كتابة وتصوير: مفلح العدوان - ما زلت في رحاب آثار القسطل، أتأمل حجارتها، وأتعمق في تصفح كتاب تاريخها، ولكي لا أغفل جانبا من زخم الإرث الذي أرى، أحاول تلمس غير مرجع، وكتاب، وبحث، يكون فيها ومضات من ألق هذا المكان.
ومما عدت إلى قراءته مرة أخرى، في هذا السياق، كتابة مهمة للدكتور غازي بيشة، عنوانها «مئذنة القسطل: أقدم مئذنة قائمة في العالم الإسلامي.. أهميتها ودلالتها»، نشرت في مجلة آثار، التي تصدرها دائرة الآثار العامة، في العدد الخامس عام 2002م، حيث يقول الدكتور غازي بيشة في مستهل كتابته: «بالرغم من أن المئذنة القائمة عند الزاوية الشمالية الغربية للساحة التي تتقدم مسجد القسطل كانت معروفة منذ القرن التاسع عشر، وبالرغم من أن مخطط هذه المئذنة كان قد رسم من قبل الباحثين الألمانيين برونو ودوماسفكي في عام 1897م، وظهر في كتابهما القيم (الولاية العربية) الذي نشر في ستراسبورغ عام 1905م، فإنها لم تحظ ولو بإشارة واحدة في الدراسات الكثيرة التي تتناول المئذنة الإسلامية وأصولها المعمارية. ومما يبعث على الاستغراب أن الدراسات الحديثة للقصر الأموي والمسجد التابع له في القسطل أغفلت أهمية هذه المئذنة وما قد تلقيه من أضواء على النظريات العديدة المتعلقة بتاريخ ظهور المئذنة الإسلامية كمعلم معماري واضح والأصول التي اقتبست منها».

المنارة.. وأسوار المدن
ويضيف الدكتور غازي بيشة في بحثه المهم حول مئذنة مسجد القسطل، بأنه «في أحدث دراسة مستفيضة للمئذنة نشرتها جامعة اكسفورد في عام 1989م ضمن سلسلة دراسات في الفن الإسلامي توصل الأستاذ جوناثان بلوم إلى نتيجية مفادها أن (المنارة/ المئذنة شيدت ليس في القرن الأول الهجري بل في نهاية القرن الثاني، وأن أول ظهورها كان في حوض بلاد ما بين النهرين في العصر العباسي، وليس في سوريا في العصر الأموي، وأنه في البداية لم تكن لها أية علاقة بالأذان). من الصعب موافقة المؤلف على كل هذه النتائج وإن كان صحيحا أن المئذنة كعنصر معماري وظيفته الأذان لم تكن شائعة في بلاد الشام خلال العصر الأموي، حيث كان الأذان يؤدى في الغالب على أسوار المدن. لكن هذا لا يمنع وجود بعض المآذن كمئذنة القسطل».

