إعداد وتصوير د. عميش يوسف عميش - يعتبر البحر الميت من روائع الطبيعة التي خلقها الله تعالى وأسطورة فريدة، مكان يأسر الإنسان بمنظره وتاريخه الغني ، ويثير في النفس الشعور بالغموض كأنه لغز محيّر. بالإضافة إلى أن موقع البحر الميت هو المكان الذي دمرت فيه المدينتين التوراتيتين (صادوم وعامورا)، فلقد دُمرت مدينتا الخطيئة في منطقة شبه جزيرة اللسان جنوب البحر الميت وغرقتا في أعماق البحر. كما أن البحر الميت المكان التاريخي للمدن التوراتية الأخرى الثلاث : أدما (Admah)، زيبون (Zebouin) ، وزور (Zoar) ، أما لوط الذي كان يسكن (اسدوم) فكان من كلدان ( بابل) وآمن بإبراهيم عليهما السلام وهاجر إلى فلسطين ونزل في مدينة اسدوم وكانت ومدن أخرى تعرف «بالمؤتفكات»، فلقد جاء في سورة الأعراف (80): «ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين» . وسورة هود(82): «فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود». وفي التوراة (سفر التكوين) :» فأنجى الله لوطاً والملائكة وأمطر على سدوم وعمورة كبريتاً وناراً من السماء ودمر تلك المدن وأبادها وكل الأحياء عقاباً لذنوب أهلها». وقبل التدمير كلم الله تعالى لوطاً: « عليك أن تهرب قبل أن أدمر المدينتين» وهرب إلى الزور مع ابنتيه وسكنوا كهفاً يطل على البحر. وقبل التدمير قال تعالى لزوجته « لا تديري وجهك وتنظري للخلف لكنها لم تفعل فتحولت إلى عمود من الملح». واكتشف (Lynch& Montague) (1849) في الجهة الجنوبية الشرقية للبحر على جبل «اسدوم» عمود الملح المكسو بالكلس بطول 60 قدماً ومحيط 45 قدماً، بالطبع لا احد يتصور ان زوجة لوط كانت بهذه المقاييس الكبيرة.
أما الملاذ الذي ذهبت إليه زوجة لوط فيعتقد أنه في منطقة (الصافي) كما هو مبين في مخطوطات الفسيفساء لخارطة فلسطين والموجودة في مدينة مادبا.
أما الكتاب المقدس فيذكر بأن لوط وإبنتاه خافوا البقاء في مدينة زور، لذا فإنهم استقروا في الجبال وسكنوا قرب ينبوع مياه في مغارة تطل على البحر الميت.
وللوصول إلى البحر الميت لا بد للمرء أن يسلك طريقاً منحدراً متعرجاً من عمان يؤدي إلى وادي الأردن ماراً بقرية الشونة الجنوبية ثم قرية سويمة المتاخمة للبحر، والرحلة تستغرق نصف ساعة ، لكن الانخفاض يساوي 427 متراً تحت سطح البحر.

 الصدع الكبير لوادي الغور
للبحر الميت تراث تاريخي وجغرافي وروحاني فريد من نوعه، فهو يقع في ما يسمى بالصَدْع أو الشق الكبير الذي يمتد من الشمال حتى نهر الأردن ووادي عربة في الجنوب، وكلها تشكل بالتتابع الصدع الكبير لوادي الغور والذي يمتد من بحيرة طبريا في سوريا شمالاً إلى الجنوب ماراً بالبحر الميت، ووادي عربة، حتى يصل إلى الشق الإفريقي الشرقي أو المسمى (المشرقي)، على كل ساحل البحر الأحمر. أما طول هذا المنخفض فيساوي (6000) كيلومتر.
لقد بدأ تكوّن منخفض وادي الأردن الذي هو جزء من وادي عربة(Jordan-Arava Rift Vally) بعد العصر الطباشيري (Cretaceous Period) وحتى العصر الميوسيني (الثِّلي الأوسط) (Miocene) أي بعد تكون البحر الأحمر. أما نظرية تكون منخفض أو صدع وادي الأردن فهي مقبولة على أساس النظرية التكتونية الأفقية (Horizontal Tectonics)، وهي عملية تغيير شكل قشرة الأرض وهي تدل على أن شريحة الأرض التي تضم الجزيرة العربية والأردن وسوريا وفلسطين والعراق قد تحركت لمسافة 107 كيلومترات بالنسبة لجزيرة سيناء، وأن هذا التحرك قد بدأ في العصر الميوسيني، وكانت المنطقة مملوءة ببحيرات كثيرة وبأحجام مختلفة.
أما تاريخ البحر الميت فهو أقدم من تاريخ الأردن وفلسطين وإسرائيل، ولقد ذُكر في القرآن الكريم وكتاب العهد القديم، ولقد وصفه العرب واليونان وأعطوه عدة أسماء مثل بحر سودوم، التنين، العرابا، بحر الإسفلت، وبحيرة لوط.
أما بداية تاريخ نشوءه وحسب الدراسات الجيولوجية فيقدر ب (280) مليون عاماً. والبحر الميت يقسم إلى بحيرة شمالية تكوّن 76% من مساحته، وبعمق يصل إلى 360 متراً، وبحيرة جنوبية تكوّن 24% من مساحته وبعمق عشرة أمتار، وتفصل البحيرتين شبه جزيرة اللسان.

