العقبة - حسام الطراونة - تختتم اليوم في العقبة فعاليات ملتقى آلة السمسمية الذي نظمته وزارة الثقافة بالتعاون مع مفوضية الاتحاد الأوروبي ومكتب اليونسكو في الأردن وكان وزير الثقافة الدكتور عادل الطويسي افتتح اول من أمس فعاليات الملتقى الأول بحضور محافظ العقبة سمير مبيضين وعدد كبير من المواطنين والمهتمين .
وقال د. الطويسي في كلمته أن عقد هذا الملتقى يأتي انسجاما مع خطة التنمية التي أقرتها وزارة الثقافة في الأردن للأعوام 2006-2008والتي تتضمن تنمية الصناعات الثقافية والمحافظة على التراث والموروث الثقافي الأردني والإنساني وخاصة غير الملموس منه ،وبين الطويسي أن عقد هذا الملتقى حول هذه الآلة الفريدة والعريقة في التاريخ والتي تعود إلى حوالي الخمسة آلاف سنة وانتشرت في مناطق البحر المتوسط والأحمر وعرفتها حضارات مابين النهريين وحضارة النيل والحضارات العربية والأوروبية يأتي من باب إعادة الاعتبار لهذه الآلة والتي تعول عليها الوزارة في إعادة إحياء وتنمية هذه الآلة التراثية والتي شارفت على الاندثار في بعض المناطق السياحية .
وأشاد الطويسي بجهود الاتحاد الأوروبي ومنظمة اليونسكو في هذا المجال وذلك من خلال مساهمتهم في إيجاد آلية نستطيع من خلالها المحافظة على هذا الإرث الإنساني وتنميته وتطويره دعما لتحقيق التواصل والتلاقي في خدمة شعوب دول حوض المتوسط والبحر الأحمر وشعوب العالم الأخرى. وبين وزير الثقافة أن اختيار العقبة لإقامة هذا الملتقى العالمي الأول يأتي كون العقبة هي موطن آلة السمسمية الأصلي في الأردن ولأن أهلها هم الأقدر والأكفاء على تنميتها وتطويرها فهم أهل صنعتها وخبرائها ،وهم عازفوها المحترفون. وأضاف أن الوزارة وللمحافظة على هذا الموروث الشعبي ستقدم كل العون والدعم الممكن لتنمية هذا التراث وتطويره. وأعلن وزير الثقافة أن سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة قد خصصت قطعة من الأرض لإنشاء مركز العقبة الثقافي الشامل حيث تم طرح عطاء تنفيذه ومن المتوقع المباشرة به مع مطلع الشهر القادم. وألقى رئيس مفوضية الاتحاد الأوروبي في عمان السفير باتريك رينولد  كلمة أكد فيها أن المفوضية الأوروبية ملتزمة بدعمها للأردن لتنفيذ خطط واستراتيجيات الإصلاح النابعة من الداخل حيث تقدم دعمها من خلال مجموعة من النشاطات المختلفة لمساعدة العقبة لتحقيق التطور والنمو بمختلف المجالات وبين السفير أن الاتحاد الأوروبي ساهم بمساعدة المنطقة الخاصة بتسويق السياحة كما دعم إنشاء مختبر أغذية وبيئة وتطوير نظام لمرحلة ما بعد التدقيق مما سيوفر الدعائم الأساسية لتطوير قطاع السياحة . وأشار أن العقبة ستشهد تحولا اقتصاديا شاملا وفي كافة المجالات وبما سيحقق الانسجام والرخاء للجميع، وأضاف أن عقد هذا الملتقى هو إثراء لتراث الثقافي المشترك بمناطق البحر الأبيض المتوسط. وألقت مديرة مكتب اليونسكو في الأردن الدكتورة لينا خميس كلمة أشادت فيها بالملتقى والقائمين عليها وخاصة انه يقام في العقبة موطن آلة السمسمية بما تمثله من ارث وتراث ثقافي .