علاقات معمارية
وبعد ذلك يكمل الدكتور بيشة وصفه لمئذنة القسطل، بقوله «تتألف مئذنة القسطل التي شيدت باستعمال كتل حجرية مشذبة من الحجر الجيري الصلب من قاعدة مستطيلة أبعادها 4.90*2.60م أقيمت فوقها بدنه أسطوانية قطرها 5م. تنتهي البدنه الأسطوانية بشريط زخرفي (كورنيش) بارز تشكل قاعدة لسبعة أكتاف لاصقة (pilasters) كورنثية، ويبدو أنه في الأصل كانت توجد حنيات بعضها صماء وأخرى مفتوحة، بين هذه الأكتاف. أما الدخول إلى المئذنة فكان عبر بوابة فتحت في الجانب الشرقي وتؤدي إلى درجات ترتقي بشكل حلزوني إلى الأعلى. وحتى فترة قريبة كانت هذه الدرجات تبدو مرتفعة قليلا فوق مستوى الكورنيش. كل هذه التفاصيل تستدعي اعادة النظر في النتائج التي توصل اليها الأستاذ جوناثان بلوم في دراسته الجادة، كما تستوجب الاعتناء بهذه المئذنة الفريدة والإسراع في ترميمها وتقويتها قبل أن يلحقها مزيد من الخراب».
ثم يورد الدكتور غازي بيشه في بحثه إشارات تاريخية، وأخباراً قديمة، وأبياتاً شعرية، في تفنيده لما توصل اليه جوناثان بلوم حول المآذن، إلى أن يصل إلى خاتمة البحث، حيث يقول: «من كل ما سبق يمكن استخلاص نتيجتين: الأولى أنه كان في العراق عدة منارات منذ بداية القرن الثاني الجري وربما قبله. والثانية أن المنارات الأولى لم تتبع في تخطيطها نموذجا واحدا فقد تكون مربعة أو أسطوانية أو حتى متعددة الأسطح. ونظرا للعلاقات الوثيقة التي كانت تربط البلقاء بالعراق خلال العصر الأموي فإنه من المحتمل أن تكون منارات العراق هذه –كمنارات البصرة- النموذج الذي احتذي عند بناء مئذنة القسطل-أقدم مئذنة قائمة في العالم الإٍسلامي».

الوادي
أتجول في القسطل، وأصل إلى أعلى منطقة فيها، لكنني أرى الوادي المحاذي لها، وحين أقلب صفحات كتاب «عمان وجوارها» للدكتور نوفان الحمود السوارية، أقرأ إشارة إلى وادي القسطل، حين يومىء إلى أنه «يمر في القسطل وادي أم العمد الذي يتشكل في البداية جنوب خربة اليادودة، متجها جنوبا منها وسط سهول واسعة فاصلا جنوب أراضي الطنيب في الغرب عن أم العمد في الشرق، ويحمل إسم وادي القسطل بعد خروجه من خربة القسطل، ويرفده من الجهة الشرقية وادي السفوق ووادي القليب، وتلتقي هذه الأودية معا مشكلة المصدر الرئيسي لما ء بركة زيزياء. كما يورد في ذات الكتاب إشارة إلى بركة القسطل والتي تعد من برك طريق الحج».

الوليد
كما أن الحديث عن نمط المعمار في القسطل يمر عليه أيضا فريدريك ج بيك في كتابه «تاريخ شرقي الأردن وقبائلها» بقوله أنه «لا يوجد بناء يتجسم فيه الطرز الشرقي أكثر من القلاع والحصون التي بنيت على حدود شرقي الأردن بعد أن مر زمن على احتلال الرومان لهذه البلاد. فالتطور الذي حدث بهندسة البناء وطرازه من روماني صرف إلى شرقي بكل معنى الكلمة يشاهد جليا في الفرق بين قلعة أذرح التي بنيت حوالي عام 106م وقلعة القسطل التي لا يرى الإنسان في شكلها أو هندستها عنصرا رومانيا أبدا».
وهو أيضا في موقع آخر يقول حول قصر القسطل بأنه قد «استقر ابنه (المقصود هنا يزيد بن عبد الملك) الوليد في القسطل والأزرق اللذين لم يبدل الأمويون من طرازهما الرومي شيئا لأنه لا يوجد في القسطل ما يدل على أن الأمويين غيروا فيها شيئا»!!.
 لواء الفرسان
يذكر فريدريك بيك القسطل في تفصيلة سريعة عند هزيمة الجيش التركي في الحرب العالمية الأولى، حيث يقول «تحرك الجيش الرابع شمالا وابتعد عن متناول قوة تشايتور الاستطلاعية التي كانت تنتظر قدوم الفيلق التركي الثاني من الجنوب. وفي 28 أيلول (1918م) قدم هذا الفيلق بعدته وعديده وجميع القطعات العسكرية التي كانت في جهات معان ونزلوا جميعا في قرية زيزياء. طلب الانكليز من القائد التركي أن يسلم فرفض ولكنه سرعان ما عدل عن رفضه وأجابهم إلى طلبهم. عندها سار لواء فرسان الاستراليين إلى القسطل لحماية الأتراك المقهورين الذين بيت الأهلون على الإنقضاض عليهم والتنكيل بهم. ثم سيقت الأسرى وعددهم 4000 إلى عمان مع 23 رشاشا. أما القائد فقد حمل بسيارة.».

