جاء في المادة (56) من اتفاقية لاهاي لسنة 1907 ان الدولة المحتلة هي بمثابة مدير للاراضي في البلد المحتل وعليها ان تعامل ممتلكات البلد معاملة الاملاك الخاصة، كما جاء في نص المادة (53) من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 على انه لا يحق لقوات الاحتلال تدمير الملكية الشخصية الفردية او الجماعية او ملكية الافراد او الدولة التابعة لاي سلطة في البلد المحتل.
وبناء عليه فان الخطوات والاجراءات الاسرائيلية التي اتخذتها وتتخذها حكومات الاحتلال تغاير وتناقض ما جاء في المواثيق الدولية، اذ انها تصر على تغيير بنية المعالم الطبيعية للارض الفلسطينية واجراء التغييرات الديموغرافية والعبث ببنية المؤسسات القائمة والمس بالتراث القومي الفلسطيني وتدمير هوية الشعب الفلسطيني دون مراعاة لاي ميثاق او مبدأ اخلاقي.
تحاول اسرائيل ومنذ احتلالها الشطر الشرقي من القدس عام 1967 انتهاج سياسة مبرمجة للنيل من التراث الديني والتاريخي الاسلامي والمسيحي في فلسطين بغية فرض الارث الذي يتماهى مع المشروع الصهيوني على نحو مكشوف، فالاسرائيليون لا يتورعون في خططهم ولا يتكتمون في محاولاتهم تسمية المواقع الاثرية والتاريخية لا سيما تلك التي لها بعد ديني، فهي تصر على استخدام اسماء لها دلالات يهودية تخدم فكرة المشروع الصهيوني الاستيطاني، مثل حائط المبكى بدلا من حائط البراق، منطقة الهيكل بدلا من الحرم القدسي منطقة التلال اليهودية بدلا من جبال القدس وغيرها.
كما تحاول اسرائيل في خطابها للعالم ان تسوق فكرة ان القدس هي عاصمة دولتها بعد ان اقرت ذلك في الكنيست سنة 1980 لتصبح هذه الفكرة قانونية ملزمة في الاجندة والخطاب السياسي الرسمي، لكن هذه الفكرة لم تلق قبولا واعترافا دوليا لانها تناقض قرارات الشرعية الدولية وتتجاهل الاتفاقات والمعاهدات التي جرى توقيعها. كما ان اسرائيل تحاول اقناع العالم بانها اي القدس تحت السيادة الاسرائيلية ستكون مفتوحة لكل الاديان والثقافات الامر الذي يعزز بروباغندا درجت على استخدامها للظهور امام العالم بمظهر الدولة الحضارية التي تحرص على الحرية الدينية واحترام تراث الاخرين، لكن هذه البروباغندا تفضحها الممارسات العدوانية والاعتداءات الاسرائيلية ليس فقط على الاماكن المقدس لدى المسلمين فقط بل ولدى المسيحيين ايضا، ويكفي فقط ان نقول انها تحرم الفلسطينيين الراغبين في شد الرحال لاداء الصلاة في الاقصى اثناء رمضان، كما انها تحرم المسيحيين من الاحتفال بالميلاد، بمعنى انها لا تحترم الديانات الاخرى ومنتسبيها وحقهم الانساني في ممارسة الشعائر الدينية التي كفلتها الشرائع الدولية.
لقد صمد الفلسطينيون على ارضهم وتحملوا عبء آلة الحرب والاحتلال الاسرائيلية الغاشمة، وربما بقي الفلسطينيون هم الشعب الوحيد الذي لم يحصل على استقلاله وحريته بين شعوب الارض في هذا العالم، هذا العالم وخاصة الذي يدعي انه العالم الحر يملأ الدنيا طولا وعرضا بالحديث عن حقوق الانسان وضرورة حصول الشعوب على حق تقرير مصيرها، ليسود السلام والعدل وتعم ثقافة التسامح بين الشعوب على نحو يؤسس لمستقبل افضل للبشرية جمعاء، ونتساءل: كيف ستسود ثقافة الحوار والسلام والتعايش بين الشعوب في ظل استمرار اقتلاع الشعوب من ارضها وتدمير تراثها ومكوناتها الثقافية وطمس هويتها بصورة مقصودة.
واذا كانت الهوية الثقافية لامة ما هي اطار قوميتها، فالفلسطينيون هم جزء من امة عظيمة احتوت بثقافاتها ثقافات اخرى افادت منها، وقدمت ارثا غنيا للبشرية في عديد الميادين الحضارية والان والهجمة الاحتلالية الشديدة التي يتعرض لها الفلسطينيون بغية طمس هويتهم ومعالم ارثهم الحضارية نجدهم يصرون على ان يضربوا مثالا صارخا في البقاء سدنة لتراثهم وهويتهم وهم بذلك يدافعون عن ايمانهم بذاتهم وامتهم فالمعركة في نظرهم لم تعد على احتلال بقعة من الارض او رسم حد جغرافي او سياسي بل المعركة للنيل من وجودهم الحضاري الممتد لاكثر من اربعة الاف سنة، هؤلاء هم سدنة التراث واهله الذين ينظرون جزءا مهما ثريا من تراثنا العربي الاسلامي والمسيحي في فلسطين عموما والقدس خصوصا، هذا الدور لا يلعبه الا شعب جدير بهذه الثقافة العريقة وهذا الارث الانساني الغني.
لقد بادرت الاردن وانطلاقا من حرصها على القدس والمقدسات وما ترمز اليه عربيا اسلاميا ومسيحيا الى وضع القدس وتسجيلها في اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر سنة 1983، ولم يكن ذلك من فراغ، اذ ان التخوف من تنفيذ المخططات الاسرائيلية المستمرة في القدس وسواها من المناطق الفلسطينية كانت وما تزال تهدف الى طمس معالم المدينة المقدسة وتراثها العربي الاسلامي والمسيحي، والا كيف يمكن تفسير عمليات الاعتداء على اماكن العبادة المقدسة عند المسلمين والمسيحيين، ألم تحاصر اسرائيل كنيسة المهد في بيت لحم وتقصفها بحثا كما تدعي عن مقاومين ناشطين من الفلسطينيين، ألم تقم اسرائيل كذلك اثناء الانتفاضة الثانية بضرب المدينة القديمة في نابلس دون ادنى اعتبار لاهمية الارث والعمق الحضاري للمدينة ثم متى توقفت اسرائيل عند اعتداءاتها على الحرم القدسي الشريف!
وخارجيا تحاول اسرائيل من خلال المنابر الدولية فرض سيطرتها على المدينة المقدسة ومصادرة ارثها الحضاري ففي صيف 2004 في مؤتمر بكين الذي عقدته لجنة التراث العالمي في منظمة اليونسكو حاولت اسرائيل شطب مدينة القدس من قوائم التراث العالمي المهدد بالخطر، لكن جهودها باءت بالفشل نظرا لوعي المجموعة العربية لخطورة ذلك وهنا يسجل للموقف الاردني دور كبير في قطع الطريق وتفويت الفرصة على المحاولات الاسرائيلية للنيل والعبث بالتراث الخاص لمدينة القدس.
ان ما تقوم به اسرائيل من شأنه ان يحرم التراث التاريخي الانساني الذي هو في النهاية جزء من التراث العالمي في عولمة ثقافية وحضارية وشراكة تحترم خصوصية ارث الامم والمجتمعات بصرف النظر عن عقيدتها الدينية او تاريخها.