يوسف عبدالله محمود

مؤلف هذا الكتاب «عن أية ديمقراطية تتحدثون»؟ طبيب وكاتب وسياسي، عشق الطب كما عشق الكتابة والسياسة. يقرأ هذا الكاتب التونسي الذي ذاق مرارة النفي والإبعاد سنين طويلة إشكاليات الديمقراطية قراءة معمقة, يسبر غورها، يكشف عما غشيها من تناقضات ومفارقات، يقف «الاستبداد» غالباً وراءها.
يقع هذا الكتاب في 299 صفحة من القطع الكبير، ويشتمل على جزءين: الجزء الأول حمل عنوان: «الثغرات والحدود»، أما الجزء الثاني فعنوانه: «من أجل قواعد اصلب عوداً وأطول عمراً».
وكما يشير مُُقدم الكتاب عبد الوهاب الأفندي، فإنه «عصارة تجربة عملية طويلة وثرية في النضال الديمقراطي» عاشها الكاتب في الغربة القسرية، يتأمل بعمق الظروف غير الطبيعية التي تمر بها البلدان العربية والإسلامية، مُركزاً على معضلة «الاستبداد» التي يحاول «المستبد العربي» الابقاء عليها دون حل، متخذاً من «المنافقين» حماة له، يبررون خطاياه على نحو تضليلي. يدافعون عما وصفه المرزوقي بِ «التضليل والقمع والإفساد» ليظل في السلطة، يمارس بطشه واستبداده.
في الجزء الأول من كتابه يشير المؤلف إلى أن «الديمقراطية ليست وصفة جاهزة» ص 23. والمعنى أنها لا تُقدم على طبق من ذهب دون نضال شاق يكنس «الاستبداد» ويطيح بالمستبد!» يستعرض منصف المرزوقي الوصفات الجاهزة والمتعددة التي جربناها كعرب ومسلمين لِ «الشفاء من المرض المخجل المشين». جربنا وصفة «الوطنية هي الحل» تلتها «الاشتراكية العلمية هي الحل» هم «الوحدة هي الحل» وأخيراً الإسلام هو الحل». ما الذي حدث ويحدث بعد محاولاتنا تطبيق هذه «الوصفات الجاهزة»؟ ما حدث ويحدث «أن الأمة دفعت كل مرة ثمناً باهظاً للتجربة دون أن تبرأ، بل تزداد - عند تطبيق كل وصفة - مرضاً على مرض». «لا نعلم أننا تخطيء إلا بعد فوات الأوان»! ص 25.
نلقي بمسؤولية الفشل على «التخلّف» دون أن نقرأ أسبابه الحقيقية ونحاول جاهدين القضاء عليها بِ «التأسيس» الحقيقي لٍ «الديمقراطية» لا بترديد مفردتها «شعاراً» فحسب!
«إن الهاجس الذي يجب أن يسكننا اليوم ونحن أمام كل الخراب الذي تركه الاستبداد: التأسيس فالتأسيس ثم التأسيس» ص25.
إن تركيز الكاتب على «التأسيس» يعني أننا كأمة عربية وإسلامية لم نلجأ بعد إلى اتباع الخطوات اللازمة لبناء نظام ديمقراطي حقيقي يصمد أمام العوائق والتحديات.
الحاصل اليوم -وحتى بعد ما سُمي بالثورات العربية التي اجتاحت بعض بلداننا- هو أننا أو أن الكثيرين منا، وعلى مستوى المسؤولية، يتشدقون بِ»الديمقراطية» دون ممارسة فعلية لها على الأرض، تغيب قيمها الإنسانية، حيث لا «رؤية علمية» تُجيد «التخطيط المحكم» ص 34.
وهنا يتساءل منصف المرزوقي بمرارة وألم، وهو يتحدث عن آلياتنا لتطبيق «الديمقراطية»، «من أين لنا الاعتقاد بأن الديمقراطية هي المخرج من الأزمة وهي نفسها في أزمة؟، ألسنا في وضعية من يستميت في السعي إلى إطعام جوعان غذاء فاسداً». ص 35.
