هزاع البراري - الأشراف هم حملة راية الجهاد والموعظة الحسنة، منذ انطلاق رسالة الرسول العظيم محمد عليه الصلاة والسلام، فكانوا على مدى الأيام رجالا صادقوا العهد وافون للوعد وما بدلوا تبديلا، فإلى جانب مكانتهم الدينية، ونسبهم الرفيع، تصدوا طوال تاريخهم الطويل إلى مهام جسام، مقدمين الأئمة والفقهاء ورجال السياسة، والقادة والفرسان والشهداء الأبرار، وقد ضرب كثير من الأشراف في الأرض الإسلامية طولاً وعرضاً، دعاة سلم وناشرون للدين الحنيف، مصلحين بين الخصوم، ومؤلفين بين القلوب، فدانت لهم قلوب الأمة حباً وتقديراً، ولم ينقطع مدادهم الصالح في يوم من الأيام.
الشريف ناصر بن جميل، صاحب حضور لافت في الأحداث التي شهدها الأردن الحديث خاصة منذ أربعينيات القرن الماضي، فقد واكب أحداثاً جساماً، وساهم في بناء وطنه وخدمة قيادته بكل أمانة وإخلاص، وشكلت حياته بمراحلها المختلفة، صورة ناصعة عن فارس لم يضن على بلده وقيادته بروحه، أو يبخل بجهد مهما كانت مخاطره، وهو من بناة الجيش الأردني، ومن رواد الحركة الرياضية الأردنية، وكانت له إسهامات في عدد من المؤسسات والميادين، كما كان متواضعاً، يتصف بالنبل ومكارم الأخلاق، مقرب من الضباط والجنود، وقريب من الناس البسطاء.
يعد الشريف ناصر بن جميل سليل النسب الرفيع من آل البيت الكرام، فهو ناصر بن جميل بن ناصر بن علي بن محمد بن عبد المعين بن عون، ويمتد نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، وتجمعه بجلالة المغفور له الحسين بن طلال صلة قربى، فهو خال جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، وهو بنسبه وصلة القربى يعد من أعمدة البيت الهاشمي، الذين سجلوا في أسفار التاريخ أمجاداً للأمة، وتضحيات عز نظيرها، فحفظوا الدين، وصانوا أعراض الناس وأرواحهم، وذادوا عن الحمى بالغالي والنفيس. وهو حفيد الشريف ناصر بن علي، أحد قادة الثورة العربية الكبرى، فقد نهض بمهام أساسية إلى جانب شقيقه قائد الثورة العربية الكبرى الشريف الحسين بن علي، فقد نهل الشريف ناصر بن جميل من مدرسة جده ومن نهج والده، فكان عربي الانتماء، وطني الهوية، يحمل في قلبه وفكره مبادئ الثورة العربية، ساعياً إلى المشاركة في تحقيق هذه المبادئ والتوجهات ما أمكنه ذلك.
ولد الشريف ناصر بن جميل في السابع من آب عام 1927، وكانت ولادته في مدينة عمان، حيث نشأ وتربى في ربوعها، وقد كانت عمان حينها مدينة يافعة، تتأهب لنمو سريع وازدهار مضطرد، ولا شك أنه تأثر بالمكان كثيراً وتعلق به، ولعل لذلك دور في توجهاته العملية المستقبلية، وعندما وصل إلى عمر المدرسة، التحق بمدرسة الفرير في القدس حيث درس فيها المرحلة الابتدائية، وخلال هذه الفترة تعلق بالمدينة المقدس، التي تعد قبلة المسلمين الأولى، وملتقى الديانات السماوية، وبعد أن أنهى المرحلة الابتدائية، أنتقل إلى مدينة بغداد عاصمة العراق، حيث التحق هناك بالمدارس الأعظمية، ودرس فيها المرحلة الثانوية، وكانت بغداد من الحواضر العربية الناشطة في مختلف الميادين السياسية والثقافية والاجتماعية، وقد أخذ الشريف ناصر بن جميل الكثير من هذه المصادر الثقافية.
عندما أنهى دراسته في بغداد، سافر الشريف ناصر بن جميل إلى بريطانيا ملتحقاً بكلية ساند هيرست العسكرية العريقة، وهي الكلية التي خرجت كثر من القادة والزعماء العالميين، وكان طالباً مجتهداً، وتلميذاً عسكرياً ذكياً، وما أن تخرج من كلية ساند هيرست حتى عاد إلى وطنه الأردن، والتحق بالجيش العربي – القوات المسلحة الأردنية – برتبة ملازم، وكان خلال خدمته مثال الضابط الملتزم، والعسكري المحترف، حيث تنقل بين قطاعات الجيش المختلفة، وتميز بسرعة تلقيه الخبرات العسكرية، وبعمله المتواصل على نقل معارفه إلى زملائه الجنود والضباط، مما قربه من الجميع.
