عمان- الرأي - أظهرت دراسة أجرتها بوز أند كومباني مؤخراً أنه بمقدور الرقمنة في البلدان النامية تحقيق مبالغ إضافية في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي تصل إلى 6,3 تريليون دولار أميركي فضلاً عن خلق 77 مليون فرصة عمل جديدة في غضون العقد المقبل
واليوم لا تقل الفجوة الرقمية داخل البلدان النامية في جسامتها عن الفجوة التي تفصل الأسواق الناشئة عن أسواق البلدان المتقدمة. وفي الواقع، تتخلف تلك البلدان في مجال الرقمنة وهي تمثل 85% من تعداد سكان العالم نتيجة عدم انتشار الرقمنة بشكل كاف بين سكانها الفقراء.ومن أجل مواكبة الاقتصادات الناضجة يتعين على تلك البلدان وفقاً لتحليلات شركة الاستشارات الإدارية بوز أند كومباني التركيز على مضاعفة مستوى انتشار الرقمنة بين مواطنيها الأشد فقراً الذين يبلغ تعدادهم 3,9 مليار نسمة في قاعدة الهرم الاجتماعي والاقتصادي، وهم يمثلون95% من تعداد سكان جنوب آسيا، و 86% من تعداد سكان أفريقيا، و 68% من تعداد سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و 58% من تعداد سكان منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ، و 27% من تعداد سكان أميركا اللاتينية، و20% من تعداد رابطة الدول المستقلة وروسيا، و 14% من تعداد سكان أوروبا الشرقية، الأمر الذي من شأنه رفع مستوى انتشار الرقمنة بشكل كبير على الصعيد الوطني إضافةً إلى خلق فرص عمل جديدة، وزيادة الإنتاجية، واستكشاف الفرص الجديدة المتاحة في الأسواق. ومع ذلك، يُشكل هذا المنحى تحدياً لما يتطلبه من طرح لتطبيقات رقمية بأسعار معقولة ويمكن الوصول إليها وتلائم هذه الفئة السكانية المحرومة.

الرقمنة – أرباح هائلة
تُعرف الرقمنة بالاعتماد الشامل للتقنيات والتطبيقات الرقمية المتصلة بالإنترنت من قبل المستهلكين والمؤسسات والحكومات. والأهم من ذلك، وفقاً للتحليل الاقتصادي القياسي الذي أجرته بوز أند كومباني، المزايا التي تجنيها البلدان النامية من عملية الرقمنة والقائمة على نماذج العمل والمنتجات والخدمات المبتكرة التي تصاحب دائماً التحول التقني، والتي بمقدورها انتشال أكثر من نصف مليار شخص من براثن الفقر خلال العقد المقبل.
وحتى الوقت الحاضر، أثرت الرقمنة تأثيراً كبيراً في قدرة البلدان الناشئة على خلق فرص العمل وتنمية اقتصاداتها. فبين عامي 2009 و 2011، ساعدت الرقمنة تلك البلدان على خلق 17 مليون فرصة عمل وساهمت بمبلغ 350 مليار دولار أميركي في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي. فضلاً عن ذلك، تُشير الدراسة التي أجرتها بوز أند كومباني إلى أن زيادة مستوى الرقمنة في إحدى أسواق البلدان النامية بمقدار 10 درجات من شأنها تحقيق ارتفاعاً في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0,70% وانخفاضاً في معدل البطالة بنسبة 1,09%.
وفي الحقيقة، تتمتع الاقتصادات الناشئة بفرصة أكبر لخفض معدل البطالة بفضل الرقمنة عن الاقتصادات المتقدمة. ويوضح بهجت الدرويش، وهو شريك في بوز أند كومباني، ”يرتبط هذا الأمر بتطبيق الرقمنة، حيث تدعم استمرارية خلق فرص عمل في الاقتصادات النامية على صعيد القطاعات التصنيعية التي تكون غالباً كثيفة العمالة على غرار الصناعات التحويلية. ولكن في الاقتصادات المتقدمة، تعزز الرقمنة من القدرة الإنتاجية في وظائف القطاعات الخدمية، مما يسفر عن خلق فرص عمل أقل مقارنة بالبلدان الناشئة ولكن يؤثر بشكل أكبر على الناتج المحلي الإجمالي“.

