كتب - أحمد الطراونة
هل يعيد مهرجان الأغنية الحضور للأغنية الأردنية؟ وهل يمتلك هذا المهرجان القدرة على خلق حالة إبداعية تعطي فرصة لظهور المواهب الشابة والأصوات المهمة، وتكشف عن شعراء وملحنين يحملون هَمّ الأغنية وتطويرها بعيدا عن فكرة التنافس بحد ذاتها؟
أسئلة مشروعة على عتبة المهرجان في هذه الدورة، والتي جاءت مثقلة بحمل الشرط الصحي والبروتوكولات التي تحد من الحضور والمشاركة الفاعلة للجمهور الذي عادة ما يكون صاحب القرار في الفرز إضافة إلى اللجان الفنية المعنية.
على عتبة الوقت ينتظر مشروع الاحتفال بمئوية الدولة الأردنية الحديثة، وما يزال البحث جارياً لاستعادة الأغنية التي كانت تحمل هويتها، بعد أن تخلّت الدولة نفسها ومعها أهل الفن عن هذه الأغنية تحت ذرائع واهية، ليتسع الفراغ وتشيع الفوضى السمعية ويسود تجار الأغنية وأشباه المطربين والشعراء، ويختلط الغث بالسمين، وتصبح تنقية المشهد وتخليصه من هذا الغثاء عملية في غاية الصعوبة، ومهمة صعبة أخرى أمام هذا المهرجان.
هذا التراجع الذي أصاب الأغنيةَ أردنيةَ اللون والهوية، جزء من تدهور الحالة الإبداعية الجمعية والتي انحصرت بالمنجز الفردي، كما أنه مؤشر على التردي الذي أصاب الهيئات المعنية بالمشهد الجامع، فكانت الأغنية إحدى ضحايا هذا المشهد عندما تواطأت عليها مؤسساتٌ في طليعتها الإذاعاتُ التي أسهمت في إنتاج «البائس» وترويجه على أنه «وطني»، في ظل غيابٍ مُدَوٍّ للرقابة المؤسسية والمنهجية النقدية.
عبءٌ ثقيل أُلقي على كاهل الوطن جراء ما تقوم به إذاعات «الكسب السريع» وما يقترفه «مطربو الأعراس» و«شعراء الصدفة». وحتى نتخلّص من هذا الوضع لا بد من خلق حالة مؤسسية تعيدنا إلى أصول الوعي بالأغنية وأهدافها المجتمعية، فهل ستسهم مؤسسة مهرجان الأغنية والموسيقى الأردني التي بدأت عجلة إنتاجها، في الكشف عما نبحث عنه؟
يقول المدير التنفيذي لمهرجان الأغنية والموسيقى الأردني 2020، أيمن سماوي، إن عودة المهرجان ستشكل نقلة نوعية في المشهد الثقافي والفني، خاصة إن هناك حالة من التنوع في المشاركة تتضمن ثلاثة حقول هي: مسابقة الأغنية الأردنية المتكاملة، ومسابقة العزف المنفرد على آلة العود، ودعم المشاريع الموسيقية. الأمر الذي يؤكد أهمية المهرجان وما سيقدمه من نماذج في كل حقل، ويعزز المنافسة بين المتقدمين، ويقدم جيلا من الفنانين الذين يمتلكون الموهبة في ظل الشروط الفنية التي وضعتها اللجنة العليا واللجان الفنية الخاصة بالتقييم وفقا للتخصصات.
وكانت $ قرعت الجرسَ في أحد أهم الملفات الثقافية التي نشرتها، ونبّهت إلى خطورة ما يجري من تدميرٍ للفن الوطني والأغنية الوطنية، وأكدت أن التغيير لا يكون إلا بقرار جريء وجهد نوعي يتجسّد في إيقاف الدعم الذي تقدمه المؤسسات لـ«الغثاء» الصوتي وللأوبريتات المسماة عنوةً «وطنية» وهي مفرَغة في حقيقة الأمر منها، والتوجّه إلى الرزين والوطني الذي يحمل القيم الفنية السامية ويصعد بالذائقة الوطنية من هذا الركام الذي شاع وأثر كثيرا.