ومرة أخرى يعود المؤلف إلى شن هجومه على «الاستبداد» فالمستبد العربي تنقصه الزعامة الحقيقية، لأن هذه «هيبة ومصداقية وقدوة»، المستبد العربي لا يستحق أن يوصف بِ»الحاكم» «لأن في الكلمة ضمنياً معنى الحكمة» ص37.
وفي موضع آخر من الكتاب يصف الكاتب «المستبد» بِ»اللعنة» أو «الفيروس» الذي يلحق العطب بالجسم. يقول المرزوقي متهكماً من المستبدين «أي منفعة يستمدون من نفوذهم وهم أول من يعلم أن ما يحف بهم من تبجيل لا يعدو كونه كذب ونفاق.. إن الناس لا يبحثون عن الشهرة والمال والسلطة ألاّ ليحصلوا على المحبة والاحترام» ص 55.
هم -أي المستبدون- ألدٍّ اعداء «الديمقراطية» وإن تظاهروا بغير ذلك، لأن «الديمقراطية» وكما يرى الكاتب «لا تستقيم إلا بوجود قوائم اربعة متوازنة: حرية الرأي، حرية التنظُّم، استقلال القضاء، حرية الانتخاب». ومع الأسف، فهذه القوائم الأربعة ما زالت مفقودة في كثير من بلداننا العربية والإسلامية. ما زال «القمع والتضليل» واردين. ما زالت سيادة «الشعب» مهمشة أو مفقودة.
يحدثنا المرزوقي أيضاً في هذا الجزء من الكتاب عن الفرق بين «الليبرالية» و»الديمقراطية»، بين «الدولة الليبرالية» و»الدولة الديمقراطية». فالاولى لا تعنيها «المؤسسات» بقدر ما تعنيها إشاعة الانقسامات الطبقية في المجتمع. أما الدولة الديمقراطية فهي «دولة الخدمات التعليمية والصحية والضمان الاجتماعي والحريات الفردية والجماعية... دولة تخضع للقانون الدولي». باختصار، يمكن القول أن الفرق الرئيسي بين «الديمقراطية» و»الليبرالية» -وكما يراه المؤلف- يكمن في أن الأولى تعتبر الشعب هو مصدر السيادة وصاحبها، بينما الثانية تعتبر السيادة والتفوق «للأقوى»، والأقوى هنا هو «الأغنى». ص 105.
وعليه لا غرابة أن تكون هذه «الليبرالية المتوحشة» النافية لحقوق الشعوب وإنسانيتهم هي السائدة في بلدان تزعم أنها «ديمقراطية» في حين تغيب عنها «الأسس الأخلاقية» التي تعترف بإنسانية الإنسان في أية بقعة من بقاع العالم، وبخاصة ما يعرف بالبلدان النامية.
أما الجزء الثاني من الكتاب فهو «من اجل قواعد أصلب عوداً وأطول عمراً». وهنا نراه يؤكد على ضرورة ترسيخ «المواطنية» في المجتمعات الإنسانية، ومنها مجتمعاتنا العربية والإسلامية. «لقد أصبح بديهياً أنه لا وجود للوطن إذا غاب المواطن، وأنه إذا غابت «المواطنية» انتهت «الوطنية». ص 291.
بدوري أقول إن غياب هذه «المواطنية» -كما أسماها الكاتب- يعني غياب أي إصلاح سياسي حقيقي. يعني غياب «الحداثة السياسية» التي -مع الأسف- تتم محاربتها من قبل الجماعات المتطرفة دينياً وعرقياً في مجتماعتنا. يعني تجاهل حكامنا لأسئلة المستقبل التي عليها يتوقف نهوض هذه المجتمعات أو بقاؤها على ما هي عليه من «تخلّف».
في هذا الجزء من الكتاب يهاجم منصف المرزوقي «الواقعية السلبية» التي تحكم تصرفات الحكام المستبدين، حيث تصبح «مبرراً لأسباب القعود والرضوخ» ص 239.