قياس مستوى الرقمنة
قامت بوز أند كومباني بإعداد مؤشر الرقمنة لقياس الاعتماد العالمي للتقنية الرقمية ولفهم الآثار المترتبة عليها بشكل أعمق.وجدير بالذكر أن مؤشر الرقمنة يتألف من نقاط تحسب مستوى الرقمنة في البلدان باستخدام 23 مؤشراً تقيس ست خصائص رئيسية وهي الانتشار في كل مكان، والسعر المعقول، والاعتمادية، والسرعة، وسهولة الاستخدام والمهارة. ويتم قياس مستوى الرقمنة في البلدان وفقاً لمقياس يتدرج من ”0“ إلى ”100“ درجة، حيث تشير الدرجة ”100“إلى البلدان الأكثر تقدماً.
ويصرح ميلند سينغ، وهو مدير أول في بوز أند كومباني، ”يبلغ متوسط مؤشر الرقمنة في البلدان النامية 27 درجة، والتي لا تزال معظمها في المراحل الأولية من عملية الرقمنة، كما يصل متوسط مؤشر الرقمنة لأشد الناس فقراً في تلك البلدان إلى 17,5 درجة. ويرجع السبب الرئيسي لانخفاض مؤشر الرقمنة إلى الفقر المدقع إلى جانب الإقصاء الاجتماعي وغالباً الاقتصادي لتلك الفئة السكانية، حيث يصل دخل الفرد إلى أقل من 4 دولارات أميركية في اليوم“.

فرصة بقيمة 4,4 تريليون
 دولار أميركي
على الرغم من مستويات الدخل المنخفضة، تمثل قاعدة الهرم الاجتماعي والاقتصادي أكبر فرصة لتحقيق مكاسب عدة من تبني الرقمنة تتركز في خلق فرص العمل ونمو الناتج المحلي الإجمالي. وفي المجمل، تُشكل هذه القاعدة المجتمعية في البلدان الناشئة 70% من مجموع السكان وتحقق 27% من إجمالي دخل الأسر، مما يعني أن الأسواق الناشئة التي تحاول الاستفادة من الرقمنة عليها السعي جاهدة إلى رفع درجة مؤشر الرقمنة لدى هؤلاء المواطنين.
وفي واقع الأمر، تكشف دراسة بوز أند كومباني أيضاً أن مضاعفة مستوى الرقمنة لدى هذه الفئة السكانية في الاقتصادات الناشئة يمكن تحقيق مبالغ إضافية في الناتج المحلي الإجمالي الاسمي تصل إلى 4,4 تريليون دولار أميركي وخلق 64 مليون فرصة عمل جديدة على مدار العقد المقبل. وعلاوةً على ذلك، يمكن لهذا الاتجاه خلال نفس الفترة أن يساعد على توسيع نطاق السوق الشامل لتقنية المعلومات والاتصالات في قاعدة الهرم الاجتماعي والاقتصادي بقيمة 300 مليار دولار أميركي،كما سيساعد أيضاً على استهداف الأسواق غير المستغلة لقطاعات مثل الخدمات المالية والتعليم والرعاية الصحية.
ويضيف بهجت الدرويش ”يُظهر تحليلنا ذلك الأمر في قطاعي الرعاية الصحية والتعليم وحدهما، حيث يمثلان فرصة بقيمة 700 مليار دولار أميركي. كما تستطيع الرقمنة تمكين الخدمات الحكومية من الوصول إلى هؤلاء المواطنين على نحو أكثر فعالية، وبالتالي استحداث قاعدة لتوسيع نطاق المشاركة المجتمعية“.