وهنا يكشف سماوي، أن لجنة المشاريع برئاسة الموسيقي صبحي الشرقاوي ستكشف من خلال ما قُدم من مشاريع عن أهمها، وسيكون هنالك دعم لها، وستتمثل هذه المشاريع بالحوارات الفنية أو مشاريع الفرق وغيرها، في حين ستقيّم لجنة العزف المنفرد برئاسة الفنان صخر حتر المتقدمين بمشاريعهم الفنية، وستقيّم لجنة الأغنية المتكاملة برئاسة د.محمد واصف المشاريع المتقدمة للأغنية المتكاملة.
في البال تاريخٌ مشعّ من الإبداع سطرته الأغنية المحلية رغم سطوة الأغاني المصرية واللبنانية والعراقية والخليجية، وفي الوجدان أسماء أصيلة سيّجت فضاءنا الأردني ودافعت عنه بصوتها الذهبي الذي ما نزال نستحضره في ظل غيابٍ موحش لإبداع الكلمة واللحن والصوت، فهل سنسمع ونرى خلال هذا المهرجان طاقات جديدة تسهم في التقليل من ضوضاء الصوت التي نشرتها الإذاعات الربحية؟ هذا ما اقترحته $ في ملف قبل شهور عن الأغنية الوطنية، إذ إن اجتراح الحلول الآنية، على غرار منْح منتِج ذي خبرة أو شاعر قدير أو مطرب مبدع، الفرصة لإنتاج عمل وطني، لا يحلّ المشكلة جذرياً، فالمطلوب مؤتمر يتمخض عنه مشروع وطني للأغنية تقدمه وزارة الثقافة وأذرعها الفاعلة ومعها المعنيون بهذا الفعل، وأن تتوفر الإرادة السياسية والموازنة اللازمة لإعادة الاعتبار لموروثنا الذي سلبه «التجّار»، ونعيد إحياء تراثنا الغنائي بأدوات جديدة دون المساس بروح الأغنية وهويتها وأن ننفض عنه الغبار الذي علق به.
ما كشف عنه سماوي لـ $ يأتي في السياق نفسه، إذ أشار إلى أن هنالك حفلاً للافتتاح وآخر ختامياً في المركز الثقافي الملكي وضمن الشروط الفنية والصحية التي ستخضع لها المسابقة، إضافة إلى انه سيكون هنالك 10 جلسات نقدية بمواضيع فنية وموسيقية، سيشارك فيها عدد من النقاد الموسيقيين، وسيصار إلى افتتاح معرض لصور الرواد من عازفي العود في الأردن والعالم العربي، ومعرض للرواد الأغنية الأردنية، فهل ستعمل الندوات النقدية مشرطها في الزوائد والأمراض التي أصابت جسد المشهد الإبداعي الأردني في الأغنية تحديدا؟
اللجنة العليا للمهرجان برئاسة الأمين العام لوزارة الثقافة هزاع البراري، وتضم المدير التنفيذي للمهرجان أيمن سماوي، ونقيب الفنانين حسين الخطيب، ود.رولا جرادات، ود.رينه حتر، والموسيقي طلال أبو الراغب، ود.صبحي الشرقاوي، ود.محمد واصف. وهي أسماء لها باع في الفعل الإبداعي على الساحة الأردنية، وهي نفسها التي أقرت شروط التقدم للمسابقة بعد أن اقترحت حقولها، فهي التي ستتحمل مسؤولية المنتَج الذي سيخرج بعد هذه التظاهرة التي ينتظرها الكثيرون ليقولوا كلمتهم.
ووُزعت جوائز المهرجان الذي تقام فعالياته خلال الفترة 25-29 تشرين الأول 2020 في المركز الثقافي الملكي كما يلي: حقل الأغنية الأردنية المتكاملة الجائزة الأولى: 10 آلاف دينار، الجائزة الثانية: 7 آلاف دينار، الجائزة الثالثة: 5 آلاف دينار. حقل المشاريع الموسيقية: دعم 6 مشاريع بمبلغ 7 آلاف دينار للمشروع الواحد. حقل العزف المنفرد: جائزة واحدة لصاحب المركز الأول بمبلغ ألفي دينار.
وأعلنت اللجنة العليا للمهرجان أن فعاليات المهرجان ستصوَّر تلفزيونياً وتسجَّل صوتيا في جميع مراحلها، وتكون حقوق البث والنشر حصريا للمهرجان (وزارة الثقافة). وسيتوفر للمتسابقين المرافقة الإيقاعية الاحترافية في المرحلة الثانية.