وليد سليمان  - في عمان قال له : ياسيد (ياسين) أنت المسؤول عن الخط العربي في الأردن !! وقد أهداه كراسته الشهيرة ( حدائق الخط العربي) !!!.
ومن أشهر الخطاطين لآرمات المحلات التجارية والمؤسسات في شوارع عمان قديماً كنا نلاحظ تلك الأسماء مثل: ياسين ... فضل .. سبانخ .. طرخان .. الاردكاني .. قطب .. السادات .. انطون باسيل .
وكنا نتجول في شوارع عمان في الستينات والسبعينات وتبهرنا تلك اللافتات والآرمات الجميلة بفنون خطوطها العربية .. تلك التي يعلقها أصحاب المحلات فوق مدخل متاجرهم وأماكن أعمالهم العديدة.
وفي لقاء حديث لأبواب الرأي مع أحد مشاهير الخط العربي في عمان قديماً وهو الخطاط محمد ياسين الجوخي والشهير بلقبه المختصر (ياسين) حيث كان يوقع لوحاته وآرماته بهذا الاسم أسفل خطوطه كعادة كل الخطاطين .. سرد على مسامعنا حكاية فنه وتاريخ الخط والخطاطين منذ البداية حيث قال: ولدت في عمان عام 1939 وكان والدي يعمل في مهنة صناعة السكاكر والمكسرات وراحة الحلقوم الشامية الممسكة والمعطرة مع أحد الشاميين المؤسسين لهذه الصناعة في مدينة عمان.. وكان والدي يتمتع بخط في منتهى الروعة عندما كان يكتب رسالة أو ما يلزم.

كتاتيب الشيوخ
وقد أرسلني والدي رحمه الله إلى كُتّاب الشيخ خلف رحمه الله , وكان يعلمنا في بيته وسط عمان وبالتحديد في الدخلة التي بجانب البنك العربي و حلويات حبيبة حالياً , ومن ثم الى الشيخ سعيد رحمه الله في بيته بشارع الشابسوغ جانب (النافعة) المؤسسة التي كانت تقوم بصيانة وتعبيد الطرق الإسفلتية آنذاك بمعدات متواضعة وكان عمري في تلك الأيام بحدود 8 سنوات في أربعينات القرن الماضي .
بعد ذلك درست في المدرسة العسبلية الحكومية وكانت مقابل المدرج الروماني وسط عمان بجانب فندق فيلادلفيا الشهير آنذاك ودخلت الصف الأول الابتدائي.. وفي أول حصة دخل الصف الأستاذ المرحوم الشيخ سعيد وكان شيخاً شركسياً جليلاً وكان يُعلم القرآن الكريم والدين فتنبه لذكائي وجدارتي وأوصى مدير المدرسة آنذاك المرحوم الأستاذ يوسف الجيوسي أن يرفعني حالاً للصف الثالث وبعد مضي ستة أشهر ترفيعي للصف الرابع الابتدائي وبعد الرابع بسنة إلى الخامس وسنة أخرى للسادس.

مكتب الخطاط الاول
ولم أكمل السادس لأن أفكاري كانت مشغولة بكتابات خطية حيث أنني كنت أكتب يومياً على الدفاتر وعلى كل شيء يقع في يدي .. ومن الصف الثالث إلى السادس كانت ملكة الخط لا تفارقني بعدها تركت المدرسة وعملت في مكتب الخطاط الأول في عمان المرحوم عبد اللطيف عطيه وكان مرتبي الشهري جنيه ونصف وكان مكتبه في شارع وادي السير-شارع البريد – الامير محمد حالياً , مقابل محلات محمد علي منصور للزجاج والمرايا – دخلة الهدهد.. وأذكر كذلك خطاطاً آخر في عمان يدعى أنطوان باسيل ولم يستمر في عمان وغادر لأمريكا .
 وفي تلك الفترة رافقت والدي وأنا في الرابعة عشرة من عمري ليصحبني لقيادة الجيش العربي وكانت في أول طلوع جبل عمان على اليسار, وأدخلني والدي للمرحوم حسام الدين المفتي طيب الله ثراه وكان قائد ورئيس السجل, وطلب والدي من حسام بيك أن يدخلني الجيش فضحك المرحوم وقال لوالدي هذا صغير جداً على الجندية .