العوائق التي ينبغي تخطيها
على الرغم من أن رفع مستوى الرقمنة لأشد الناس فقراً هو مسعى يستحق العناء، سيصعب جني العائدات على الاستثمار. فعلى صعيد الجبهة المالية وحدها، تُبين دراسة بوز أند كومباني الحاجة إلى ضخ استثمارات بقيمة 1,4 تريليون دولار أميركي على مدار عشر سنوات لتقديم منتجات وخدمات رقمية لكامل الفئة السكانية المستهدفة في قاعدة الهرم الاجتماعي والاقتصادي. وسوف تركز هذه الاستثمارات على الركائز الأربعة للأنظمة الرقمية وهي:تغطية شبكية يمكن الاعتماد عليها،وأجهزة بأسعار معقولة،ومنهج فعال لدخول الأسواق،ومحتوى وتطبيقات ملائمة.
ويضيف ميلند سينغ ”استناداً إلى المستويات الحالية لاقتصاد قطاع الرقمنة، نتوقع أن تبلغ التكلفة السنوية لرقمنة الفئة السكانية في قاعدة الهرم الاجتماعي الاقتصادي حوالي 47 دولار أميركي للفرد. وتزيد هذه التكلفة بثمانية أضعاف عن الإنفاق السنوي على الرقمنة للفرد في هذا المستوى من قاعدة الهرم. ويمثل سد هذه الفجوة المالية أهم جزء من التحدي الذي يواجه الحكومات والشركات، والخطوة الأولى للنجاح في ذلك هو فهم أسبابها“.
فعلى جانب الطلب، تشمل الأسباب الكامنة وراء ذلك وجود قاعدة مستهلكين تعاني من ارتفاع مستويات البطالة، وتذبذب الدخل الشهري، وندرة القروض بفائدة معقولة، وانخفاض الوعي الرقمي، فضلاً عن إعاقة تقديم الخدمات والمنتجات الرقمية بسبب نقص المحتوى الملائم وانخفاض جودة تجربة العملاء. أما على جانب العرض، فلا تتوفر استثمارات كافية في البنية التحتية للوصول الرقمي وتطبيق تقنية النقل السلكي (عبر كابلات الألياف) في المناطق الريفية. بالإضافة إلى ذلك، يُعاني مشغلو الشبكات الحاليين من كثرة الأعباء والضغوط الناجمة عن متطلبات رأس المال الضخمة وارتفاع نفقات التشغيل وانخفاض متوسط العائد لكل مستخدم.

نموذج جديد
تتطلب زيادة درجات مؤشر الرقمنة تحولاً جوهرياً في نمط التفكير، حيث ينبغي اعتماد منهج فعال لانتشار الرقمنة في هذه الأسواق الزاخرة بالتحديات. ويجب أن يعمل هذا المنهج على معالجة وتغيير الاقتصاديات على كل من جانبي العرض والطلب، فضلاً عن تعزيز مستويات التعاون بين مجموعة متنوعة من الجهات المعنية.
على جانب العرض، تشمل التدابير الواجب اتخاذها ما يلي: الابتكار:تحتاج شركات تقنية المعلومات والاتصالات إلى تطوير التقنيات القديمة للشبكات والأجهزة، وإعداد نماذج فعالة لتقديم الخدمات، واستحداث نماذج العمل المبتكرة لخدمة قاعدة الهرم الاجتماعي والاقتصادي بشكل مربح. وستُمكن هذه الابتكارات قطاع الرقمنة من تقليص ما يتكبده من تكاليف.
الاستثمار المشترك:يعد الاستثمار المشترك بين القطاعين العام والخاص هو السبيل الوحيد للتغلب على التحدي المتمثل في تحقيق التوزان بين الاستثمارات والعائدات للجهات العاملة في قطاع الرقمنة، وارتفاع نسبة الاستثمارات المطلوبة، وطول فترات الاسترداد المرتبطة بالبنية التحتية للشبكات في قاعدة الهرم الاجتماعي والاقتصادي.
