لبيك يا فلسطين لبيك يا قدس، اللهم ضم رفاتي الى تراب قدس الاقداس، لانها جزء من ذاتي يوم ولدت ويوم موتي، وقفت على اسواركِ العتيقة متحديا كل القوات الغازية والمستعمرة، وابليت فيهم شر عذاب، حتى استسلموا اذلاء صاغرين، لايماني انكِ يا فلسطين الجريحة ويا قدس والمسجد الأقصى فيك سيبقى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ولن تكوني يوما ملاذا لاي يهودي.
ولدت في عام (1918م) وتوفيت عام (1973م) عن عمر يناهز الـ(55) ربيعا في اربد الشهباء، انا قائد معركة القدس عام (1948م)، انا من نظر الغرب واليهود اليّ برهبة وخوف وقلق، انا من رفض الهدنة مع اليهود بالقدس، انا من فكر واستلهم رؤية زرقاء اليمامة، انا من حذر اعطاء فرصة نجاة لليهود بفلسطين، انا من مُلئت صحافة الغرب والعرب بصور بطولاته، انا من اضطر لمغادرة ارض فلسطين مُرغما، انا الملحمة وانا التاريخ وانا الشهيد، انا القائد الاردني عبدالله يوسف التل، قائد الجيوش العربية وقائد جبهة القدس المحتلة وحامل الرقم العسكري (14?).
لن احكي عن بطولاتي ولا عن ابطال الكتيبة السادسة الاردنية في القدس، لاننا كتبنا بدم الشهيد الاحمر القاني المخضب بتراب اقدس الاماكن، واقعا دك عصابات اليهود واحياءهم بالقدس بنيران الله المستعرة التي مرغت وجوههم بالتراب حتى توسلوا نادمين، لاننا كنا مؤمنين ان النصر قريب وان اليهود سيغادرون مهزومين مدحورين دون رجعة، ولكن قلب الاوراق في ليل مدلهم وتدخل السياسة بالحرب، فرضت الهدنة المشؤومة التي اضاعت الفرصة التاريخية بالخلاص من اليهود.
ويضيف القائد التل في مؤلفاته عن فلسطين، انه وقف على السور فوق باب العامود في بلدة القدس القديمة، ونادى باعلى صوته لمن تبقى من جنود كتيبته الابطال، «لست آمركم عسكرياً بالقتال، من أراد منكم الفوز بإحدى الحسنيين فهنيئاً له قدس الأقداس، ومن اراد منكم العودة لأهله فليعد الآن، فبعد هذه اللحظة «اما نصر او شهادة»، عندها انزل ابطال الكتيبة سخط الله على اليهود، وقطعوا عنهم الشراب والطعام، فاصبح اليهود يستصرخون الانجليز ومن يحالفهم لفك اسرهم، بعد ان عرضت عليهم وثيقة الاستسلام فاقروها.
ولخص «البروفيسور الإسرائيلي رونين يتسحق» المتخصص بقضايا الشرق الأوسط والأكاديمي بجامعة تل أبيب، تجربة القائد الاردني في كتابه بعنوان «عبد الله التل ضابط الجيش العربي»، يقول فيه «قليلون هم الضباط العرب الذين نالوا إعجاب اليهود، وربما كان الجنرال عبدالله التل هو الوحيد»، وهذا ما نُقل عن القائد التل ايضا في توصيف ذاته بقوله «إيماني مبني على تجارب عسكرية عشتها، وحقائق تاريخيّة لمستها ووعيتها»، الى جانب انه كان مفكرا وكاتبا، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط باربد ثم اكمل دراسته بمدرسة السلط الثانوية التي تخرج?فيها عام (1937م) واكمل دراسة الماجستير في الاداب من القاهرة عام (1965م).
وها هي معركة القدس عام (1948م) تضرب اوزارها، يستبسل القائد التل ورفاقه الابطال فيها، مسطرين نصرا مُظفرا اقترن اسمه بقائد معركة القدس، حينها كان حاكماً عسكرياً للقدس، ويُعد من الضباط الأردنيين الذين دافعوا عن ثرى القدس بشجاعة واقتدار، لا سيما انه منذ ان التحق بالجيش العربي برتبة ملازم عام (1942م) في القدس تم ترفيعه اربع مرات بستة اعوام تقديرا لشجاعته وحنكته في مواجهة الاعداء الغاصبين من مستعمرين ويهود.
وتشير مؤلفات القائد التل التي حملت عناوين لفلسطين والقدس، حبه غير المحدود لفلسطين والقدس والتي لولا انهم اضطروه لمغادرتها وظيفيا، لما خرج منها بشهادة وصيته التي طلب فيها بدفنه بالقدس بعد تحريرها، وهذه امانة للاجيال اللاحقة، ومن هذه المؤلفات الثمينة رحلة إلى بريطانيا» و«فلسطين وبعث القوميّة العربيّة» و«كارثة فلسطين» و«خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحية» و«مذكرات عبد الله التل قائد معركة القدس».
ووصف محاربون قدامى ما زالوا على قيد الحياة منهم مساعد قائد الكتيبة الرابعة بالقدس انذاك الضابط محمد عمر سعيد العبدالنبي، القائد عبدالله التل بالمجاهد الكبير الذي نذر حياته للدفاع عن القدس وفلسطين، حيث تمكن مع ابطاله رغم محدودية السلاح والمال من قهر ودك حصون اليهود بالقدس واقلق مضاجعهم رُغما عن المستعمر ومن والاهم، وكان في كل موقعة اشتباك يُسطر ملحمة بطولية يصعب وصفها بقدرته على مواجهة الاعداء وتدميرهم باقل الخسائر البشرية والمعدات، فكنا نرى فيه ملهما ومنقذا للقدس لولا كيد الكائدين.
ويقول البروفيسور الإسرائيلي بجامعة تل أبيب «يائيل زايزر»، إن قصة وحياة القائد المجاهد عبد الله التل جميلة وظاهرة، تصلح أن تكون واحدة من الروايات العالمية المثيرة أو فيلمًا ملحميًا طويلاً لما تحمله من احداث خالدة.
وتؤكد وثائق تاريخية، ان اهل القدس لا تغيب عن ذاكرتهم اسم وصورة قائد مثل عبدالله التل الذي كان نموذجا يُحتذى في الذود والدفاع عن القدس واهلها، امام غطرسة الانجليز واليهود والغرب، وان الاجيال لا زالت تحكي بطولاته وقدراته وحنكته العسكرية، وتمكنه من فرض وثيقة الاستسلام على اليهود، لكن المقدسيين يتوقفون عند اصعب اللحظات التي عاشها القائد البطل عند اعلان الهدنة الذي كان من اشد المعارضين لها، وكان ايضا من اشد المعارضين لقيام دولة لليهود بفلسطين مهما كانت الاغراءات والتدخلات والضغوط.