تلميذ لاسلكي
 ولكن سأسجله تلميذاً لاسلكياً إكراماً لك.. فسجلني وحولني إلى مركز تدريب الأغرار في العبدلي هنالك التقيت بالمرحوم الخطاط تيسير السادات وكان يتدرب أيضاً وكان أكبر مني سناً حيث تم قبوله كجندي وبعد أن تدربت على البرامج العسكرية لمدة شهر تم تحويلي إلى مدينة الزرقاء ( سلاح اللاسلكي الملكي) فعملت في مشاغل اللاسلكي كخطاط وتعرفت آنذاك على الفنان الشاعر غالب حمد أبو صالحة وكان عمره آنذاك بحدود (25) عاماً وكان برتبة عريف ويشغل أميناً لمستودعات المشاغل.. كذلك كان نصيبي أن أدوام في مكتب الفنان الرسام الميكانيكي المرحوم أحمد جمال الدين العلوي وكان هذا الرجل قد تجاوز العقد السابع من العمر وكان فناناً بكل أعماله وتصرفاته وكان يتخذني ولداً له حيث لم ينجب أولاداً , خدمت عسكري لمدة سنة واحدة فقط وقدمت استقالتي .

خطاط في الزرقاء
 وذهبت لمدينة الزرقاء للعمل الحر وشاركت اثنين من الخطاطين في محلاتهم كل على حدى ولم استمر سوى فترة وجيزة معهما فاتخذت محلاً خاصاً بي في شارع الملك عبد الله استأجرته من المرحوم إلياس الور مقابل ثلاثة دنانير شهرياً وكان باب المحل بدفتين خشبيتين قديمتين وكانت المباني في مدينة الزرقاء آنذاك من لبن الطين.. بعدها كان الخطاط المرحوم تيسير السادات قد أنهى تدربيه العسكري لمدة ثلاثة شهور وكان مرتبه في إحدى الوحدات العسكري في الزرقاء فتم لقاؤنا من جديد واتخذنا سكناً لنا مع بعض في غرفة واحدة وكنا نتمرن على الخطوط بأنواعها كذلك نعمل بالآرمات بجميع أنواعها.. و حينها ذاع صيتي في مدينة الزرقاء وكان هنالك بعض الخطاطين أيضاً أذكر منهم سعيد زيدان وأمجد عماري وسلامة فارس وبشاره أبو حنا وفيصل شحاده ويوسف شطاره وفؤاد الحناوي وأخي سعدي.. وكان الجميع يعملون بجد ونشاط ومن فضل الله تعالى كنت أنشطهم حيث كنت أصغرهم سناً وأتمتع بالحيوية والنشاط الدائم.