تميزت خدمته العسكرية بالنجاح والتفوق، وقد واكب ذلك ترقياته العسكرية، حيث تولى عدداً من المناصب والمهام في الجيش العربي والحرس الملكي، وكان يترك انطباعا إيجابياً وأثراً طيباً في كل موقع شغله، حتى عين بمنصب نائب قائد الجيش الأردني، بعد ذلك أصبح الشريف ناصر بن جميل قائداً للجيش الأردني عام 1969، وكانت له بصماته الخاصة على القوات المسلحة الأردنية، التي عمل على تطويرها، والمساهمة في تحديث قطاعاتها. وهو الذي تسلم مهام هذا المنصب في فترة صعبة من مراحل الصراع العربي الإسرائيلي، حيث عرفت هذه المرحلة ضغوطاً إقليمية ودولية ضاغطة على الأردن، هدفت لهز استقراره والنيل من سيادته، لكن الأردن القوي بقيادته، وبجيشه الأبي وترابط شعبه، وقفت حصناً منيعاً مهاباً.
ورغم قصر فترة قيادته للجيش، إلا أن بصماته كانت واضحة خلال سيرته العسكرية المليئة بالمنجزات، فقد كان مقاتلاً شجاعاً وقائداً مجدداً في كل موقع شغله، وبقي الشريف ناصر بن جميل حاضراً على الساحة السياسية والرياضية بقوة وتميز، فقد دخل الحكومة وأصبح وزيراً للداخلية في مرحلة صعبة، وكان كعادته مسؤولاً ناجحاً وصاحب حضور قوي، ويعد أمن الوطن والمواطن هاجسه الأساسي، فعمل على تأكيد صلابة مؤسسات الحكم المحلي، لذا حافظت هذه الدوائر على تواجدها الكثيف، وأسهمت في فرض الأمن والآمان في أحلك الظروف المحلية والإقليمية.
ونظراً للثقة الكبيرة التي تمتع بها الشريف ناصر بن جميل، لم يغب عن العمل العام، فبعد مغادرته وزارة الداخلية، تم تعيينه بمنصب كبير أمناء الديوان الملكي العامر، فكان دوماً قريباً من المغفور له الملك الحسين بن طلال، وتحمل المسؤوليات التي توكل إليه مهما كانت، جاعلاً من نفسه جندياً مخلصاً لقيادته ووطنه في أي موقع كان، وكان ناشطاً في الحياة العامة، فقد ترأس عدداً كبيراً من اللجان في قطاعات مختلفة، وتسلم مناصب كثرة في مختلف أركان الدولة، فلم ينسحب يوماً من أي مسؤولية تسند إليه، أو أي لجنة تسعى إليه، فهو يرى أن القبول بالمسؤولية واجب وطني، ومن غير اللائق عدم القبول بها.
أولى الشريف ناصر بن جميل الحركة الرياضية الأردنية عناية خاصة، فعندما كان وزيراً للداخلية أصدر قراراً بالموافقة على ترخيص نادي الحسين اربد، كما شارك بفعالية في تأسيس نادي البولو، الذي كان له إنجازات إقليمية وعالمية، ونظراً لجهوده الملحوظة في مجال دعم الرياضة والشباب، تم تعيينه رئيساً للجنة الأولمبية الأردنية، فساهم بشكل واسع في تنشيط الرياضة، ودعم الفرق الرياضية والمنتخبات الوطنية الأولمبية من أجل تمكينها من التقدم وتحقيق المنجزات عربياً وعالمياً، فخطت الرياضة خطوات واسعة في مختلف الميادين.
وكان الشريف ناصر بن جميل قد تسلم قبل ذلك رئاسة النادي الفيصلي، وتمكن من تحقيق نقلة نوعية في مسيرة النادي، وأعاده للإنجازات بعد غياب عن التتويج دام خمسة عشر عاماً، حيث سيطر النادي على لقب الدوري الأردني خلال الفترة 1959 – 1974، فكان بهذا الرقم القياسي الثالث بين أندية العالم، وقد حقق النادي في عهده إنجازات عربية مهمة، فتعادل 1/1 مع الزمالك بطل مصر في عمان عام 1969، وبقي الشريف ناصر بن جميل رئيساً للنادي الفيصلي حتى أسندت إليه مهمة قيادة الجيش الأردني، بقي الشريف ناصر بن جميل يعمل بنشاط ولا يكل من العطاء، حتى توفي وهو على ناصية العمل، فقد خسرناه مبكراً، وفقد الأردن بوفاته في الثالث عشر من آذار عام 1979 واحداً من رجالاتها الأفذاذ، فقد ترك بصماته في غير قطاع من قطاعات الدولة الأردنية، لكن ذكراه الخالدة تبقى كالمنارة لا ينطفئ نورها ولا ينضب زيتها.

hbarari54@hotmail.com