يشكّل قطاع التدريب المهني في محافظة الكرك أحد أبرز المسارات العملية لمواجهة البطالة وفتح آفاق جديدة أمام الشباب، في ظل جهود متواصلة تقودها الجهات الحكومية ومؤسسة التدريب المهني لتغيير الثقافة المجتمعية تجاه العمل الحرفي، وتعزيز القبول به كخيار مهني منتج ومستقر.
وأسهمت هذه الجهود في إحداث تحول تدريجي في نظرة الشباب، بمن فيهم حملة الشهادات الأكاديمية، نحو المهن التقنية والحرفية، في وقت تبلغ فيه نسبة البطالة في المحافظة نحو 21.4% وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة لعام 2024، ما يعزز أهمية هذا القطاع كأداة فاعلة للحد من البطالة.
قصص نجاح… من التدريب إلى الإنتاج
تزخر الكرك بنماذج ملهمة لخريجي معاهد التدريب المهني، الذين نجحوا في تحويل المهارات المكتسبة إلى مشاريع إنتاجية أو فرص عمل في القطاع الخاص. وتشير التقديرات إلى أن نسب التشغيل بين الخريجين، خصوصًا في المشاريع المنزلية، تقترب من 50%.
وتروي سمر الذنيبات، صاحبة مشروع منزلي في التطريز والمشغولات اليدوية، رحلتها التي بدأت عام 2017 بشكل محدود، قبل أن تتوقف خلال جائحة كورونا، ما دفعها لتطوير مهاراتها عبر الالتحاق بدورات تدريبية في معهد تدريب إناث الكرك.
وتقول إن هذه الدورات في تشكيل القش وصناعة الإكسسوارات والخياطة مكنتها من توسيع إنتاجها والمشاركة في الأسواق التراثية، إضافة إلى التسويق الإلكتروني بمساعدة ابنتها، لتصل منتجاتها اليوم إلى داخل وخارج الأردن.
من جانبها، تشير تمارة الرهايفة إلى أنها اضطرت لترك عملها في التمريض بعد الزواج، قبل أن تعود إلى سوق العمل عبر مشروع حضانة منزلية، بعد حصولها على تدريب متخصص لمدة 700 ساعة في معهد التدريب، ما مكنها من إنشاء مشروع مرخص يوفر دخلاً مستقراً لأسرتها.
تحديات قائمة… التمويل ومواءمة البرامج
رغم هذه النجاحات، يواجه القطاع تحديات متعددة، أبرزها عدم مواءمة بعض البرامج التدريبية لاحتياجات السوق، واستمرار الطابع التقليدي لبعض المساقات، إلى جانب ضعف التمويل الذي يحول دون قدرة أصحاب المهارات على إطلاق مشاريعهم الخاصة، في ظل صعوبة توفير الضمانات المطلوبة للحصول على التمويل.
ويؤكد مختصون ضرورة إجراء مراجعات دورية للبرامج التدريبية، ووضع خطط استراتيجية تربط مخرجات التدريب باحتياجات السوق، إلى جانب توفير حوافز مالية تدعم المشاريع الصغيرة وتسهم في ازدهارها.
قراءة أكاديمة: نافذة لامتصاص البطالة
وقال المختص في دراسات قيم العمل استاذ علم الاجتماع في جامعة مؤته الدكتور حسين محادين ان وجود مؤسسات التدريب المهني والتقني والمراكز الانتاجية التي تؤمن بالعمل المرن وعن بعد ، كلها نوافذ من شانها ان تمتص جزء من البطالة للراغبين بذلك ، لافتا إلى وجود تحولات اولية ولو مرحليا نحو العمل في المهن في ظل ارتفاع نسب البطالة والفقر.
ويشير إلى أن العديد من المستفيدين من برامج التدريب لا يترجمون مهاراتهم إلى مشاريع فعلية، ما يفسر استمرار الاعتماد على العمالة الوافدة في بعض المهن، مؤكداً أهمية متابعة الخريجين بعد التدريب لضمان اندماجهم في سوق العمل
كما لفت إلى أن ضعف الجانب التطبيقي في بعض المناهج، سواء في المعاهد أو الجامعات، يحد من فرص التشغيل، في ظل تراجع دور القطاع الحكومي كمشغّل رئيسي، مقابل تنامي دور القطاع الخاص والمنظمات الدولية مما يقتضي ان تكون مهارات الخريج ذات طابع مزدوج نظري وتطبيقي
تطوير البرامج وربطها بسوق العمل
من جهتها، أكدت مديرة معهد تدريب مهني إناث الكرك، المهندسة شيرين البطوش، أن المعهد يعمل وفق رؤية استراتيجية تتسق مع رؤية التحديث الاقتصادي تقوم على ربط البرامج التدريبية باحتياجات السوق والتطورات التكنولوجية. وأوضحت أن المعهد، الذي تأسس عام 1994، ويعد واحدا من بين أربعة معاهد أخرى تابعة لمؤسسة يضم حالياً 7 مشاغل تدريبية حديثة، تشمل تخصصات نوعية مثل الباريستا، والتصنيع الرقمي، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وبناء الروبوت، إلى جانب برامج مستحدثة كـ"مساعد طاهٍ» و"مساعد شبكات سيسكو» وتعلم اللغة الألمانية" بالاضافة الىجانب التخصصات المعتمد سابقا"التجميل ،الخياطة ،صناعة الحلويات والمعجنات ،الحرف اليدوية ،تأهيل مربيات حضانات الاطفال ،الحاسوب ،صيانة الاجهزة الخلوية ،مدخل بيانات".
واشارت الى ان الطاقة الاستيعابية التدريبية السنوية للمعهد تصل الى (112) متدرب ومتدربة ،لكن يتم استقبال اعداد تفوق هذا الرقم ،مبينة أن المعهد درّب خلال العام الماضي نحو 492 متدربًا، فيما استقبل منذ بداية العام الحالي 164 متدربًا، مع تقديم حوافز تشمل بدل مواصلات وشهادات معتمدة لمزاولة المهنة ، إضافة إلى إعفاءات لفئات محددة..
وكشفت عن مشروع لإنشاء أكاديمية تدريب متخصصة في الكرك، بالتعاون مع شركة البوتاس العربية، بهدف تأهيل الشباب في محافظات الجنوب ورفع جاهزيتهم لسوق العمل محلياً وإقليمياً حيث تم استملاك مبنى في منطقة زحوم سيصار قريبا إلى تجهيزه لهذه الغاية
ولفتت لى أن خريجي المعهد يحققون نسب تشغيل مرتفعة في سوق العمل حيث تمكن العديد من خريجات وخريجي المركز، بمن فيهم حملة الشهادات الجامعية، من تأسيس مشاريعهم الخاصة الناجحة التي أثبتت جدواها واستدامتها، في ظل متابعة مستمرة للخريجين وتعزيز تشبيكهم مع مؤسسات القطاع الخاص، بما يسهم في إدماجهم الفاعل في سوق العمل وتمكينهم من بناء مسارات مهنية منتجة ومستقرة
تشبيك وتشغيل… فرص تتزايد
بدوره، أكد مدير عمل الكرك، حمد الفتينات، أن الإقبال على العمل المهني شهد ارتفاعًا ملحوظًا، مدفوعًا بالظروف الاقتصادية، مشيراً إلى أن المديرية وفرت أكثر من 1200 فرصة عمل خلال الفترة الماضية، مع توقع توفير عدد مماثل قريبًا، مشيرا الى جهود وزارة العمل لتوفير فرص العمل للشباب المهنيين من خلال تشبيكهم مع القطاع الخاص والشركات الوطنية الكبرى العاملة في المحافظة
واضاف ان المديرية وفرت خلال العام الماضي والمدة المنقضية من العام الحالي اكثر من (1200) فرصة عمل لابناء المحافظة وفي مهن حرفية وبالانتظار توفير قرابة (1200) فرص عمل اخر خلال الفترة المقبلة في حين استفاد (2800) شخص وبكافة التخصصات المهنية من مشروع البرنامج الوطني للتشغيل منذ انطلاقته قبل عدة اعوام ، مع استمرار التنسيق مع مؤسسة التدريب المهني لتشبيك الخريجين مع سوق العمل عبر منصة «تسجيل»، إلى جانب التعاون مع الشركات لتحديد احتياجاتها من العمالة المدربة.
ويمضي التدريب المهني في الكرك بثبات نحو ترسيخ دوره كأحد أهم الحلول الواقعية لمواجهة البطالة، مدعوماً بقصص نجاح حقيقية وتوجهات استراتيجية نحو التحديث والتشبيك مع سوق العمل.
غير أن تحقيق الأثر المنشود يتطلب مزيداً من التكامل بين التدريب والتمويل والتشغيل، لضمان تحويل المهارات إلى فرص اقتصادية مستدامة تعزز الإنتاج وتدفع بعجلة التنمية في المحافظة