الخط في دخلة ملحس
وفي عمان وقبل نكبة فلسطين 1948 كان ميدان الخط للخطاطين عبد اللطيف عطيه وأنطوان باسيل وحلمي حميد وعبد الرحمن أردكاني والرسام أحمد كرد علي .
وكان التردد الى عمان من عادتي وفيها تعرفت على الخطاط المرحوم فضل المطوبسي وهذا الخطاط له أسلوب خاص في خط الرقعة وفي منتهى الروعة والرسام أحمد كرد علي والخطاط عبد الرحمن الأردكاني وكنت أذهب إلى عمان وأساعدهم بالعمل وكانت محلاتهم بشارع فيصل وسط البلد وبالتحديد دخلة شركة باصات رجب الخشمان قرب صيدلية الصباغ وقد تكونت بيننا الصداقات.
وقد زارني المرحوم فضل لمكتبي في الزرقاء لعدة مرات وبرفقة المرحوم أحمد كرد علي وبعد فترة وجيزة اتخذت محلاً في عمان وسط البلد في شارع فيصل دخلة ملحس بجانب دخلة سينما عمان مُلك المرحوم جميل شقم وبدأت النشاط بعمان حيث تواجد في ذلك الوقت نخبة كبيرة من الخطاطين الذين نزحوا من فلسطين بعد نكبة 1948 وكان المرحوم فضل على رأسهم , وأذكر الخطاط حسن قطب وزكريا قطب وألبرت وسبانخ وألبرت المذكور ترك سبانخ وغادر لأمريكا وبقي سبانخ يعمل لوحده واتخذ محلاً صغيراً في طلعة سينما الخيام مقابل مكتب الطرود البريدية الحالي وبعدها تطور وتوسعت أعماله وكان ذائع الصيت وذو حظ كبير وليس له من الخط العربي الكثير, حيث كان بارعاً في كتابة الأحرف الإنجليزية بأنواعها وكان يستخدم معظم الخطاطين العاملين له ومنهم أنطوان سلكاوي وإبراهيم الناجي وإيليا كيال ومجموعة من صناع الآرمات والإعلانات منهم اسكندر وميمون ولطفي سبانخ وكان إنتاجه غزيراً جداً وكان الجميع يكتبون ويضعون توقيعه المشهور على الآرمات حينها كانت ساحة الخط والخطاطين تشمل فضل وكرد علي وأردكاني (وعلامتهم الثلاث حلقات) وكان يعمل عندهم من الخطاطين إيليا كيال وقد غادر المذكور لكندا آنذاك والمرحومين محمد أمين غنام وتيسير السادات.
أما أنا فلم أعمل عند أحد منهم ولا غيرهم بل كنت مستقلاً في عملي وكنا في تلك الفترة من الزمن نتفنن بالعمل ونعتني بالخط والألوان والزخرفة .

مشاهير آخرون
وأذكر أيضاً على ساحة الخط والخطاطين بعد فترة الستينيات / المرحوم إبراهيم ثابت / محمود الحايك / الحاج رياض طبال / فوزي بولاد / جمال الترك / منتصر الحمدان / غالب الصري / عمر الجوخي / إحسان تركماني / إبراهيم أبو طوق / محمد وليد العك / صالح نسب/ عماد مطالقه / حسن كنعان / علي الجيزاوي / فيصل الجوخي / طلال الكردي / أبو محفوظ / توفيق عبده / المرحوم حمدي بوجي / حسن المغربي / ايهاب ابراهيم ثابت / الدكتور نصار منصور / الشيخ ياسر الجرابعة / مصطفى وهيب / نبيل وحمدي الجمل / الشرباتي / فليفل / وعذراً لمن غاب اسمه عن ذاكرتي .

الجلبي..البغدادي
 ويتابع الخطاط المعروف (ياسين ) ذكرياته : لم أتعلم الخط على أحد وكنت أقطف من كل بستان زهرة وأطلع على خط النسخ من المصاحف العثمانية والأنواع الأخرى من المطبوعات والمجلات والجرائد وأقلد خطوطها وأتبين ملامحها ولقد حصلت على بعض الكراسات المصرية للخطاط نجيب هواويني وتدربت عليها وكنت احتفظ بكل قصاصة ورق خطية خاصة أوراق التقاويم الشامية والأردنية وعندما بلغت سن الرشد في فن الخط تعرفت على الخطاط العراقي الكبير الأستاذ هاشم البغدادي وقد تشرفت بزيارته لي في مكتبي بعمان برفقة الفنان الخطاط الخزاف محمود طه وقد أهداني كراسته الشهيرة (قواعد الخط العربي) كذلك تشرفت بزيارة الخطاط التركي الشهير الشيخ حسن جلبي لبيتي وقمت على مرافقته ومساعدته عندما أحضر مجموعة من اللوحات الخطية الزخرفية وعرضها بعمان في المركز الثقافي التركي وذلك في منتصف ثمانينات القرن الماضي .. كذلك تشرفت بزيارة خطاط فلسطين المقدسي الشهير الأستاذ محمد صيام لمكتبي وقد أطلعته على اللوحات التي أنجزتها فأعجب بها وقال لي ( ياسيد ياسين أنت المسؤول عن الخط العربي في الأردن وقد أهداني كراسته الشهيرة ( حدائق الخط العربي) .