من جانبه أوضح الفنان صخر حتر أن السمسمية تقف السمسمية شاهدا على حوار الحضارات القديمة وراعيا لحوار الحضارات المعاصرة ، وما هذا الملتقى الا تفاعل ايجابي بناء ، وتبادل ثقافي يقرب بين الشعوب التي تعيش في نفس الكوكب تبحث دائما عن السلام والمحبة. وبين حتر أن السمسمية آلة وترية نقرية تنتشر الآن على سواحل البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط كآلة شعبية ، ومعروفة في كثير من بلدان العالم على أنها من الآلات التقليدية القديمة ، و تعود هذه الآلة الموسيقية في أصولها إلى آلة الكنارة ، حيث أقدم ظهور لها في العالم القديم كان عند السومريين (حوالي 2700 ق م ) ، وكانت تسمى في العصر البابلي (فىث) وانتقلت هذه التسمية إلى اللغات المصرية القديمة والعبرية والآرامية ، وسميت عند العرب باسم كرانة  وقد ورد ذكرها في شعر امرؤ القيس حيث قال : وإن أمسى مكروبا فيا رب قينة منعمة أعملتها بكران
وأشار حتر أن الكلمة القديمة مازالت مستعملة في بعض نواحي الهند إلى يومنا هذا، وفي اللغات الأوروبية تعرف هذه الآلة باسم (ففوىث) وهو تحريف لكلمة كنارة ، وتطور عنها آلة الهارب آشقح  ونجد لها في وقتنا الحاضر أكثر من اسم سواء في الغرب أو في الشرق، ففي أوروبا يطلق عليها حاليا  الهارب القديم «فب مىك » أو  الليرا ف؟ج  أما في الشرق الأوسط حاليا فتعرف بـ السمسمية أو الطنبورة . استوطنت العقبة منذ أقدم العصور ولم يتسن حتى الآن للباحثين معرفة شكل الحياة الموسيقية القديمة لمدينة آيلة أي العقبة التي لابد وأنها كانت مزدهرة. والعقبة الآن بموقعها الفريد تشكل نقطة تلاقي ثقافات مختلفة كما أنها مدينة سياحية مفتوحة على العالم وهي المدينة الأردنية الوحيدة التي تحتكر وجود واستخدام آلة السمسمية وهذا يعطيها أفضلية لاحتضان هذا الملتقى العالمي . وأكد حتر انه لإقامة مثل هذا الملتقى ما يبرره فالمشكلة تكمن في أن آلة السمسمية فقدت الكثير من القها بسبب انصراف الناس إلى الآلات الموسيقية العالمية والاليكترونية وساروا وراء الموسيقى الحديثة وتركوا هذه الآلة وموسيقاها مهددة بالانقراض. من هنا فإن التعريف بهذه الآلة وإحياء فنها ودراستها ومعرفة خصائصها الموسيقية يشكل ضرورة للمساعدة في الحفاظ عليها. وفي اليوم الثاني للملتقى العالمي قدمت مجموعة من أوراق العمل حيث قدم البروفسور د.ابلي كسرواني  رئيس قسم العلوم الموسيقية في جامعة سيدة اللويزة في لبنان ورقة استعرض فيها مصدر آلة السمسمية وأصول وبنية اسمها في السريانية والكلدانية مشيرا الى جذورها وأصولها ثم قدم  جوان بيدرو راميرا من اسبانيا ورقة عمل حول السمسمية . كما قدمت الباحثة السينمائية المصرية (عرب لطفي ) فلما توثيقا حول آلة السمسمية وتطورها وكل ما يتعلق بها . وقدم الدكتور نبيل دراس من جامعة اليرموك ورقة عمل بعنوان آلة السمسمية في الثقافة الموسيقية الأردنية أوضح فيها أن السمسمية واحدة من الأدوات التي تمثل ذلك الأثر المادي الفني في حياة المجتمع البحري الأردني ، والذي ما زال محافظا إلى حد ما على جوهره الموغل في القدم والمستفاد منه في الحياة العملية والاجتماعية والفنية ، حتى أضحى يمثل إصرارا وعنادا لدى الإنسان أمام التقدم التقني المعاصر وتنبع أهمية الدراسة من ضرورة التعريف بتلك الأدوات التي تلعب دورا فنيا في الثقافة الشعبية للمجتمع الأردني، والتي غفلت الدراسات عن توثيقها، أو إعطائها الاهتمام المطلوب. وما هذه الخطوة إلا محطة على طريق التواصل مع توصيات المؤتمرات والندوات المحلية والعربية والعالمية ذات العلاقة بموضوعات الثقافة الفنية لدى شعوب العالم.
