»المئذنة البيضاء« ليعرب العيسى.. حكايات عن العالم البشع

تاريخ النشر : السبت 12:00 7-8-2021
No Image
570

في رواية «المئذنة البيضاء» للروائي السوري يعرب العيسى، هناك خيطٌ رفيع جداً يجعلكَ تواصلُ القراءة دون أنْ تشعرَ بالعالَم حولك، لأنّك ببساطة اندمجتَ وعالم مايك الشرقي الذي استطاع الكاتب بأسلوبٍ أقرب للسِّحر أنْ يربطكَ بحبل حكاياته لتجدَ نفسكَ مندمجاً بالعمل، حتّى إنّ مشاعرك تتشتّتُ بين التعاطُف واللاتسامح، ومحاولة استيعاب ما يحدثُ مِن قذاراتِ عالَمٍ سُفلي وسِخ، تتوحّد فيه كلّ بشاعاتِ الحياة لتُشكّل عالماً آخر قائماً بذاته، له قواعده وشُروطه.

نعم، هكذا هي «المئذنة البيضاء» (منشورات المتوسط، ميلانو/ إيطاليا، 2021)، التّي لا يُمكن أن تُصنّف ضِمن نوع معيّن مِن الروايات، لأنّها تنطوي على حكاياتٍ مُختلفة ومتعدّدة، إذ إن مفهومَ الرواية أشملُ وأكبرُ من أنْ يُحصر في قالبٍ ما، بل هو قادرٌ على استيعاب أيّ شيءٍ، حتّى ما لا يُمكن للواقع أنْ يستوعبه، وأعتقدُ أنّ الواقعَ الآن صار أكثر غرابةٍ من الروايات، لذا فالأعمال الأدبية ليستْ مجبرةً على نقلِ الواقع كما هو، وإلا لمَا أصبح لفنِّ الرواية أيّ قيمة. يقول نابكوف: «‏أنْ يُقال عن قصّة ما إنّها حقيقية لَهُوَ إها?ة للفنِّ وللحقيقة في الوقت نفسه..

ويجب ألّا تنحاز الرواية للخيال، فمُهمّتها أنْ توسّع نظرَتنا للحياة، وتُزعزع قناعاتنا، وما كان يبدو لنا من المُسلّمات. و«المئذنة البيضاء» هي رواية الإنسان الذي رأى في آخر المطاف أنّه «أحسن استثمارَ ثمن روحه، بعدما باعها في أول الأمر للشيطان روحاً محمولة في عقل نشط».

إنها رواية مايك الشرقي، غريب الحصو، الشيخ غريب، الفتى القادم من القاع، الذي كان على حدّ تعبير الكاتب «يحملُ عيباً أصليّاً»، إنه «عامل سوري».. هذا الفتى الذي «أدرك بغريزة آكلِ الجيّف الأصيل أنّ الحصولَ على الفريسة لن يكون بالانقضاض، بل، بالترصد». فكان «المطيع، الصامت، الذي لا يرفض، ولا يتذمّر ولا يُثرثر، ولا يطمح، ولا يطمع»، حتّى وهبَتْه الحياة ما تجاوز قُدرة أحلامه على الاستيعاب، وأصبحتْ لديه أحلامٌ لم يكن يعتقد أنّه سيتجرأ على التفكير بها، بعدما تجاوز عتبَة الحِرمان «بفطرته كـمحروم أزلي»، إذ أصبح شخصاً آخ? يُحسَب له ألف حساب، أرادَ أنْ يخلقَ في الحياة عالماً موازياً فيه كلّ شيءٍ قابلٍ للنقاش على طاولة المال، حتى الغيبيات، بينما يبدو أنّ الكاتبَ حاولَ الوصول إلى نقطة تلاقي الخير والشر في الإنسان، وكيفَ يمكن للإنسان الذي يحملُ كلّ بذرات الشرّ أنْ يحملَ بذرة خير، وما ينتجُ عن ذلك من صراعٍ يتشكّل في شخصية واحدة، نجحتْ بشكلٍ قذر، في أنْ تصنع لها اسماً كبيراً في عالمِ المال والمُجون، هناك حيثُ رجال المال بكلّ رُتبهم وأصنافهم يُمارسون كلّ قذارات الكون دون أنْ يكون للقذارة حدود رادعة.

إذْ صنعَ «يعرب العيسى» عالَماً منحَ فيه الرذيلة مطلقَ الحُرية في أن تظهر بكلّ صُورها الموجودة في الحياة، تتخفّى حول تسميات راقية ومناصب سامية: «مفتاح الرُّقي الذي يُخفي بداخله فجوراً أغلى سِعراً». حتّى الخير جعله مطلقاً، وبين هذا وذاك استطاع أن يغرسَ في الشر جُزءاً خيراً، وذلك من خلال علاقة مايك وعايدة ورفقة التي تبنّاها، في صفقة مربحة يمكن أن يقايضَ بها كي يُهَرِّبَ ما تبَقّى من خيرٍ داخله ويقيس بها تيرمومتر إنسانيته، أو لربّما لم يكن مايك بالشرِّ الذي نتصوره، بل المجتمع والظروف التي يعيش فيها الإنسان هي ?لتي تصنع منه خِلاف ما يريد، فهو إنسان هشٌّ محطّم، لم يُشَفَ من ماضيه، كحادثة المِمحاة (الطفل الذي بلا مِمحاة)، وبشاعة تصرُّفات الأم التي تفتّتتْ صورتها كأي شيء بحياته على حدّ وصفه، عندما سمِع وفاتها بحادثة تفتّتَ فيها كلّ جسدها.

