في الأيام الأخيرة، لا يحتاج الأردني إلى البحث كثيرًا ليرى حجم الحماس الذي يعيشه الشارع استعدادًا لمباريات المنتخب الوطني في كأس العالم. الأعلام ترفرف من الشرفات والسيارات، والعائلات ترتب تجمعاتها لمشاهدة المباراة، والموظفون يتبادلون التوقعات والحديث عن التشكيلة والنتيجة، فيما اتخذت الحكومة قرارًا بتعديل أوقات الدوام بما يتيح للمواطنين متابعة الحدث الوطني.
وقبل ذلك بأيام، شهدنا تكريم جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم لأبطال المنتخب خلال احتفالات عيد الاستقلال، في رسالة تؤكد أن ما حققه المنتخب لم يعد مجرد إنجاز رياضي، بل أصبح قصة وطنية يلتف حولها الجميع.
ما يلفت الانتباه في كل هذا المشهد ليس كرة القدم بحد ذاتها، بل ذلك الشعور الجماعي الذي ظهر بوضوح. فجأة اختفت الكثير من الفوارق، واجتمع الأردنيون بمختلف أصولهم ومنابتهم وخلفياتهم حول هدف واحد، ورفعوا علمًا واحدًا، وهتفوا باسم وطن واحد.
وهنا ربما يجب أن نتوقف قليلًا أمام سؤال مهم: هل خلق المنتخب هذا الانتماء؟ أم أنه كشف عنه فقط؟
أعتقد أن ما نراه اليوم يؤكد أن الانتماء موجود أصلًا في وجدان الأردنيين. فهذه المشاعر لا تُصنع في أيام أو أسابيع، ولا يمكن فرضها بقرار أو حملة إعلامية. ما نشهده اليوم هو تعبير صادق عن رصيد متراكم من الحب والانتماء لهذا الوطن.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود هذا الانتماء، بل في كيفية توجيهه واستثماره بما يخدم الأردن ومستقبله.
فإذا كانت الأجيال التي تحتفل بعيد الاستقلال وعيد العلم، وتخرج اليوم لدعم المنتخب، تمتلك هذا القدر من الحماس للوطن، فإن مسؤوليتنا جميعًا هي أن نحول هذه الطاقة إلى عمل وإنتاج ومبادرة وتطوع وإنجاز. فالانتماء لا يقتصر على رفع العلم في المناسبات الوطنية، بل يظهر أيضًا في احترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، والإتقان في العمل، والمشاركة في بناء المجتمع.
إن الألوان الأربعة التي نرفعها اليوم بكل فخر ليست سوى رمز لمعنى أكبر. أما جوهر الانتماء الحقيقي فيتجلى في ما نقدمه لوطننا كل يوم، وفي قدرتنا على تحويل مشاعر الفخر إلى سلوك وممارسة ومسؤولية.
كل الدعم لمنتخبنا الوطني، وكل الثقة برجال النشامى وهم يمثلون الأردن في هذا الاستحقاق الكبير. لكن ربما يكون الإنجاز الأجمل الذي حققه المنتخب حتى الآن أنه ذكّرنا بشيء نعرفه أصلًا: أن هذا الوطن ما زال قادرًا على جمع أبنائه حول راية واحدة، وحلم واحد، وهدف واحد.
كلنا خلف النشامى... وكلنا للأردن.