إنه لمن المطلوب حقاً، في جميع الحالات وضع حلول لأزمة النقابات، بما ينهي التضارب الحاد في المفاهيم والرؤى، وبما يضمن حيوية وفاعلية هذه الأجسام المهنية والاجتماعية، وتقيدها بأنظمة مناسبة وليس نقل الأزمة من مناخ إلى آخر.
هذا الانطباع لا بد من الجهر به، ليس لتسجيل موقف ضد أحد أو مع أي طرف، وإنما من أجل التوصل إلى حلول شافية تحظى بأكبر قدر من القبول، وكما هو الحال في التوجه إلى وضع قوانين للانتخاب أو للأحزاب أو حتى للأحوال الشخصية. فهذه القوانين هي بمثابة عقد اجتماعي وميثاق وطني، والانفراد بوضعها من أي طرف في غيبة الأطراف المعنية الأخرى، يمهد السبيل لإدامة الأزمة وإن بمسميات جديدة.
إنه لمن المهم ابتداء إعادة النظر في قوانين النقابات، ومما يزكي هذه الحاجة ويثبتها، إن هذه القوانين السارية أدت إلى نشوء أزمات، وأخرجت النقابات المهنية من «طبيعتها» كمؤسسات اجتماعية ومهنية واقتصادية، وجعلتها رديفاً للأحزاب، ومنبراً للنشاطات السياسية الدائمة، وليس مجرد التفاعل مع قضايا وطنية وقومية، تهم جميع المواطنين بصقتهم كمواطنين، وفق محددات الدستور التي تكفل لهم التعبير. غير أن إعادة النظر هذه تستحق السعي إلى أكبر توافق ممكن، وهي مهمة جليلة تستحق العناء من أجلها.
لقد تم تشكيل لجنة على سبيل المثال، لدراسة وضع النقابات، ووضعت التوصيات اللازمة بمشاركة أطراف معنية، وذات ماضٍ نقابي وخبرة مهنية. ويتساءل المرء إذا كانت توصيات تلك اللجنة المنبثقة عن «هيئة الأردن أولاً» قد أخذت في الاعتبار أم لا.
ويتساءل المرء أيضاً، إذا كانت اللجنة الوزارية التي باشرت مهمة وضع مشروع القانون، تشمل وزارات الصحة والزراعة والعدل والأشغال، وهي الوزارات ذات العلاقة بالنقابات الكبيرة كنقابة المحامين والمهندسين والأطباء والصيادلة، والمهندسين الزراعيين، فضلاً عن ممثلين سابقين وحاليين لنقابات.
إن هناك تكرار حاجة لتعديل القوانين، في ضوء النتائج التي ترتبت على القوانين القديمة، فضلاً عن الحاجة لمراجعة وتطوير القوانين، في كل حقبة زمنية (كل عقد مثلاً) وهو ما يتطلب إبداء الاهتمام الكافي، بمشاركة أطراف العملية والخبراء المختصين، والإفادة من تجارب المجتمعات المتقدمة، وحتى لا تكون مثل هذه الإفادة المتوخاة انتقائية أو موسمية.
لقد اجتهدت الحكومة وهي مشكورة على ذلك، بوضع مشروع القانون الذي ينص بين ما ينص عليه، على اعتماد مبدأ الصوت الواحد وفرض رقابة مالية في بعض الحالات، واختيار رئيس النقابة من هيئة منتخبة. ويتطلب هذا المشروع حواراً حوله لدى عرضه على البرلمان بمجلسيه، بل إن الحاجة تقتضي إجراء هذا الحوار، قبل عرضه على السادة النواب والأعيان، كي يحمل ابتداء قدراً من التوافق حوله. بدل أن يثير خلافات من نوع آخر.