لكن كلّ هذا لم يصنع ثيمة الرواية أو موضوعها العام وحده، بل تجاوزت «المئذنة البيضاء» في كونها عملاً كتبه روائي ومبتغاه أن يذهبَ بخياله إلى نقطة يصبح فيها الخيال شيئاً قابلاً للتفاوض فيه، لكن واقعية الأحداث ذهبت بـ «يعرب العيسى» في هذه الرواية لأن يكتبَ روايةً شديدة الدّقة مِن حيث التفاصيل التي تتقاطع والواقع، وكأنّه تحقيق استقصائي، روايةٌ مِن صلبِ الخيال، لكنّها الابنة غير الشرعية للواقع.

«المئذنة البيضاء» هي الصندوق الأسود الذي يصِلُنا بعالَمٍ آخر، فيه بشرٌ يعيشون في أعلى مراتبِ المُجون والفِسق والعُهر الجسدي والأخلاقي: «خلال الأشهر التالية حملَ (غريب الحصو) أطناناً مِن المناشفِ وأغطية الأسِرّة وزُجاجات الكحول وصناديق الخضار وأفخاذ العُجول، غيّر أماكن عشرات الطاولات مئات المَرّات، حملَ فتيات مُغمى عليهن مِن السُّكْر أو مِن سادية الزبون».

وتعبّر الرواية عن عالَمٍ بشِع تصبح فيه الرذيلة وِجهة نظر تؤسِّس لقواعد ونظريات هي الأخرى: «خلال خمس سنوات مِن العمل في عُمق هذه المِهنة، والتتلمُذ على يدِ مزيج بارع مكوّن من الشيخ قسام، ومن بوح عاهرات شعرنَ بالطمأنينة، مِن قراءة الكتب والأفلام، ومن بِضعة ملايين مُخبّأة في مكان آمن، صارتْ لمايك الشرقي نظرية، وامتلكَ المخبَر الذي يتيح له إثباتها».

"المئذنة البيضاء» لا تُخاطب الراهن أو تُجاريه، بل قالتْ ما يجب على الأدب الجيد قوله. وكما يقول أحدهم: «أنا أكتب، ليس لأروي قصة، ولكن لكي أؤلّف قصة».

أن تروي الواقع بكلّ حذافيره ليس معناه أنّك روائيّ جيد، الرواية أمرٌ آخر تماماً، لا يمكن أنْ تنحصرَ في قضيّة ما، وهذا ما بدا في شخصية مايك الشرقي، إذ انطلقَ من بيئة وصراعات منطقة الشرق الأوسط التي عبّر عنها الكاتب من خلال العمل، بمعنى لم تكن هي وحدها مَن صنعتْ مايك، بل هي جزءٌ ممّا تريد قوله هذه الشخصية التي تحملُ الكثير مِن الأبعاد، والتي تتجاوز الراهن العربي لتُعبّر عن الإنسان الذي بدأ من حيث لم يسقط (حادثة الممحاة، أو الطفل الذي بلا ممحاة)، شخصيّة رغم كلّ ما حصلتْ عليه إلا أنّ لها فلسفتها في الحياة، تلكَ?الفلسفةُ التي تظهر في حديثه عن العاهرة العجوز وسواها، وتلك الطريقة التي كان يحاولُ بها التعامل مع الآخرين.

إذن، مايك لم يكن فقط توصيفاً لتلك الشخصية المنهزمة المحطّمة، بل شخصٌ يبحث عن نفسه، فعودته إلى دمشق لم تكن للتصالح وماضيه، ولكن بحثاً عن نفسه، رغم أنه لم يهب الغفران لأمّه ولم يندم على ممارسة الرذيلة مع أخته غير الشقيقة، طبعاً لم يكن يعرف أنها كذلك، فهذا بسبب انتقام أمّه التي جسّدت كلّ معاني الشرّ.

ورغم كل تلك الفداحات والرذائل التي كان يشرفُ عليها مايك منذ وطِئتْ أقدامه بيروت، إلا أنّ القارئ ربّما سيتعاطَف معه، لكن لن يتعاطف مع تلك الظروف ولا مع مَن وقفَ معه.

لقد صوّر الكاتب لنا أفكاراً أبعد مِن مايك نفسه، أي كيف يصطفّ العلم والمنصب والعلاقات الكبيرة إلى صفّ المال، وكيف يُمكن أن ينزلَ رصيدُ القيم عندما تصعدُ قيمة الدولار. وهذا هو أهمّ مفصلٍ وضعت الرواية يدها عليه، بينما مايك في الأخير ترك كل ذلك لأنّه صارَ يبحث عمّا يتجاوز فكرة المال والخلود بالحياة، فهو رغم كل الرذائل التي قام بها «لم يكن قاتلاً، وكان يثقُ بكلام عايدة» كما جاء في الرواية.

هذه الشخصية، رغم سوداويتها وسوداوية ما ترويه بشكلٍ ساخر، تحمل بصيص نورٍ للأدب العربي ولفن الرواية بشكلٍ عام، فالكلمة يمكنُ أن تكون سلاحاً ضدّ هشاشة الحياة، يقول مايك: «هذه حربُ كلمات، الكلمة هُنا تعني دَماً بشريّاً حقيقيّاً».

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }