النائب د. هايل ودعان الدعجة

مع زيادة الدفع العالمي باتجاه الديمقراطية الذي اجتاح العالم منذ منتصف الثمانينات، كانت قضية التحول الديمقراطي واحدة من القضايا الكبرى المؤثرة والمحركة لمعظم التحولات والتغيرات المتلاحقة التي شهدها العالم مؤخراً، حيث احتلت هذه القضية اولوية الاهتمام في النظم السياسية العالمية، الامر الذي يجعلنا نسلط الضوء على تعريف مفهوم التحول الديمقراطي وذلك في اتجاهين رئيسيين هما: الاتجاه الاسمي (النظري)، والاتجاه الاجرائي (العملي)، ويقصد بالتعريف الاسمي تعريف المفهوم باستخدام مفاهيم اخرى، بما يؤدي الى توضيحه وتمييزه عن غيره من المفاهيم وذلك من خلال ابراز الخصائص المميزة للمفهوم محل التعريف. وينظر هذا الاتجاه الى التحول الديمقراطي على انه عملية الانتقال من النظم التسلطية الى النظم التعددية، والتخلص من نظم الهيمنة الى صيغ اكثر ديمقراطية في الحكم، والعمل على ايجاد نظام سياسي اجتماعي يقيّم العلاقة بين افراده والدولة، وفق مبدأ المساواة بين المواطنين، ومشاركتهم الحرة في وضع التشريعات التي تنظم الحياة العامة، فهو يجسد التحول من نمط الهيكل التسلطي او الاوتوقراطي للحكم نحو نمط يقر بالتعددية، ويوسع هامش الحرية، ويسعى الى احترام حقوق الانسان، وهو بذلك يعني الانتقال من حكم تسلطي الى حكم غير تسلطي، دون ان يصل بالضرورة الى حد الحكم الديمقراطي، وهناك من يرى بأن التحول الديمقراطي هو عملية التخلص من النظم الاوتوقراطية، والاخذ بالعيش تحت ظروف ديمقراطية تسمح بتأسيس نظام يمكن من خلاله اقامة علاقة بين الحاكم والمحكوم على اسس من الحرية. اما التعريف الاجرائي فيقصد به التعبير عن المفهوم من خلال مجموعة من المؤشرات القابلة للقياس بحيث تستوفي هذه المؤشرات شرطي الصدقية والكفاية. وينظر هذا الاتجاه الى التحول الديمقراطي على انه عملية مستمرة من التفاعلات، ويقصد به تراجع نظم الحكم غير الديمقراطية بكافة اشكالها والوانها، لتحل محلها نظم اخرى ديمقراطية تعتمد على المشاركة في عملية صنع القرار السياسي، وتقوم على المؤسسات السياسية المتمتعة بالشرعية، وتتخذ الانتخابات النزيهة وسيلة لتداول السلطة او الوصول اليها، وذلك كبديل عن الحكم الفردي التسلطي، وانتهاك القوانين والدستور، وان قياس درجة هذا التحول يعتمد توافر تطبيق المؤشرات الاساسية اللازمة لتحقيق الديمقراطية، ومدى تطبيقها. ويعرّف «جوزيف شوسبيتر» الديمقراطية، اجرائياً، بأنها: نظام يتضمن توسيع قاعدة المشاركة في عملية صنع القرار السياسي، والذي يتحقق من خلال الانتخابات التنافسية. وهناك من يرى ان التحول الديمقراطي يرتكز على ثلاثة مبادىء اساسية، يمثل توافرها المعيار الحقيقي لقياس مستوى هذا التحول وهي: مبدأ الحرية التنظيمية والفكرية، كمفهوم اساسي للحياة السياسية، والاجتماعية، ويشمل ذلك حق التنظيم الحزبي، والمعارضة السياسية السلمية، وحرية التعبير، والتعددية السياسية، ومبدأ التداول السلمي للسلطة، طبقاً لقواعد قانونية واجرائية معروفة، ومحددة بما في ذلك حق الاغلبية في تسلم مسؤولية الحكم من خلال الانتخابات العامة الحرة النزيهة والمباشرة، ومنع احتكار السلطة من قبل شخص أو جماعة تحت اي ظرف من الظروف او المبررات، ومبدأ المساواة الذي تجسده الدولة القانونية، والذي يتضمن المساواة وتكافؤ الفرص امام الجميع، ويجعل من القانون الصادر عن السلطة التشريعية المنتخبة، المرجع الرئيس في التعامل بين جميع افراد الشعب فيما بينهم، وفي تعامل الدولة ومؤسساتها معهم. ان تطبيق هذه المبادىء، اضافة الى مبادىء اخرى مثل: احترام حقوق الانسان، وحرية الصحافة، وسيادة القانون، كلها تشكل في مجملها المؤشرات الرئيسة على وجود التحول الديمقراطي. وثمة باحثون يرون ان التحول الديمقراطي - في اي مجتمع - يعتمد على عدد من المعايير الهامة التي تمثل المتطلبات الاساسية لتحقيق التحول الديمقراطي مثل، المشاركة الجماهيرية الواسعة في الحكم عبر آليات الانتخابات الحرة والنزيهة، ومنافسة حقيقية بين المرشحين لتولي وظائف عامة، وحماية الحقوق والحريات السياسية. وبشكل عام، فان الاتجاه الاجرائي يرى انه لا بد من ان تنطلق عملية التحول الديمقراطي من مقدمات بديهية مثل: اقرار حقوق الانسان واحترامها، واصدار التشريعات القانونية التي تحميها، واقرار حرية الرأي والتعبير والتنظيم، وحرية الصحافة، والسماح بالتعددية الحزبية، والتداول السلمي للسلطة، وارساء الركائز الاساسية للديمقراطية.