تقع مأدبا جنوب مدينة عمان على بعد 33 كيلومترًا، وترتفع نحو 774 مترًا، ولفظ مادبا آرامي (سرياني) وتشتهر مدينة مادبا بخصب تربتها، ورغم ما اكتشف فيها من آثار إلا أن الكثير لا زال مدفونًا في جوفها، ويرجع تاريخ هذه المدينة إلى العصر الحديدي الأول (1200-1160) قبل الميلاد والذي يدل عليه اكتشاف قبر على مقربة من التل يعود تاريخه إلى ذلك العصر.
وفي القرن الثاني عشر قبل الميلاد كانت مادبا تسمى مدينة موآبية، إلى أن استولى عليها الأمويون وأحرقوها، ثم حكم مادبا في القرن التاسع قبل الميلاد ملك اسمه ميشع والذي جعل ذيبان عاصمة له فطرد الغزاة ورمم المدن .
وتسللت قبائل الأنباط البدوية تبحث عن مراع لماشيتها واستقرت في مادبا وقامت بالبناء وتعميرها واحترفت التجارة وكونت مملكة وجعلت البتراء عاصمة لها، وعندما خضعت المنطقة لحكم قادة إسكندر الكبير كانت سوريا تنعم بالحضارة اليونانية وتأثرت البلاد المجاورة بتلك الحضارة وظهرت «المدن العشر».
وانتشرت الديانة المسيحية في مادبا في العصر البيزنطي الذي تلا العصر الروماني، وفي سنة 395 ميلادية أصبحت مادبا إحدى مدن المقاطعة الثالثة في عهد ثيودوسيس الفلسطينية وانتشرت المسيحية عندما اعتنقها أحد الزعماء العرب من قبائل الضجاعمة وتأصلت فيها أيام الغساسنة سنة 292 ميلادية.
و»تزخر مدينة مادبا في جنوب العاصمة الأردنية عمان بالعديد من المعالم الأثرية والطبيعية المهمة لعدد من الحضارات المتعاقبة، ويعد أبرز تلك المعالم أرضية الفسيفساء النادرة التي تعود إلى العهد البيزنطي في كنيسة الروم الأرثوذكس، وتحتوي على أقدم خريطة أصلية للأرض المقدسة والتي تبدأ من منابع دجلة والفرات وحتى منابع النيل، إضافة إلى القدس وبيت لحم».
وتشتهر المدينة بالفسيفساء البيزنطية والأموية، وتضم خارطة فسيفساء تعود إلى القرن السادس تشمل القدس والأراضي المقدسة، كما تزخر الخارطة بكم هائل من الأحجار المحلية ذات الألوان المشرقة، وتعرض رسومًا للتلال، والأودية، والقرى، والمدن التي تصل إلى دلتا النيل.
وتغطي خارطة الفسيفساء في مادبا أرض كنيسة القديس جورج للروم الأورثوذكس الكائنة شمال غرب وسط المدينة، التي بُنيت عام 1896 ميلادي، على أنقاض كنيسة بيزنطية قديمة جدًا تعود إلى القرن السادس، ويبلغ طول اللوحة التي تتضمن خارطة الفسيفساء حوالي 15.6 متر مربع وعرضها 6.94 متر مربعً، غير أنه لم يبق محفوظًا على مر الزمن سوى ما يقارب ربعها.
وتظهر قطع فنية أخرى وُجدت في كنيسة العذراء وكنيسة الرسل وفي منتزه مادبا الأثري رسمًا لكمية كبيرة من الأزهار والنباتات، والطيور، والأسماك، والحيوانات، بالإضافة إلى مشاهد من علم الأساطير والمطاردات اليومية لصيد الطيور والأسماك، والعمل بالزراعة. كذلك، تنتشر مئات من الفسيفساء الأخرى من القرن الخامس حتى القرن السابع في كنائس مأدبا وبيوتها، وعملًا بالالتزام الأردني لإعادة ترميم إبداعات الأردن الفنية الفسيفسائية والحفاظ عليها. يجمع متحف مادبا والمنتزه الأثري بقايا كنائس بيزنطية متعددة بما في ذلك الفسيفساء الرائعة التي عثر عليها في كنيسة العذراء وفي قاعة هيبوليتوس، وهي جزء من دار فخمة تعود إلى القرن السادس.
    وبالقرب من كنيسة العذراء يقع معهد مادبا للفسيفساء الذي يقوم بمهامه التعليمية برعاية وزارة السياحة؛ ويدرب المعهد حرفيين على فن صناعة وإصلاح وترميم الفسيفساء، وهو المشروع الوحيد من نوعه في الشرق الأوسط.
ويحتوي متحف مادبا الأثري على لوحات فسيفساء خلابة، بالإضافة إلى فساتين تقليدية أردنية قديمة مطرزة، وحلي وفخاريات.
وعلى بعد مسافة لا تتجاوز الساعة من مادبا، على طول الطريق الملوكي الغني بالمناظر الخلابة، تقع أعلى التل قلعة مكاور المعروفة أيضًا بقلعة هيرودوس العظيم، التي ورثها بعد موته ابنه هيرودوس أنتيباس، وفي هذا المكان بالذات أمر بقطع رأس يوحنا المعمدان بعد الرقصة التي أدتها سالومي، وفي المنطقة عينها يوجد جبل نيبو وهو موقع مقدس للمسيحيين، لأنه المكان الذي دفن فيه النبي موسى عليه السلام، وشيد المسيحيون الأوائل هناك كنيسة صغيرة مربعة، تحولت فيما بعد إلى صرح واسع.
وأثناء زيارته إلى الأردن عام 2001، أقام البابا يوحنا بولس الثاني صلوات في الموقع شارك فيها حوالي 20 ألف مؤمن، وتتيح المنصة المواجهة للكنيسة للناظر متعة بالمنظر المدهش حيث تشرف على وادي الأردن والبحر الميت وتطل على قمم تلال القدس وبيت لحم: إنه مشهد يخطف الأنفاس. وتقع حمامات ماعين جنوب مادبا، وهي مشهورة بمياه نبعها المعدنية الدافئة التي تستقطب الناس وتحثهم على المجيء إلى هذا الموقع وغمر أنفسهم بالمياه العلاجية الدافئة.
وتقع أم الرصاص شرق مادبا، وهي موقع أثري قديم ذُكر في الكتاب المقدس في العهد لقديم والعهد الجديد على حد سواء، ورغم أن معظم معالم هذه المدينة التي تحيط بها الأسوار على شكل مربع هدمت، غير أنها لا تزال تتضمن مباني عديدة بالإضافة إلى أربع كنائس وبعض الأقواس الصخرية البديعة.

وتكمن نقطة الاستقطاب الأساسية خارج أسوار المدينة في قلب كنيسة القديس أسطفان التي تتميز بأرض ضخمة مرصوفة بالفسيفساء منذ عام 718 ميلادي، ولا تزال محفوظة حتى أيامنا هذه، وتصور هذه الفسيفساء رسومًا لخمس عشرة مدينة بارزة تابعة للأرض المقدسة من جهتي نهر الأردن الشرقية والغربية، هذه التحفة الرائعة هي الثانية من نوعها بعد خارطة فسيفساء مادبا الشهيرة عالميًا التي تصور القدس والأراضي المقدسة.