هي ألاّ تكون صورة نسائية لسياسة الرجل المرسومة منذ سنوات وسنوات، وإلا فما الذي سيُميزها عن الرجل؟! لقد فشل الرجل السياسي بإبداع نظام سياسي متفرد مرن ذكي وجريء يجذب إليه كل فئات المجتمع، بل يكاد الوسط السياسي من أكثر الأوساط رتابةً وتكراراً حتى إن الناخب بالكاد يجد رغبة في أن يذهب لانتخاب شخص ما؛ سواء كان رجلاَ أو امرأة.
وهذه السياسة الباهتة والمكررة تمنح الأمل والدافع الأكبر للمرأة أن تفكر بطريقة مختلفة، وأن تؤسس لأدوات انتخابية وأهداف اقتصادية وجتماعية تختلف عن أدوات الرجل التي نحفظها جميعاً ظهراً عن قلب. في عالمنا المعاصر، المتغير، المتبدل، لا يمكن للسياسة أن تنجح وأن تتألق من دون أن تواكب هذا التغيير المتسارع، ومن دون أن يكون الإبداع عنصراً أساسياً فيها مثلما أصبح الإبداع عنصراً أساسياً في مجالات كثيرة؛ فالإبداع لا يقتصر على عالم الفن والأدب، بل له صلة وثيقة بالعلم والاقتصاد والاجتماع؛ فكيف لنا أن نعترف بالإبداع في كل هذه المجالات ثم تقف السياسة جامدة متحجرة أمام مجتمعات تنبض بالرغبة في التغيير، بل إنها انطلقت فعلاً نحو تغيرات من دون أن تطلب الإذن.
في عالمنا المعاصر لا بد من الإبداع، وإلا اتسعت الفجوة بين ما يعيشه الناس وبين ما يقوم به رجل السياسة. حين يصل المواطن إلى قناعة بأن السياسة لا تجدي نفعاً، تتولد في الشارع سياسة أخرى صامتة هي سياسة اللامبالاة تجاه الدولة والانفصال النفسي والفكري عنها، وما ينتج عن ذلك من ضعف في الإنتاج وتراجع في المبادرة والانسحاب إلى أهداف فردية لا تجد في المصلحة العامة هدفاً جذاباً ولا بنّاءً. وعليه، لكي يكون للمرأة موقع سياسي حقيقي، عليها أن تبدأ بسياسة أخرى مختلفة وبفكر آخر متجدد وجريء مبني على رؤيتها الإنسانية الخاصة للأمور وليس على رؤية الرجل؛ وبهذه الحالة يمكنها إثراء تجربة الرجل بأن تُضيف عناصر أخرى عوضاً أن تكرس سياسته المكررة منذ عقود.
يمكن للمرأة أن تنجح سياسياً، لكنها قد لا تترك بصمة قيادية ولا فكرية، وينتهي دورها بمجرد انتهاء مدة عملها في السياسة؛ والمشكلة أن السياسة ليست مهنة، بل هي نهج فكري عميق ودقيق يترك آثاره على الفرد والمجتمع تطوراً أو تراجعاً؛ فإن تعامَل السياسي -امرأة كان أو رجلاً- مع السياسة على أساس كونها مهنة، فمن الصعب أن نشهد تطوراً حقيقياً للمجتمع أو نهوضاً اقتصادياً يستمر لسنوات. فلو كانت السياسة مهنة لما دخلت أسماء معروفة بوابة التاريخ وما نزال نذكر مواقفها العظيمة، فتلك الشخصيات العظيمة لم تمتهن السياسة، بل عاشت لأجل السياسة ولأجل أهداف لم تتراجع عن تنفيذها مهما كان الثمن؛ بل وقدمت أكثر مرات ومرات مما أخذت لأنها عاشت لأجل خطة وهدف ثم نتيجة، ولم تعش لأجل غاية ومصلحة وحباً بالظهور.