توحيد المقاييس:توحيد التقنيات والإجراءات والممارسات التي تدعم تطوير الأسواق الموجهة لقاعدة الهرم الاجتماعي والاقتصادي عن طريق الحد من التشتت وتعظيم فرصة تحقيق وفورات الحجم.
على جانب العرض، تشمل الاستراتيجيات الواجب اتباعها ما يلي:
•    تعزيز القدرة على الإنفاق:زيادة مستويات الدخل المتاح وفرص الحصول على القروض في قاعدة الهرم الاجتماعي والاقتصادي همامن بين العوامل الرئيسية التي يمكنها تعزيز قدرة المستهلكين على الإنفاق على الخدمات الرقمية، دون المساس بحاجتهم للإنفاق على المنتجات والخدمات الأساسية.
• زيادة النزعة للإنفاق:تشعر الفئات الأشد فقراً في المجتمع بالقلق إزاء إنفاق الدخل الشحيح على التقنيات الرقمية لعدد متباين من الأسباب. ويتطلب التغلب على هذه العوائق خلق الوعي المجتمعي بشأن الرقمنة وزيادة توافر المحتوى والتطبيقات الملائمة التي تلبي الاحتياجات الأساسية لهذه الفئة من السكان.

التعاون أولوية قصوى
سيتطلب نشر الرقمنة في قاعدة الهرم الاجتماعي والاقتصادي تضافر جهود العديد من الجهات المعنية.
ويتعذر تلبية هذه الطموحات إلا إذا قام صناع السياسات بتشجيع التقنية على مستوى السياسات الوطنية، وصياغة الأطر التنظيمية المناسبة، وربما الاستثمار المشترك مع القطاع الخاص لتسويقها. وفي المقابل على الجهات الخاصة العاملة في قطاع تقنية المعلومات والاتصالات استثمار وتطوير وتسويق التقنية، بل وتعزيز الطلب على التقنية داخل السوق المستهدفة عن طريق ابتكار تطبيقات مُدرة للدخل، وتمويل إمكانية الوصول إليها وزيادة الوعي بها. ومن جانبها، تضمن الجهات الخاصة غير العاملة في قطاع تقنية المعلومات والاتصالات تقديم الدعم التقني اللازم للتطبيقات الرقمية في قطاعاتها. وبالتزامن مع ذلك، ينبغي على الاتحادات الصناعية تعزيز التقنية ووضع معايير لها بحيث يمكن توسيع نطاقها والاستفادة من وفورات الحجم. وأخيراً، يجب على منظمات المجتمع المدني زيادة الوعي بفوائد التقنية الجديدة بين الجهات العاملة في قطاع الرقمنة والمستهلكين.
وعلى الرغم من اتساع نطاق التعاون المطلوب، وأن الاستثمار قد يبدو مثبطاً للهمم في بداية الأمر، يمكن تحقيق عائدات تصل إلى 300%، أي ما يكفي لتعويض الجهد والاستثمار المطلوبين لتحقيق النجاح.
وختاماً، سيثمر إدخال فئة قاعدة الهرم الاجتماعي والاقتصادي إلى العصر الرقمي عن فوائد جمة لهذه الفئة السكانية في الاقتصادات النامية، سواءً من حيث معدلات التوظيف أو التنمية الاقتصادية. وبغض النظر عن ذلك،سيكون طريق هذه الرؤية الواعدة بلا شك زاخراً بالصعوبات نظراً لانخفاض نزعة الإنفاق لدى هذه الفئة من السكان. وفي نهاية المطاف، سيستلزم الاستفادة من هذه الفرصة إحداث نقلة نوعية في اقتصاديات كل من العرض والطلب الحاليين للرقمنة وكذلك الدخول في مبادرات بين شركاء من القطاعين العام والخاص.