في ظل تصاعد النقاش الدولي حول دور شركات التكنولوجيا الكبرى في مناطق النزاعات، تبرز تحقيقات وتقارير إعلامية متقاطعة تتناول شركة «ميتا»، المالكة لمنصات «فيسبوك وإنستغرام» و"ثريدز»، وسط اتهامات تتعلق بآليات إدارة المحتوى والإعلانات، وانعكاساتها على السردية الرقمية والتمويل المرتبط بالسياق الإسرائيلي–الفلسطيني.
وتشير هذه التحقيقات، المستندة إلى ما نشرته صحف دولية مثل «الغارديان» و«واشنطن بوست» و«هآرتس»، إضافة إلى تقارير مؤسسات بحثية وإعلامية عربية، إلى جدل متصاعد حول طبيعة المحتوى الإعلاني والسياسي على منصات الشركة، ومدى التزامها بسياسات الاستخدام في مناطق النزاع.
وتُعد «ميتا» إحدى أكبر شركات التكنولوجيا عالميًا، إذ تدير مجموعة من أبرز منصات التواصل الاجتماعي، وتعتمد في نموذجها الاقتصادي بشكل أساسي على الإعلانات الرقمية التي تحقق لها إيرادات ضخمة سنويًا، وتمنحها تأثيرًا واسعًا على تدفق المعلومات وتشكيل الرأي العام عالميًا.
وتشير بعض التقارير إلى أن هذا النفوذ يثير تساؤلات بشأن حيادية إدارة المحتوى، خصوصًا في سياقات الصراع، حيث تتهم المنصات أحيانًا بإتاحة محتوى إعلاني مرتبط بمشاريع استيطانية أو حملات دعم عسكري، مقابل قيود مشددة على محتوى أطراف أخرى، وهو ما تنفيه الشركة عادة مؤكدة التزامها بسياسات واضحة تتعلق بالمحتوى السياسي والعنيف.
وفي هذا السياق، تناولت تقارير إعلامية حالات لإعلانات مدفوعة مرتبطة بمشاريع استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب حملات لجمع تبرعات أو دعم لجهات عسكرية، الأمر الذي أثار نقاشًا قانونيًا وأخلاقيًا حول حدود مسؤولية المنصات الرقمية، خاصة في ما يتعلق بتطبيق القوانين الدولية وحقوق الإنسان.
وأشارت تقارير أخرى إلى استخدام منصات التواصل الاجتماعي في حملات سياسية وإعلامية، بعضها عبر مؤثرين أو جهات منظمة، ما يسلط الضوء على دور الإعلانات الموجهة في التأثير على الرأي العام ضمن بيئات سياسية شديدة الحساسية.
في المقابل، وثقت منظمات بحثية عربية ودولية وجود تفاوت في سياسات تحقيق الدخل من المحتوى، حيث تشير إلى أن بعض صناع المحتوى في مناطق النزاع يواجهون قيودًا أكبر مقارنة بآخرين، ما يفتح نقاشًا أوسع حول العدالة الرقمية وتكافؤ الفرص داخل منظومات المنصات العالمية.
ويستند هذا الجدل إلى أطر قانونية دولية تتعلق بمسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان في سياقات النزاع، وفق مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية، إضافة إلى اتفاقيات القانون الدولي الإنساني التي تنظم قضايا الاحتلال والاستيطان، والتي تشكل خلفية للنقاش حول دور الفاعلين غير الدوليين في هذه البيئات.
وبينما تتباين وجهات النظر حول هذه الاتهامات والتفسيرات، يبقى النقاش مفتوحًا بشأن مدى قدرة الأطر التنظيمية الحالية على ضبط نفوذ الشركات التكنولوجية الكبرى، وحدود مسؤوليتها في منع إساءة استخدام منصاتها أو توجيهها لأغراض سياسية أو عسكرية.
وفي ظل هذا التعقيد، يظل السؤال المطروح على نطاق واسع: هل تستطيع المنظومة الدولية مواكبة النفوذ المتنامي للشركات الرقمية العملاقة، أم أن هذه الشركات باتت تمتلك تأثيرًا يتجاوز الأطر التقليدية للمساءلة والرقابة؟