عمان - أحمد الطراونة

تتواصل مساء اليوم على مسارح المركز الثقافي الملكي، عروض مهرجان الأردن المسرحي في دورته 26، حيث تعرض في السادسة مساء مسرحية «ملحمة السراب» من الأردن، ومسرحية «الحادثة» من مصر، فيما عرضت أمس مسرحية «مؤامرة شكسبيرية» من السودان.

وكانت عرضت مساء أمس المسرحية الأردنية «الكفالة» للمخرج د.مخلد الزيودي، ومسرحية «الأخر» للمخرج حسين نافعة.

قدم المحرج نافعة مسرحية «الآخر» لميجيل دي أونامونو، بمساعدة إخلاص العتوم، متكئا على الفلسفة والتحليل النفسي، والتحليل النفسي المَرَضيّ، العمل الذي يسرد من خلاله الثنائية والفهم الواسع لها.

العمل الذي شاركت فيه الفنانة أريج دبابنة بدور الأخر، وانجي لكود، بدور لاورا، وداميانا، تتجلى فيها فكرة الآخر فيه من خلال عمل «لاكان»؛ حيث تبدو كمكان رمزي وموقع تتشكل فيه الذات حيث يقول المخرج إن الأخر هي رحلة البحث عن الحقيقة وازدواجية الذات الإنسانية وانقساماتها، والتمزق الداخلي الذي تعاني منه أثناء بحثها عن الحقيقة، فإشكالية الأنا والأخر وانقطاع جسور التفاهم بينهما مما يولد فعل العنف والقتل.

«الكفالة».. صرخة عالية

قبل أكثر من عشرين عاما قدم المخرج العراقي الراحل سامي عبد الحميد مسرحية «الكفالة» فكانت صرخة عالية في وجه السائد الذي صنعته السلطة، محاولا كسر القيود والتحرر.

وبعد عشرين عاما يعود د.مخلد الزيودي ليقدم لنا لحظة وعي موجعة أزالت الغطاء عن دمامل الخوف والتردد في طرح الواقع كما هو بعيدا عن التجميل أو الانزواء وراء السراب، فيعلّق جرس إنذار خفي في دواخلنا تجاه قميص الفساد الواسع والشفاف الملقى على وجه خشبة مسرح الحياة.

النص الذي كتبه عبدالكريم السوداني وأخرجه د.مخلد الزيودي وأعدّه وصمم السينوغرافيا والموسيقى له الفنان المبدع نصر الزعبي، وقدمه الممثلين: بكر الزعبي وراتب عبيدات، يتعالق فيه رقم العشرين، ليكون المفتاح الذي يفتق شبك العنكبوت الضعيف للدخول إلى ما يريد إيصاله الزيودي والزعبي وفي توظيف بديع يرسم على الخشبة المتخيلة واقعية جارحة تستند إلى نزف بطيء وشفاف للقيم والأخلاق والموروث على مساحة الوطن العربي بمجمله.

«من زمان في دكاكين القرى كانوا يبيعون لنا الأشياء»، تسللت من عمق المسرح على لسان راو يمتلك خيوط الألم، ليعيد قراءة واقع تكرّس على مدار عشرين عاما هي فترة سجن «سعيد» الذي يقرر سجانه إخلاء سبيله بعد أن يصدر حكم براءته، ليبدأ الصراع مع القيم الجديدة والتحديات الأخلاقية والسلطوية التي فرضها غيابه عن الواقع، الواقع الذي أباح لسجانه أن يدخله القفص من غير ذنب.

يصرخ الزيودي بكامل وعيه على لسان «سعيد» حينما يقول: «حتى الملابس تغيرت، فهل يمكن أن يتمدد القماش كما تتمدد القضايا في المحاكم» في نقد صريح لسجنه من غير ذنب، فيبدأ بلبس بنطلونه فيجده قد توسع كثيرا في إحالة واضحة لتغير كل شيء حتى الملابس، لتنثال ذاكرته ويعيد تدوير قصته قبل وإثناء وبعد السجن، من خلال الحوارات العميقة التي أعدت لتحيلنا على لحظة معاشة مع السجّان الراوي.

«دار الكرام اللي تعطي بلا منّة»، هي الدار التي تخفّى فيه الأخ عن أخيه حتى لا يكفله، وهي الدار التي سرق فيها المثقف الكتب وأصبح بعد ذلك برجوازيا، وهي الدار التي غدر فيها الصديق صديقه، وهي الدار التي خانت فيها الحبيبة حبيبها، كل هذا خلال وجوده هناك، في السجن، مغيّبا عن ذاته وهي تتشظّى لتكون حطاما يحاول إعادة ترتيبها لكنه يفشل.

«قالَ الراعي وهوَ يَعدُ إناثَ البرية: الشجرةُ أنثى..الشبابةُ أنثى..عينُ الماءِ، الزهرةُ، والدربُ إلى المَرعى..وَالشمس..لا يوجَدُ ذَكرٌ في البَريةِ باستثناءِ التيس»، دلالة تحيلنا إلى حبل المسرحية السري، فتنفذ إلى ذكورتنا وقدرتنا على إعادة التوازن للأشياء، فالميزان في البرية يميل إلى الأنوثة بكل ارتياح، ليطلق المخرج صرخته الأخيرة: «قوموا اطلعوا ع الدرج، والدرج عالي».

يمكن القول أن المسرحية التي قدمت على شكل لوحات تداخل فيها الزمن وتعددت فيها الشخوص، قدم فيها الزيودي ربطا واضحا بين الأحداث مما أسهم في تطوير مساراتها لتصل إلى نهاية مرسومة وهدف واضح امسك به الزيودي منذ اللحظة الأولى، ساعده في ذلك قدرات الممثلين وحضورهم البارع وانتقالهم من لوحة إلى أخرى ببساطة وقدرة على تجسيد الفعل نفسيا وبدنيا.

الزعبي قدم دور الراوي أو ضمير المجتمع المحرك للقصة ولم يغفل دور السينوغرافيا رغم بساطتها، فقصدية عدم إظهار ملامح السجن تحيلنا إلى لحظة الراهن لنرى أن المسرح هو السجن الكبير الذي اختفت فيه جميع ملامح الحياة، ومن خلال موسيقى هي الأخرى ترسم بدلالاتها وكلمات الأغاني المرافقة لها رقعة أخرى ومكان أخر للسجن غير هذا الذي يتكرّس في ذهن السجين.

في نهاية العرض دار نقاش موسع حول العمل قدم فيه د.عجاج سليم من سوريا ورقة نقدية ناقشت العديد من تفاصيل العمل، وذلك خلال الندوة التي أدارها الفنان علي عليان وقدم فيها الزيودي ردا على العديد من الملاحظات.