هذه المفارقة تقودنا إلى مفهوم يتكرر كثيراً في السنوات الأخيرة، وهو مصطلح "الاقتصاد التشاركي"، والذي غالباً ما يرتبط في الأذهان بالتطبيقات الذكية، كخدمات النقل أو تأجير المنازل، لكن هذا النمط من الاستخدام الشائع لا يعكس الصورة الكاملة الممكنة من تطبيقاته، فجوهر هذا المصطلح أعمق من كونه ظاهرة تقنية، إذ يقوم على فكرة بسيطة، وهي إعادة تنظيم استخدام الموارد بحيث لا تبقى مرتبطة بالملكية الفردية فقط، بل تصبح متاحة للاستخدام المشترك عند الحاجة.
ومن هنا، يصبح من الممكن النظر إلى التحديات الاقتصادية في الأردن من زاوية مختلفة، فالمسألة لا تتعلق دائماً بنقص الموارد، بقدر ما ترتبط بكيفية توزيعها واستغلالها، فهناك قدرات قائمة في قطاعات متعددة، لكنها تعمل بشكل متفرق أو دون الاستفادة الكاملة من خيارات وفرص استخدامها، ففي الزراعة تحد الحيازات الصغيرة من الكفاءة، وفي الطاقة تبقى مساحات واسعة وأسقف المباني دون استثمار للإمكانيات المتاحة، وفي الصناعة تتوفر بنية تحتية مهمة، لكنها لا تُستخدم إلا ضمن نطاق محدود.
هذا النمط ليس فريداً، وقد واجهته دول أخرى بطرق مختلفة، حيث اتجهت إلى نماذج تقوم على المشاركة في استخدام الموارد، ففي القطاع الزراعي، على سبيل المثال، يتشارك المزارعون المعدات وأنظمة الري، مما يقلل التكاليف ويرفع الإنتاجية، وفي قطاع الطاقة ظهرت مشاريع تعتمد على الاستثمار الجماعي في الطاقة الشمسية، حيث يتحول الإنتاج إلى نشاط مشترك، وفي الحالتين، لم يكن الحل في زيادة الموارد، بل في تحسين وتطوير طرق تنظيمها واستخدامها.
انطلاقاً من ذلك، يبرز تساؤل مهم حول إمكانية تطبيق هذا النهج داخل المناطق الصناعية المؤهلة والمناطق التنموية في الأردن، فهذه المناطق أُنشئت لتكون محركات للإنتاج وجذب الاستثمار، وحققت نتائج مهمة، لكنها بقيت ضمن نموذج تقليدي يقوم على استقلال كل منشأة بمواردها، وهو ما حدّ من قدرة المشاريع الصغيرة على الدخول إليها، وترك جزءاً من إمكانياتها دون استغلال كامل.
إعادة التفكير في هذه المناطق من منظور الاقتصاد التشاركي تفتح مجالاً مختلفاً، فبدلاً من أن تبقى مساحات مغلقة على مصانع محددة، يمكن أن تتحول إلى بيئة إنتاج أكثر مرونة، تتيح استخدام المعدات وخطوط الإنتاج والخدمات اللوجستية بشكل مشترك وجزئي أو مؤقت، ما يمنح رواد الأعمال فرصة الدخول إلى منظومة الإنتاج دون الحاجة إلى تحمل كلفة الملكية الكاملة، وهذا لا يلغي دور المصانع بصورتها الفردية، بل يوسع دائرة الاستفادة منها.
غير أن الانتقال إلى هذا النموذج لا يعتمد على البنية التحتية وحدها، بل يرتبط أيضاً بطريقة التفكير، فالكثيرون ما زالوا يربطون النجاح بالملكية الكاملة، بينما يُنظر إلى المشاركة أحياناً على أنها خيار أقل استقراراً، كما أن التردد يزداد عندما يتعلق الأمر باستخدام أصول لها قيمة أو مصدر دخل، وفي المقابل، تبدأ هذه القناعات بالتغير عندما تصبح التجارب الناجحة مرئية، وعندما يشعر الأفراد بأن النظام واضح وعادل.
ولهذا، فإن نجاح هذا النموذج يرتبط بكيفية تنظيمه وتقديمه، فكلما كانت آليات الوصول بسيطة، والأسعار واضحة، والقواعد مفهومة، تراجعت حالة التردد، كما أن وجود ضمانات أساسية يعزز الثقة، ويبقى عرض النماذج الناجحة عاملاً مهماً في ترسيخ الفكرة، فالسلوك يتشكل تدريجياً عندما يرى الناس أن المشاركة أصبحت خياراً عملياً وممكناً.
وفي سياق الاقتصاد الأردني، ينسجم هذا التوجه مع الواقع القائم، حيث لا تتوفر دائماً رؤوس أموال كبيرة، لكن في المقابل تتوفر طاقات بشرية وأفكار قابلة للنمو، وإتاحة الوصول إلى الموارد القائمة يمكن أن تفتح المجال أمام أشكال جديدة من الإنتاج دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة، كما يمكن أن تسهم في ربط المشاريع الصغيرة بالاقتصاد المنظم بشكل تدريجي.
ومن هنا، قد لا يكون السؤال الأهم حول مستقبل المناطق الصناعية هو عدد المصانع التي تستقطبها، بل من عدد الأفراد الذين تتيح لهم فرصة الإنتاج، فكلما اتسعت دائرة المشاركة، زادت قدرة هذه المناطق على أن تكون أكثر حيوية وشمولاً.
في النهاية، لا تكمن فكرة الاقتصاد التشاركي في المشاركة بحد ذاتها، بل في إعادة النظر فيما نملكه أصلاً، فالكثير من القيمة موجودة بالفعل، لكنها تحتاج إلى تنظيم أفضل، وفي بلد تتعدد فيه التحديات وتكبر فيه الطموحات، قد تكون القدرة على استخدام ما لدينا بشكل أكثر كفاءة واحدة من أهم مفاتيح بناء اقتصاد أكثر مرونة وعدالة.