ينتقد الكاتب هذا النوع من «الواقعية» لأن اصحابها -في نظره- لا يمتلكون عقلاً سياسياً يُغلّب «المباديء» على شهوة «التسلط» والبقاء في الحكم. «إن العقل السياسي العربي السائد اليوم، وهو في اعتقادي طيف واسع، غير أن الغالب فيه طرفاه: العقل السياسي الجبان والعقل السياسي المتوحش... ولا مجال لبلورة المشروع الديمقراطي قبل التخلص من هذين العقلين، بما هما نتاج للاستبداد، وإن تباينا شكلاً ومضموناً» ص 237.
هذا العقلان يهيمنان على النظام الاستبدادي العربي الذي «يتصدى للمواطنة الفعلية».. يعتبر من يحكمهم «عبيداً» لا مواطنين لهم حقوقهم الإنسانية، «إن المواطنية ليست فقط اكتساب حقوق شكلية وممارستها بصفة عابرة وظرفية وإنا مساهمة فعلية ومتواصلة في أخذ القرار وتنفيذه وتقييمه». ص 230.
لا «المواطنية» بلا «ديمقراطية»، «الديمقراطية» هي التي تجعل أبناء الشعوب مواطنين لا رعايا!. «إن ما يثبته التاريخ أن أولوية النظام الديمقراطي على ما عداه من الأنظمة السياسية تنبع من قدرته على إطلاق القوى الجبارة داخل المجتمع، مما يجعل هذا الأخير أكثر ديناميكية وصحة وعطاء من المجتمعات التي يُكبلها ويعفنها الاستبداد» 279.
«والعطاء» هنا ينبغي -وفق هذا المفهوم- أن يكون عالمياً، يتيح لجميع البشر المساواة والعدالة الاجتماعية. توضح ذلك عبارة المرزوقي التالية: «.. إن بوسع الديمقراطية أن تكون «اخلاقية» في مستوى، وعديمة الأخلاق في مستوى آخر، أداة تحرر في المستوى المحلي وأداة استعباد في المستوى العالمي». ص 279.
في العديد من مجتمعاتنا العربية والإسلامية تبقى «الديمقراطية» -كما أسلفنا- مجرد «شعار» تغيب عنها «المساءلة» و»النقد» و»المراجعة»، لأن «المستبد» يرفض ذلك حفاظاً على سُلطته!. وحتى يبرر تحايله على هذه القيمة الإنسانية والأخلاقية يلجأ إلى «الانخراط في نظرية المؤامرة التي تُحاك من الخارج لإفشال المشروع العظيم». ص 246.
المستبد العربي وغيره من المستبدين في المجتمعات النامية «حبيس منظومة التبرير والتنظير والطهارة والإطلاقية لمواقفه وشيطنة مواقف الآخر والتشدد في رفضها وعدم محاولته فهمها من الداخل» ص 247.
هناك اليوم «انهيار مريع للعقل السياسي العربي». هذا «العقل» يخشى اقامة علاقة جدلية في حواره مع «المعارضة»، لان تفعيلها على نحو صحي من شأنه أن يسحب البساط من تحت أقدام الحكام المستبدين، ويعريهم أمام شعوبهم!. من هنا تلجأ السُلطة المستبدة إلى ترويج «الكذب فيصبح هو الحقيقة والتزييف هو الواقع والفساد هو الاخلاق» ص 244.
وبعد، فإن هذه الدراسة الموضوعية والجريئة التي قام بوضعها منصف المرزوقي تناولت «مرض العصر العربي» وهو «الاستبداد» متسائلاً عن اسباب استعصائه على العلاج، فدور المستبد أشبه بدور «الفيروس» الذي يدمر خلايا الجسم، بينما شبّه القائد الديمقراطي بِ»الانزيم» الذي عليه تعتمد صحة الخلية واستمراريتها!
وعلى امتداد هذه الدراسة، ظل الكاتب واثقاً بأن المجتمعات العربية والإسلامية الغارقة في الفساد والاستبداد قادرة من خلال القوى الجبارة التي تكمن داخلها أن تدفع بِ»الإنسان الديمقراطي إلى مركز الصدارة» انظر «التقديم» لعبد الوهاب الأفندي ص 15.
 قراءة في كتاب «عن أية ديمقراطية تتحدثون»؟ لمنصف المرزوقي
عن الناشر: الدار المتوسطة للنشر، تونس، الطبعة الأولى 2012م
yousefmahmoud37@yahoo.com