من خلف مقود السرفيس - حيث الحياة أقصر من محطة وأعمق من طريق.
الساعة الثامنة صباحاً.
خمسة مقاعد. أربعة ركاب. وسائق يحفظ خارطة الوجوه قبل أن يحفظ خارطة الشوارع.
في سيارة السرفيس التي تشق زحام عمّان - لا تجد ركاباً فحسب. تجد برلماناً صغيراً لا يحتاج خطابات. فقط نظرات متبادلة وتنهيدات تعب يواسي بعضها بعضاً بصمت.
يجلس خلف المقود منذ عقود.
يده تآلفت مع ناقل الحركة حتى صارت جزءاً منه. وعيناه تراقبان الطريق عبر المرآة - عينا رجل رأى من القصص ما لم تحويه الكتب.
في يوم من الأيام - ونحن ننتظر انفراج الزحام عند إشارة مكتظة - سألته:
"ألا تملّ من هذا الطريق الذي تعيده مئة مرة في اليوم؟"
ابتسم. وعدّل السبحة المعلقة أمامه. ونظر إليّ بنظرة من جرب الحياة وعركها.
وقال:
"يا خوي - الطريق مش زفت وحجر. الطريق ناس. كل ركبة جديدة هي حكاية جديدة."
وقفت عند هذه الجملة طويلاً.
لأنها تحمل ما أنفقت عليه الإنسانية آلاف السنين من البحث والتفكير.
منذ فجر الحضارة - والإنسان يسأل: ما معنى ما نفعله؟ هل التكرار يُفقد الحياة معناها؟
وكانت إجابة أعمق العقول وأرهف الأرواح عبر التاريخ كله واحدة:
المعنى لا يكمن في الطريق - بل في من تلتقيهم عليه.
الإنسان الذي يرى في كل وجه أمامه حكاية - لا يتعب أبداً. لأنه لا يعيش التكرار. يعيش لقاءً جديداً في كل مرة.
وهذا بالضبط ما يفعله هذا الرجل كل يوم - بلا أن يعرف أنه يفعله.
في السرفيس تتعلم ما لا تتعلمه في أي مكان آخر.
ترى الشاب يفسح مكانه للمرأة الكبيرة بصمت. وترى من يدفع الأجرة عن غريب لأن فكّته لم تكتمل _ دون أن ينتظر شكراً. وترى العامل المتعب يحمل همّه في كيس بلاستيكي صغير - ويبتسم حين يُسأل عن حاله.
هنا - في هذه الأمتار الأربعة - تظهر حقيقة هذا الشعب.
الصبر عند الزحام. والشهامة التي تسبق الحاجة. والرضا الذي يسكن العيون المتعبة رغم قسوة المشوار.
هذا السائق ليس مجرد سائق.
هو يعرف من غاب من ركابه الدائمين. ويسأل عن المريض. ويواسي المهموم بجملة عابرة قد تغير مجرى يوم كامل.
لأنه يعرف شيئاً لا يعرفه كثيرون:
الحياة - تماماً مثل خط السرفيس - لها بداية ونهاية ومحطات إجبارية. والمحظوظ من يترك خلفه مقعداً دافئاً بكلمة طيبة.
أنا لا أكتب عنكم. أنا أكتب منكم.
"ما زلت أبدأ كل يوم كما لو أنه أول يوم لي"من مقعد خلفي في سرفيس عمّان-
حيث الطريق ليس زفتاً وحجراً - بل ناس