آرمات النيون
 لا بد أن اذكر الخطاط حلمي حميد أنه أول من أدخل وجهز صناعة آرمات وإعلانات النيون في الأردن وكان المرحوم حلمي يقوم بتصميم وكتابة ورسم ورق الصر للمطابع والمحلات التجارية وله أثر عندي وكان يقوم بكتابة أفيشات السينما في عمان كذلك أود أن أذكر أن للمرحوم فضل أثر عندي من خطه كذلك عبد الرحمن أردكاني وكنت قد أقمت معرضاً خطياً لي يتضمن 24 لوحة خطية وزخرفيه في مقر رابطة الفنانين التشكيليين في جبل اللويبده برعاية معالي وزير الأوقاف.. وقد اقتنت سمو الأميرة وجدان لوحة أسماء الله الحسنى لحساب المتحف الوطني الأردني .

في مساجد عمان
وكان فنان الخطوط العربية (ياسين) قد دخل في غمار التخطيط الروحاني الاسلامي, حيث أوضح لنا أنه وبعد أن انتقل من مكان محله الخاص الذي أنشأه عام 1961 لتخطيط الآرمات من دخلة ملحس التي تقع في شارع الملك فيصل في عمان إلى ماركا قرب دائرة السير والترخيص في العام 1975 قال : بدأت أهتم أكثر بعمل وتنفيذ الخطوط الدينية لبعض مساجد عمان الشهيرة حيث كنت أرسم الخطوط العربية المناسبة لهذه الأماكن مثل تخطيط أسماء الله الحسنى والآيات القرآنية الكريمة على الجدران والقباب الداخلية لتلك المساجد مثل : مسجد الطباع ومسجد الزميلي في الشميساني , ومسجد سيدو الكردي في أم أذنية, ومسجد قولا غاصي في تلاع العلي , ومسجد محمود الشماع على كتف وادي صقره , ومسجد مخيمر أبو جاموس في ماركا , ومسجد القدس الشريف في الجبهة , وحتى في مدينة العقبة مسجد أبو داوود .
وكانت معظم تلك الخطوط هي من خط الثلث , وهو خط جليل لا يجب كتابته على آرمات المحلات التجارية ومحطات المحروقات مثلاً بل لجلاله وروحانية يجب أن يتواجد فقط في أبنية المساجد والمصاحف .
وعندما سألنا الخطاط ياسين عن أكثر الخطوط ممارسة له عن عمله بهذا الفن قال: أن كل خط يكتب على أصوله وقواعده هو خط جميل .. وكنت في عملي لتخطيط الآرمات التجارية أفكر ما هو مضمون الآرمة وما هدفها وأختار لها الخط العربي المناسب لها .
وأخيراً وبعد أن تقاعد ياسين من عمله في محل الخط والذي تركه لأولاده الخطاطين .. قال لقد تغير الزمن فالتطورات التكنولوجية أثرت كثيراً على الخط العربي اليدوي .. وجاء من يزاحمه وهي آلات الكمبيوتر والطباعة التي تساهم بتشويه الخط العربي اليدوي واختراع خطوط هجينة!!! ولكن هذه ضريبة التقدم التكنولوجي المعاصر لكل شيء .