عمان - الرأي - في العام 1986 صدر عن محكمة مصرية قرار يقضي بعدم مصادرة المؤلف التراثي العالمي «ألف ليلة وليلة»، وجاء في الحيثية إعتبار الكتاب هو الأشهر في التعبير عن الأدب الشعبي العربي والاسلامي، وأنه سحر الاجيال في الشرق والغرب، فخرجت حكايات ألف ليلة وليلة التي رويت عبر أكثر من ألف عام من رهاب الأصوليين السلفيين المعاصرين، وبعد ربع قرن (في هذا العام) كان للحكايات من يتربص بها ويحاول أن يزج بها في ظلامة الجهل والتخلف خلف الأسوار وفي الأقبية السوداء، فقامت جماعة «محاومون بلا حدود» بمحاولة وضعها خلف قفص الإتهام بإعتبارها خادشة للحياء العام فقدمت بلاغا للنائب العام بمصر يتهم الكتاب بأنه «يخدش الحياء العام « ولإحتوائه على حوارات تزدري الأديان (مطلق أديان).
وطالبت بالتحقيق مع رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة ورئيس تحرير سلسلة الذخائر التابعة للهيئة الكاتب والروائي ورئيس تحرير صحيفة أخبار الأدب المصرية جمال الغيطاني، وهو ما يحاول أن يعيدنا الى تاريخ مظلم ويذكرنا بالمحرقة التي أعدمت مؤلفات وكتب أبن رشد قبل ثمانية قرون، بالذهاب بعشرات الكتب إما إلى الجحيم والمحارق أو بالاعتقال، مصادرة ومنعا، بل وزج أصحابها في قفص الإتهام أو في السجون، والتهمة هي ذاتها « ازدراء الدين الإسلامي وخدش الحياء العام وكذلك الدعوة إلى الفجور والفسق وإشاعة الفاحشة».
النائب العام المصري حفظ الشكوى المقدمة ضد رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لقصور الثقافة بسبب إعادة طباعة ونشر ألف ليلة وليلة وحكم ببرائتها « لعدم توافر أركان جرائم استغلال الدين في الترويج للأفكار المتطرفة وازدراء الأديان السماوية وإثارة الفتن»
من المؤسف، بل والمخجل حقا أن تصل ببعض «المتعلمين» مهما بلغوا من أمية ثقافية أن يوجهوا إتهاما لطالما كان سلاحا مثلوما في أيدي بعض المتعصبين ضد تراث عمره ألف عام كان ولازال ملهما لكتاب العالم وفنانيها من سينمائيين ومسرحيين وأدباء وشعراء وموسيقيين، فهذا التراث العظيم كان قد جمع بين صفحاته ثقافات شعوب متعددة ومتنوعة فارسية وعربية وهندية وتقدم من خلال إبداعاتها حكايات وروائع من أجمل ما سطره الخيال، وفي كل ثقافات الشعوب وعبر التاريخ لها أساطيرها ومثيولوجيتها التي تعبر في لحظة تاريخية عن إبداع خيالها، وأحد مكوناتها الثقافية ومصدرا لإبداعاتها الفنية وقد أوضحت النيابة أن «هذا المؤلف خليق بأن يكون موضوعاً صالحاً للبحث المنتج والدرس الخصب لكونه من قبيل الأدب الشعبي ومكوناً أصيلاً من مكونات الثقافة العامة، وأنه كان مصدراً للعديد من الأعمال الفنية الرائعة، واستقى منه كبار الأدباء مصدرا لروائعهم».
إن الوصول الى مرحلة يرفع البعض سيوفه الدونكشوتية، في وجه تراث وثقافة عمرها ألف عام هو تعبير عن أزمة حقيقية يعانيها الخطاب العربي عموما وهو ما يعني أننا أمام أزمة عامة تتعلق بمستويات مختلفة في الفكر والثقافة تصل الى حد محاولة إدانة كل ما هو حضاري ومنجزات العقل البشري، فتجري المسارعة الى الاتهام السهل الذي يجد صداه لدى المتحجرين فكريا ممن يحيلون كل قضية الى قياسها وفق أحكام جامدة، ويحجرون على العقل أن يتلقى المعرفة المعاصرة إلا إذا توفر ما يسندها من نصوص لا تسمح للبشر الإبداع خارجها، لتحول هذه النصوص، تلمس الواقع المتغير ولتصبح رؤية مصائب الأمة والمصاعب التي تعيشها وما يتهددها من فقر وبطالة وجهل وأمية واحتلال ليست ذات إهتمام وإنشغال بها وليجدوا في الإبداع بكافة أشكاله هدفا يصوبوا عليه رماحهم ويشنون المعارك التي تهدف الى الإرتداد الى الوراء مستفيدين من تهافت الأوضاع وواقع ميؤوس منه وإنحدار مستوى التعليم وتراجع المشروع الثقافي العربي النهضوي الذي أخذ يتعرض للإنتكاسة والاندحار منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، فرصة لشن معاركهم.
الهيئة العامة لقصور الثقافة لقصور الثقافة ردت في بيان أن هذا الكتاب «عمل تراثي إنساني لا تجوز مصادرته أو حذف أجزاء منه» وأعلنت عن إعادة طبعه بعد نفاد الطبعة التي طرحت في الآونة الأخيرة، فيما حذر اتحاد الكتاب بالقاهرة من أثار ما وصفوه «بثقافة النفط» التي يرون أنها تعادي الخيال ولا ترى في الإبداع الأدبي إلا جانبه الحسي.
ونقلت صحيفة الحياة اللندنية عن الأمين العام السابق للمجلس الأعلى المصري للثقافة، مدير المركز القومي للترجمة الدكتور جابر عصفور، تعقيبه على القرار بأنه « خطوة إيجابية في صالح حرية الرأي والتعبير، وهو في الوقت نفسه رد على هؤلاء الذين يريدون أن يحجروا حتى على التراث باسم الأخلاق والدين الذي هو برئ منهم.»