مساكن بين الآثار
وحول جوانب من الحراك الاجتماعي، المحيط بقصر القسطل، والآثار هناك، يمكن الالتفات إلى ما كتبه الدكتور نوفان السوارية في «عمان وجوارها»، في أنه «بنى الشيخ فواز الابن الأكبر للشيخ سطام الفايز بيتا له على أنقاض قلعة. وسكن عدد من الفلاحين الذين قدموا من قرى نابلس والقدس في هذه القرى ما بين السنوات 1315ه/1897م-1331ه/1912م، وبدأوا بزراعة الأرض وإقامة المساكن لهم، في الوقت الذي أبدى فيه بنو صخر عزوفا عن الاستقرار في هذه القرى، تاركين زراعة الأراضي التي حولها للفلاحين الجدد مقابل جزء من ناتجها..».
ويشير السوارية إلى أدبيات الرحالة التي وثقت جوانبا اجتماعية وحياتية للقسطل، في الفترة بين 1897 إلى 1912م، حيث «تذكرت بيل أنه أنه في سنة 1323ه/1905م انتقل عدد من العائلات تقدر بين 40-50 عائلة معظمها من قرى القدس والخليل واستقرت بقرية القسطل عند قبيلة الفايز من بني صخر، واتخذت مساكن لها بين أثار القسطل، وقد رجع بعض هذه العائلات من حيث أتت سنة 1331ه/1912م».

أراضي زراعية
هذا المفتتح الاجتماعي يفضي إلى حديث مهم حول عشائر بني صخر، وجوانب من ذاكرتها، وبعض تفاصيل عن تاريخها، حيث يمكن البدء مما كتبه الدكتور نوفان حمود السوارية في كتابه «عمان وجوارها خلال الفترة (1281ه/1864م-1340ه/1921م)» حول بعض أماكن تواجد عشائر بني صخر، وهنا يوثق بأن عشائر بني صخر «حصلت على أراضي زراعية في مناطق مختلفة وفق التوزيع التالي: الفايز: خربة أم العمد والجيزة والقسطل وجويزة ولبن وجاوا وصوفة والطنيب وبرزين وما يحيط بها. الحيدر: قرية سالم وما يحيط بها. الكنيعان الفايز: خربة منجا وما يحيط بها. طراد بن زبن: خربة نتل وما يحيط بها. فالح (فلاح) بن شلاش: خربة حوارة وما يحيط بها. مناور بن فهار: خربة جلول وما يحيط بها. متعب بن جريد: خربة أم قصير وما يحيط بها. قفطان بن عرار الحامد: خربة المريجمة وما يحيط بها. عيد الرديني: خربة الدليلة الغربية وما يحيط بها. ابن الرويعي: خربة صوفا وما يحيط بها. زيدان الحامد: خربة سطيحة وما يحيط بها. ضيف الله المور: خربة أم الرصاص وما يحيط بها. عيال فارس: خربة المريجيمة الغربية وما يحيط بها».

«دفتر يوقلمة»
أما حول أراضي القسطل وتسجيلها باسم الفايز من بني صخر، فيورد الدكتور نوفان السوارية، جدولا لأراضي بني صخر، مستخرجا اياه من «دفتر يوقلمة ودائمي، السلط سنة 1313 مالية 1897م، ص 57؛ يوقلمة، بني صخر 1313ه/1897م، ص5-12؛ ص15-16؛ يوقلمة ودائمي، بني صخر-وادي السير 1892، ص6-23»، وفي هذا الجدول يظهر أن «قرية القسطل، 6000 دونم، والمتصرف بها كل من فايز وفواز ونواف أبناء سطام الفايز. كانت تحت تملكهم ومضى على ذلك أكثر من 10 سنوات».