د.عبدالله الجازي

الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف مناسبة ذات مغزى ديني وإنساني، نستذكر بها عظمة خاتم الأنبياء وحامل رسالة التوحيد، بالقدر ذاته الذي نتتبع فيه الامتداد النبوي وتأثيره في الهاشميين منذ ذلك الزمان إلى الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
مذ ذاك وآل البيت من بني هاشم، خلفاء وملوكا، ينحازون إلى إرثهم التاريخي ويسعون إلى تكريس أولوية التوحيد، بوصفها رسالة النبوة، توحيد الله سبحانه وتعالى، وبما يعنيه ذلك من توحيد أمة الإسلام.
والتوحيد يقتضي بالضرورة نبذ الفرقة والانخراط في البحث عن العوامل الجامعة والموحدة التي من شأنها أن تجعل الأمة الإسلامية أمة متماسكة قوية قادرة على مقاومة كل أشكال التغريب والتخريب لحضارتها وثقافتها الإسلامية والعروبية والتصدي لكل أشكال وسياسات الإلحاق التي تمارس عليها منذ أن ضعفت الأمة بفعل عوامل ذاتية واخرى موضوعية.
وفوق هذا تحمل  رسالة خاتم النبيين والرسل، الرحمة للعالمين، والسماحة والتسامح، كيف لا وقد شهد رب العزة أنه عليه أضل الصلاة والتسليم «على خلق عظيم»، وكذلك آل بيته عليهم السلام جميعا.
ومن حسن طالع هذا البلد ورضا الله سبحانه وتعالى أن قيض لنا عترة الرسول الأعظم عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم، ونبني وإياهم نموذجا الدولة- الأسرة، التي تحكمها علاقات المحبة والألفة والتواد والتراحم، أكثر مما تحكمها علاقة الحاكم بالمحكوم.
فالهاشميون، منذ عهد الرفادة والسقاية، وحتى عهد نبي الرحمة، إلى يومنا هذا، وهم يسطرون أروع المثل في التضحية والإيثار، و»يؤثرون على أنفسهم ولوكانت بهم خصاصة»، هاديهم خطاب رب العزة لجدهم أشرف المرسلين «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك»، ولأنهم لم يكونوا يوما غلاظ القلوب، لم ينفض من حولهم أحد منا، ولن ننفض بإذن الله.
بأي حال، بالقدر الذي تعنينا به حال الأمة، إسلاميا وعربيا، يعنينا على وجه التخصيص حالنا الوطني، ونحن البلد الذي أكرمه العلي القدير بالهاشميين حكاما منذ التأسيس، من عهد الإمارة إلى عهد المملكة.. والأردن كان في صلب المشروع النهضوي الذي أسست له الثورة العربية ليكون رأس الحربة في توحيد الأمة، غير أن هذا المشروع النهضوي جوبه من قوى الاستعمار الحريصة على بقاء التشرذم سمة الأمة لأن مصالحها بكل اشكالها، العسكري والسياسي والثقافي، لا يمكنها أن تدوم بغير الانقسام.
والمولد النبوي الشريف يأتي هذا العام، والأردن كما دول عربية أخرى تعاني من أزمات داخلية كبيرة، مع الفرق الكبير بين حالنا وحال غيرنا، على الأقل في وحدة الرؤية بين المشروع الإصلاحي الذي يحرص جلالة الملك عبد الله الثاني على إنفاذه، وذلك الذي يطالب به الحراك الشعبي.
وحدة الرؤية هذه، بتقديري، هي التي جنبت الأردن المأزق الذي تمر بها دول عربية عدة، وهو الذي جنب الأردن الغرق في مستنقع الدم الذي غرقت فيه دول عربية شقيقة، وهو الذي يؤسس لانتقال الاردن من حال سياسية إلى حال سياسية اكثر أثرا وعمقا في كل المجالات.
صحيح اننا لا زالنا نخطو في مشروع الإصلاح، لكن علينا أن نتفق على أمرين أساسيين، الأول، ان الأصل في الإصلاح أن يقوم على توافق الرؤى والمشاريع التي تقدمها كل الأطراف، بمعنى أن كل القوى الشعبية والرسمية معنية بتفاهمات وتوافقات تنضج حالة الإصلاح لا أن يحاول طرف فرض رؤيته واجندته السياسية على غيره.
والأمر الآخر، أن الإصلاح حالة متدرجة، إذ لا يعقل أن تجري عملية إصلاح في يوم وليلة، فالإصلاح المتسرع يأتي بالأخطاء والخطايا، ويؤدي إلى مخرجات إصلاحية مشوهة تتحول في المستقبل إلى عبء ومستنزف للجهد الوطني الذي يفترض أن يوجهه الإصلاح السليم والعميق لتحقيق نضهة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ذات قيمة.
فجلالة الملك، كما كل ساع للإصلاح، يؤمن أن التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي سمة الدول الحية والمتطورة، وهو لذلك شرّع الباب لتحقيق انتقال جوهري في مسار الإصلاح بتعديلات دستورية مهدت لانتقالات عميقة في شأن المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات، وكذلك إعداد قانون انتخاب وآخر للأحزاب، وكلها ضمن منظومة تشريعية مقبلة ستعيد صياغة واقع الدولة تجذيرا للديمقراطية والمدنية والتعددية.
إن التماهي بين القيادة الهاشمية والأردنيين، تاسست على أخلاقيات وأدبيات، وعلى إيمان الأردنيين بشرعية القيادة الدينية الممتدة في سلالة آل البيت، وعلى شرعية سياسية تأسست منذ الثورة العربية الكبرى.
وتمسك الأردنيين بحكم الهاشميين أمر لا ينفصم ولا يصيبه العطب بفعل هاتين الشرعيتين الأساسيتين، وبفعل القيم التي طبعت حكم آل هاشم منذ التأسيس بأنهم منذورون لخدمة الأمة العربية والإسلامية، وأن العلاقة بينهم وبين الناس تحكمها قيم أخلاقية وإنسانية أكثر من أي شيء آخر، فالحكم وسيلة لا غاية بذاته.
على أساس هذا الفهم المتشكل لديّ، ولدى كل أردني غيور، أرى أن مناسبة المولد النبوي بروحيتها التي لا تضاهى، تستدعي من الجميع وقفة مع الضمير لتقييم واقعنا الوطني والنظر بعمق إلى مآلات الأحداث في الوطن العربي والتفكر في السبل التي من شأنها صون وحدتنا وتمتين جبهتنا الداخلية والحفاظ على نظامنا السياسي والاستمرار في عملية الإصلاح من غير إبطاء أو تأخير.. بتدرج عقلاني ومنطق يوصلنا إلى المبتغى والمراد ويحفظ دولتنا ويرتقي بها.
*نائب سابق