ضُرب به المثل في الحلم والصبر، ورويت عنه القصص.. عرف بالفصاحة وله خطب بليغة.. انه سيد بني تميم قبل الاسلام وفي بدايته.. ادرك عهد النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يره.. وكان له اثره الكبير في اسلام قومه، جاء من البصرة الى المدينة المنورة، وفيها ابقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة كاملة، ثم جعله مستشارا لامير البصرة ابي موسى الاشعري. وشهد الاحنف بن قيس فتوح فارس وخراسان، وفتحت على يديه قاشان واصفهان وغيرهما وولى بعض خراسان مدة.
اعتزل الفتنة بين عائشة وعلي، ولكنه انضم الى علي في صفين ضد معاوية.. وعاش بقية حياته مقربا من امراء البصرة ومستشارا وعرف بالفصاحة والذكاء وطول البال.

كيف تعلم الحلم
قيل للأحنف بن قيس‏:‏ ممن تعلمت الحلم? فقال‏:‏ من قيس بن عاصم؛ رأيته يوماً قاعداً بفناء داره ، يحدث قومه، فاذا برجل مكتوف ورجل مقتول، فقيل‏ له:‏ هذا ابنك قتله اخوك هذا!!! فوالله ما قطع كلامه‏ حتى فرغ من حديثه وأنشأ يقول:
أقول للنفس تأساء وتعزية
إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه
هذا أخي حين ادعوه وذا ولدي
ثم التفت الى اخيه وقال له: يا اخي انت رميت نفسك بسهمك وقتلت ابن اخيك..ثم قال لابن اخر له: قم يا بني فواري اخاك وحل كتاف عمك، واحمل امك مائة ناقة دية عن ابنها فانها غريبة منا.
ومن نوع هذا يقال عن صلة ابن اشيم انه دخل عليه رجل وبين يديه طعام فنعى اليه اخاه فقال له: هلم، فتعجب الرجل وقال: هل سبقني اليك نعيه احد؟! قال: نعم، قول الله تعالى: «إنك ميت وانهم ميتون» و«كل نفس ذائقة الموت».

ابسط لكم وجهي
قال الاحنف بن قيس يوما لقومه: انما انا رجل منكم، ليس في فضل عليكم، ولكني ابسط لكم وجهي، وابذل لكم مالي، واقضي حقوقكم، واحوط حريمكم.. فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي، ومن زاد عليّ فهو خير مني، ومن زدت عليه فانا خير منه.
فقيل له: يا ابا محمد ما يدعوك الى هذا الكلام؟! فقال: احضهم على كارم الاخلاق.

قرة أعيننا
دخل الاحنف بن قيس على معاوية ويزيد بين يديه وهو ينظر اليه اعجابا به... فقال: يا ابا بحر ما تقول في الولد؟! فعلم ما اراد فقال: يا امير المؤمنين هم عماد ظهورنا، وقمرة قلوبنا وقرة اعيننا بهم فصول على اعدائنا، وهم الخلف، وهم الخلف من لمن بعدنا، فكن لهم ارضا ذليلة وسماء ظليلة، ان سألوك فاعطهم، وان استعتبوك فاعتبهم، لا تمنعهم رفدك فيملوا قربك، ويكرهوا حياتك ويستبقوا وفاتك، فقال: لله درك يا ابا بحر هم كما وصفت.

ابلغ من التصريح
لما نشبت الحرب بين علي ومعاوية، رأى الاحنف بن قيس ان الحق في جانب علي فانضم اليه وقومه، واعانه بسيفه ورأيه فاشترك معه في حرب صفين ونصحه الا يكون ابو موسى الاشعري حكما، وظل مخلصا له العمل والقول. حتى قُتل علي، فدانت البلاد لمعاوية فاطاع معاوية في شمم وغباء.
دخل عليه يوما فقال له معاوية: أنت الشاهر علينا سيفك يوم صفين؟! فقال له: يا معاوية لا تذكر ما مضى منا، ولا تُرد الامور الى ادبارها، فان السيف التي قتلناك بها على عواتقنا، والقلوب التي ابغضناك بها بين جوانحنا، والله لا تمد الينا شبرا من غدر الا مددنا اليك ذراعا من خير، وان شئت لتستصفين كدر قلوبنا بصفو عفوك، فقال معاوية، اني افعل، ثم استرضاه ومن معه.
ولما أراد معاوية أن يبايع لابنه يزيد، أخذ الناس يتكلمون في مدح يزيد والثناء عليه ويمدحون معاوية على عمله.. والاحنف ساكت!! فقال له معاوية: مالك لا تتكلم يا ابا بحر؟! وكانت كنيته فقال قولته المشهورة: أخاف الله ان كذبت واخافك ان صدقت.

تفاحة القلب
يروى ان عمرو بن العاص دخل على معاوية وبين يديه ابنته عائشة فقال له: من هذه يا امير المؤمنين فقال: هذه تفاحة القلب فقال: انبذها عنك، فولالله انهن ليلدن الاعداء، ويقربن البعداء ويورثن الضغائن.
فقال له معاوية: لا تقل هذا يا عمرو.. فوالله ما مرض     المرضي، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الاحزان مثلهن.. ورب ابن اخت قد نفع خاله. فقال عمرو: ما أعلمك والله انك قد حببتهن الي.