 انخفاض البحر مستمر مع ارتفاع ملوحته
لقد أثبت تحليل الصخور المتواجدة في المناطق المحيطة بالبحر الميت، أنها ربما قد تكونت قبل 500 مليون سنة.
 ورغم وصول مياه السيول والجبال المحيطة للبحر الميت فإن التبخر أكثر بكثير ، لذا فإن فقدان المياه وانخفاض البحر مستمر وارتفاع ملوحته تزداد كل عام ، ولذا فلا تستطيع الأحياء المائية العيش فيه .
إن العوامل الجيوفيزيائية لبيئة البحر الميت فريدة من نوعها وذلك لأن البحر الميت أكثر نقطة انخفاضا تحت سطح البحر في كل العالم ، حيث يصل إلى 427 متراً ويزداد كل عام بسبب تبخر مياهه باستمرار وقلة منسوب المياه التي تصله من الجبال والوديان المحيطة به حيث يؤدي ذلك إلى ترسب وذوبان الأملاح والمعادن الكثيرة والمفيدة مما يجعل من ماء البحر عاملاً من عوامل العلاج الطبيعي . كما أن نسبة الأكسجين في المنطقة تزيد بمعدل 12% من عمان والقدس وهذا عامل مفيد وصحي لمرضى القلب والشرايين والربو.
أما درجات الحرارة فإنها عالية معظم أيام السنة، وبمعدل ست ساعات يومياً تستمر لمدة 333 يوماً في السنة وبنسبة رطوبة منخفضة توازي 35% في معدلها فقط.
أما الإشعاعات الشمسية فلقد دلت الدراسات على وجود طبقة غنية بالأوزون فوق سطح البحر تصل إلى ارتفاع 25 كيلومتراً ، ويقوم الأوزون بالإضافة إلى بخار الماء فوق البحر بعملية ترشيح وفلترة للأشعة الفوق بنفسجية ، فيحدث ارتداد لمعظم الأشعة المتوسطة الطول الضارة (UVB) ، ولكن الأشعة المفيدة الطويلة (UVA) تصلنا وهي لا تسبب حروقاً أو تدميراً لخلايا الجلد ولا تؤدي إلى الشيخوخة المبكرة أو تكوّن سرطانات الجلد.
أما الطبيعة الجيوفيزيائية لمياه البحر الميت فإن الملوحة العالية ووجود المعادن والأملاح بكثافة عالية تجعل من البحر مكاناً مثالياً لكي يطفو الإنسان على ظهره دون عناء ويقرأ كتاباً . أما نسبة البرومايد في الجو ومياه البحر فهي عالية وتصل إلى 50 مرة أكثر من البحار الأخرى ومفيدة كعامل استرخاء للجسم وهدوء للنفس . كما أن عنصر المغنيسيوم تصل نسبته إلى 15 مرة أكثر من البحار الأخرى ، كذلك بالنسبة للكالسيوم وهما عنصران مفيدان لمرونة الجلد ولياقة الجسم .
أما الطين القاري الأسود (Bitumen) الذي يستخدم كلبخات على المفاصل فيساعد في زيادة امتصاص الأشعة الشمسية ومن ثم زيادة حركة الدورة الدموية حول المفاصل لذلك فهو مفيد لعلاج روماتيزم المفاصل. إن هدوء المنطقة وخلوها من المصانع والتلوث تعطي المرء شعوراً بالهدوء النفسي والذهني، ودفئاً واسترخاء للجسد، وكل هذا يشجع السياحة العلاجية.

 هناك نباتات بحرية تنمو في الماء المالح
إن شطآن البحر الميت تبدو كالثلج عندما يضرب زبد البحر الخفيف هذه الشطآن، كما أن هناك نباتات بحرية تنمو في الماء المالح وتمتد للأعلى على الصخور كالمداد ، بألوانها الجميلة، أما الملح فيعطي أشكالاً جميلة للرواسب الملحية الكلسية (ستالاكتايت) تشبه تلك الموجودة في مغارة جعيتا في لبنان.
أما الطبيعة في غور الأردن وعلى ضفاف النهر المقدس حيث تعمد السيد المسيح فهي جميلة في فصل الربيع بألوان الأقحوان والحندقوق والأشجار ذات الألوان الجميلة ألمسماه «جميلة» وهي من عائلة الأكاسيا ، بالإضافة إلى النخيل وأشجار البرتقال والليمون والموز. وفي الجنوب من البحر الميت يستخرج البوتاس، ويجمع بواسطة حصادات خاصة، أما بحيرات تجمع الملح في الأماكن الضحلة، فتعطي منظراً جميلاً خيالياً يشبه نبات الفطر.
إن البحر الميت ثروة لا تقدر بثمن ومكان ساحر ومركز علاجي وسياحي عالمي يعتمد على العوامل الطبيعية الموجودة فيه وحولة.