صالح القلاب

وكأنه ليس لدينا هموم إلا هذا «الهم» فالانشغال من قبل وسائل الإعلام ومن قبل بعض المسؤولين بزيارة خالد مشعل الموعودة إلى الأردن :«طلع البدر علينا» يدل على ارتباك لا ضرورة له إذْ أن بالإمكان أن يأتي رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» إلى عمان ويعود مثله مثل الدكتور جورج حبش سابقاً ,قبل أن ينتقل إلى جوار ربه رحمه الله, ومثل «الرفيق» نايف حواتمة الذي لم تنقطع زياراته إلى بلده منذ بدايات تسعينات القرن الماضي وكل هذا كان يجري ولا يزال يجري بدون لا ضجَّة ولا «دربكات» ولا تفسيرات ولا تحميل للأمور أكثر مما تحتمل.
مُرَحَّبٌ برئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» بأن يأتي في زيارات عابرة وسريعة إلى عمان مثله مثل باقي بعض القادة الفلسطينيين أمّا حكاية الإقامة الدائمة وحكاية نقل مراكزه ومكاتبه بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت فهذا غير وارد على الإطلاق وهذا أفضل له ولحركته حيث أن المفترض أن مرحلة المنافي قد انتهت وأن العودة لغزة أولاً ثم إلى الضفة الغربية ,بعد «المصالحة» الموعودة وبعد انضواء هذه الحركة في إطار منظمة التحرير, غدت واجبا وطنيا لا يجوز تأخيره ولا للحظة واحدة.
الأردن كدولة لا يقيم علاقات سياسية ودبلوماسية بالنسبة للوضع الفلسطيني مع كل فصيل من الفصائل الفلسطينية التي يصل عددها إلى عشرين فصيلاً وربما أكثر بل مع منظمة التحرير التي وفقاً لقرارات قمة الرباط العربية العام 1974 هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وبهذا فإنه بإمكان قادة «حماس» أسوة بقيادة «فتح» والجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية والجبهة العربية وباقي ما تبقى من الجبهات الفلسطينية الحقيقية والوهمية أن يتواجدوا في الأردن تواجداً مؤقتاً وبدون مكاتب ولا مراكز ولا ميليشيات على ألا يتدخلوا في الشؤون الداخلية الأردنية وبخاصة شؤون جماعة الإخوان المسلمين وجبهة العمل الإسلامي.
وهنا فإنه لا بد من توضيح أن إبعاد بعض قادة «حماس» في العام 1999 عن الأراضي الأردنية لم يكن لا خطأً سياسياً ولا مخالفة دستورية وأدعو بهذا الخصوص إلى مراجعة وزير خارجيتنا الألمعي عبد الإله الخطيب (أبو مناف) ليقول حقيقة ما جرى وكيف أنه لم يجرِ إبعاد خالد مشعل وزملائه وأنهم هم الذين اختاروا المغادرة بعد أن وُضعوا أمام ثلاثة خيارات ه ي:
لأن القوانين النافذة المفعول عندنا لا تسمح لأي أردني أن يكون لا عضواً ولا قائداً في أي حزب أو تنظيم غير أردني فقد قيل لخالد مشعل ولإخوانه خلال أكثر من عشرين جلسة حوارية إن عليهم أن يصوبوا أوضاعهم فإما أن يتخلوا طوعاً عن جنسيتهم الأردنية ويبقوا على ما هم عليه وإما أن يتخلوا عن عضوية وقيادة «حماس» الحركة الفلسطينية التي نُجلها ونُقدرها ويلتحقوا بالإخوان المسلمين وبجبهة العمل الإسلامي ليصبحوا قادة فيهما وإلاّ فإن الدولة مضطرة لتطبيق القوانين المتعلقة بهذا الأمر ولذلك ولأنهم رفضوا هذين الخيارين فقد كان لا بد من وضعهم في السجن.
ثم وعندما عرضت دولة قطر الشقيقة استضافتهم وأرسلت طائرة لتأخذهم إلى الدوحة كانت تقل وزير الدولة للشؤون الخارجية أحمد بن عبد الله آل محمود إلتقاهم وزير خارجيتنا عبد الإله الخطيب وخيّرهم بين إما البقاء في السجن انتظاراً للمحاكمة لمخالفتهم القوانين الأردنية وإما التخلي عن عضوية «حماس» وقيادتها والالتحاق بأي حزب أردني يختارونه وإما الخروج طوعاً من الأردن حيث الطائرة القطرية وبها الوزير القطري كانت تنتظرهم في مطار «ماركا» وكان خيارهم هو هذا الخيار الأخير وهذا لا هو خطأ سياسي ولا هو مخالفة للدستور الأردني.
في كل الأحوال نحن الآن أمام مرحلة فلسطينية جديدة تختلف عن تلك المرحلة السابقة ولهذا فإن المفترض أن يدرك خالد مشعل وزملاؤه أن مرحلة «المنافي» قد انتهت وأن النضال الفلسطيني بصيغته الجديدة يقتضي تواجد كل الفصائل والتنظيمات وكل المسؤولين والقادة في الداخل في غزة والضفة الغربية وبخاصة أن المفترض أن «المصالحة» بين «فتح» و«حماس» ستتم في القاهرة خلال أيام ليصبح الجميع في إطار منظمة التحرير التي تعترف بها معظم دول العالم والتي لها سفارة في عمان باسم سفارة دولة فلسطين مثلها مثل كل الدول العربية الشقيقة.