من ناحية أخرى، سيكون إبراز الدور الوظيفي لهذه الأداة في حياة المجتمع الأردني وتوثيق حرفية صناعته من الأمور التي قد تقود الى توصيات ومقترحات تفيد المهتمين من موسيقيين وحرفيين في هذا الإطار. إن دراسة الآلات الموسيقية الشعبية في الأردن لا تزال في خطواتها الأولى. وباستثناء بعض المعلومات البسيطة المدونة هنا وهناك لم نستطع الوصول إلا إلى مقالتين في موضوع آلتي الربابة والمهباش. أما بالنسبة لآلة السمسمية فلم يطرح موضوعها إلا في الندوات غير الموثقة. وعلى الرغم من ذلك فقد أسعفتنا دراسة بعنوان  المعزفة في التراث، والتي تحدث الباحث فيها عن بعض المسميات الأخرى لهذه الآلة: المعزفة، الكنارة، القيثارة، الطنبورة، الليرا ...إلخ. حيث تشير الدلائل ان السمسمية قدمت للعقبة من مصر او من الجزيرة العربية ،وفي الواقع يصعب تحديد فترة قدومها ، وتفيد المعلومات التي حصلت عليها من أهالي العقبة والصيادين بشكل عام ومن الباحثين الذين درسوا التراث الشعبي العقباوي، أن السمسمية قد تكون دخلت للعقبة منذ مطلع القرن التاسع عشر - وهو تاريخ إنشاء مدينة العقبة الحديثة - إما عن طريق الصيادين العقباويين الذين اقاموا علاقات صداقة قوية مع الصيادين المصريين والحجازيين أو عن طريق النسب الذي كان يربط أهل العقبة مع المصريين والحجازيين أو عن طريق التجار الذين تبادلوا التجارة في العقبة وخارجها ، ويقال أن أول من ادخل السمسمية الى العقبة عبد الحميد أبو الدوح.
وقد استعملها الصياد والعازف العقباوي في افراحه ومناسباته السعيدة ،كما رافقته في سرحات الصيد في عرض البحر وفي حلقات السمر على الشاطئ . و لكونه يصنعها من المواد المتوفرة لديه لتناسب احتياجاته وبيئته المحلية ، فقد ادخل إليها بعض التعديلات من حيث المواد المستخدمة في صناعتها ، وكذلك الشكل و الحجم وعدد الأوتار .بينما برز في العزف عليها من القدامى كل من: علي الشرقاوي ، عيد الجهني ، سلمان الحجازي . ويقال ان الحاج طلب عباس 1919 -2001 صنع أول سمسمية عقباوية عام 1931 .
وسيتم اليوم( السبت ) عقد لقاء مفتوح للمشاركين بأعمال الملتقى الدولي يله أمسية موسيقية يشارك بها العازف حسين نابلسي من الأردن ومحمد الشناوي من مصر واندرو لوونيغس من بريطانيا وخميس الدردساوي من الأردن
ويشارك في هذا الملتقى عازفون وباحثون وصناع لهذه الآلات من بعض الدول في أوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط و على سواحل البحر الأحمر مثل الأردن ، مصر، اليونان ،اسبانيا، بريطانيا، السعودية ولبنان ويشتر كون في حوار موسيقي وفكري يشكل نقطة الانطلاق في برامج مستقبلية للحفاظ على هذا المنجز الإنساني والحضاري  السمسمية وموسيقاها ويساهم في تطوير نمط الحياة الموسيقية التي يعيشها المشتغلون بهذه الآلة.