سلطان الحطاب

لا اعتقد ان ادبيات غير العربية تحفل باسلوب المصافحة بين شخصين.. لدرجة ان المصافحة اصبحت في منطقتنا قضية سياسية وأثارت كثيرا من ردود الفعل سواء كانت مقصودة او غير مقصودة، موظفة او غير موظفة. الموقف من المصافحة حالة تحتاج الى دراسة اوسع حتى لا يعتبر الاستنكاف عنها عملا مشينا في رأي الاخر الذي يحتاج الى تفسير لفهم سلوك رفض المصافحة قبل ايام وعشية مؤتمر قمة الجزائر صافح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي شمعون بيرس.. وجرى التغطية على هذا الموقف في الرأي العام الجزائري والعربي بشن هجمة من جانب الناطق باسم الحكومة الجزئرية وندد بها في الجامعة العربية على المطبعين وقال الذي يريد ان يطبع عليه ان يطبع في بلاده. اليوم يطلع علينا الرئيس الاسرائيلي كتساف ليصافح الرئيس الاسد والرئيس خاتمي هكذا جملة وسيكون لهذه المصافحة ما بعدها وعلى الرغم من اننا لم نسمع الرئيس الاسد او خاتمي يتحدثون عن موقفهم حتى الان ان كانوا هم فاعلين او مفعولين بالمصافحة الا ان اطرافا محلية سورية وايرانية وعبر وسائل الاعلام انبرت للدفاع عن موقفي الرئيسين هكذا تبرعا وتطوعا كما لو ان كتساف قام بمداهمتهما او اغلق عليها الطريق وجعل المصافحة هي وسيلتهما الوحيدة للفكاك من حصاره. المصافحة لا تعني شيئا اذا كان المعنيون محصنين ولديهم مواقفهم وهي تعني الكثير ان كانت حالة يراد فيها توظيف مواقف وهي الامور التي لم نعلمها بعد في الحالتين السورية والايرانية اثناء لقاء الرئيسين في حفل تشييع قداسة البابا. في الاخبار ان كتساف هو بلديات الرئيس الايراني محمد خاتمي وهو مولود في نفس بلدته وقد يكون في نفس السنة وربما التقيا في مدرسة واحدة او شارع او لعبا معا قبل ان ينصرف كل منهما الى خندقه وكون الرئيس الاسرائيلي كتساف تحدث مع خاتمي بالفارسية مرحبا مبتدئا أو رادا فان ذلك يعني استعمال لغة مشتركة. وهو الامر الذي حاول كتساف ان يوظفه بصورة اكبر من مصافحة الاسد، فالرئيس الاسرائيلي شرقي ويعرف ماذا تعني مشاهدة جماهير هذين الرئيسين وهما يصافحان من ظل عدوا وما زال وبالتالي الطعن في مصداقية التعبئة التي يمارسها النظامان الايراني والسوري ما لم يقم من يقدم تفاسير من اجهزة البلدين اقرب الى المنطق والتسلح بذرائع مقبولة ومعقولة.. المشكلة ان المفسرين يبحثون عن مفهوم الطهارة في السياسة وهم يتحدثون ويبنون وكأن الزعيمين كانا في غفلة او انهما لا يعرفان الرئيس الاسرائيلي ومكان جلوسه (وتفلته) الذي مارسه اكثر من مرة على غيرهم ليس حبا في السلام والمصافحة او تشرفا بها وانما لانه يعلم ان ذلك يترك آثارا لصالحه في مجتمع اسرائيلي لا يحاسب على ذلك.. ومجتمعات عربية واسلامية تحاسب. العالم قرية صغيرة وسكانه شركاء مهما كانت خلافاتهم وعداواتهم والاصل ان يتحدث القادة لشعوبهم قبل وقوع مثل هذه الاشياء وبعدها وان توضع في السياق الواضح.. واذا كانت سوريا تريد سلاما مع اسرائيل فما الغريب في المصافحة واذا لم ترد ذلك فلماذا استمرار الصمت على احتلال اراضيها والذي قد يستمر لسنوات طويلة اخرى وفي ذلك مصلحة لاسرائيل. اما ايران فان دلالة المصافحة هي الاخطر وهي زاوية يمكن من خلالها قراءة موقف ايراني ظل مستترا وغير متداول ولكن تطورات الاحداث المتتالية ومنذ نشوب ازمة اتهام ايران بالعمل على تصنيع اسلحة ذرية عكس اتساع هامش المراوحة الايرانية مع الولايات المتحدة والتي قامت -اي الولايات المتحدة- من جانبها باستعمال كل وسائل الضغط واسلوب العصا والجزرة فمن ضغط مباشر واخر اوروبي واتهام ايران بالارهاب والتدخل في شؤون العراق الى محاولة للاحتواء والوعد بمساعدة ايران وتقديم الدعم المادي والمعنوي لها كما جاء على لسان كونداليزا رايس قبل فترة. هل اطلق الايرانيون اشارة هامة بمصافحة خاتمي لكتساف وهل سقط التحريم الذي هو اشبه بقشرة البيضة لتصبح قضايا اخرى عديدة ظلت معلقة في شعار تسقط اميركا وتسقط اسرائيل وقضايا قابلة للتداول ولو من تحت الطاولة. لا نريد ان نفتح على صفحات التاريخ فهناك قبل الثورة الايرانية علاقات اسرائيلية - ايرانية احتجبت مع قيام الثورة وان كانت اطراف معادية لايران قالت بأن اتصالات قد جرت في اوقات من الحرب العراقية - الايرانية وحتى بعد ذلك. لا يمكن لايران ان تستنكف عن الكعكة الايرانية الساخنة والقريبة والمواتية حتى وان اضطرها ذلك لمهادنة اطراف عديدة او القيام بمصافحة كتساف وحتى دفع ثمن المصافحة الذي لن يكون بأي شكل من الاشكال اهم من الغنيمة العراقية التي لا يمكن الوصول الايراني لها الا عبر بوابتين معروفتين.. الولايات المتحدة ومصافحة كتساف!!