من كتاب «الأردن في العصور الحجرية» للدكتور زيدان كفافي والصادر عن منشورات لجنة تاريخ الاردن نقرأ ما يلي:

أ. العمارة المدنية:

سكن الناس في الأردن خلال الألف الرابع قبل الميلاد داخل بيوت ذات مخططات وأشكال مختلفة:

1- البيوت المستطيلة:

عُثر على مثل هذه البيوت في مواقع تليلات الغسول وابو حامد في غور الأردن، وفي موقع جبل سرطبة الذي يبعد حوالي 2كم الى الشرق من موقع طبقة فحل، ففي موقع تليلات الغسول كشفت الحفريات عن عدد من البيوت التي تراوحت أبعادها ما بين 5م طولا و 5م عرضا.

وقد بُنيت هذه الجدران من اللبن الطيني الذي وُضع مباشرة فوق سطح الارض وذلك بعد تمهيدها، وكان لها خندق تأسيسي في بعض الأحيان.. وفي الحالة الاخيرة كان يُوضع صف او صفان من الحجارة استعملت كأساسات بنيت فوقها الجدران من اللبن الطيني.. أما سقوفها فكانت مكونة من طبقة الطين الموضوعة على طبقة من أعواد القصب.. في حين أن أرضياتها كانت من الطين المرصوص او مقصورة.. ووجدت أمام البيوت ساحات استعملت لممارسة النشاطات اليومية من طبخ وحرق، ويدل على ذلك المخلفات الأثرية من طوابين وحُفر خزين التي عُثر عليها فيها.

وما يُقال عن تليلات الغسول من ناحية عمائرية يمكن تطبيقه على موقع «أبو حامد» إذ تم الكشف عن عدد من المباني المستطيلة الشكل، والتي لبعضها أساسات حجرية، بينما وضعت الجدران الطينية في الحالات الأخرى مباشرة فوق سطح الأرض، مع إضافة صف أو صفين من الحجارة الصغيرة عند أسفل الصف السفلي من اللبن الطيني, وذلك تحسباُ من تسرب مياه الأمطار.. أما في حالات أخرى فقد حفر أيضا خندق تأسيسي وضعت داخله صفوف من الحجارة التی استعملت كأساسيات.

ومن الجدير بالذكر أنه قد تم الكشف في موقعي تليلات الغسول وأبي حامد عن عدد من الملامح المعمارية المبنية من الحجارة ذات شكل دائري.. يتراوح قطر الواحد منها بين المتر والمترين، ولها حُفر في وسطها، وجاءت مرتبطة مع البيوت المستطيلة الشكل على الأغلب. وقد ذكر (هنسي) هذه الملامح بأن لها ارتباطا بعملية الدباغة.

2- البيوت ذات الجدار المنحني:

عُثر على هذا النوع من البيوت في الأردن في موقع تليلات الغسول، إضافة لمواقع أخرى في فلسطين مثل موقع (الشيخ ميصر)، ويكون البيت بشكل مستطيل، لكن أحد جدرانه القصيرة مبني بشكلٍ منحنٍ.. وجاء البيت الوحيد الذي عثر عليه من هذا الطراز في موقع تليلات الغسول مبنيا من اللبن الطيني.

ومن المعروف أن أصول هذا الطراز من البيوت مستمدة من العصر الحجري الحديث المتأخر الأول، إذ عُثر عليه في مواقع تعود للنصف الثاني من الألف السادس قبل الميلاد مثل عين غزال في الأردن، وجبيل في لبنان، وأصبح هذا الطراز شائعا خلال مرحلة العصر البرونزي القديم الأول.

3- الكهوف:

لجأ الإنسان في بعض فترات الألف الرابع قبل الميلاد في كل من فلسطين والأردن الى الكهوف واتخد منها مساكن له. ومن المواقع التي عثر فيها على مثل هذه المساكن سحاب في الأردن، وتل الفارعة الشمالية وتل المتسلم في سهل مرج ابن عامر وتل عراد ووادي محرس في جنوبي فلسطين.

وجاءت هذه الكهوف في بعض الأحيان مصاحبة لعدد من البيوت المبنية من الحجارة كما هو الحال في موقع سحاب، وكانت أرضيتها مقصورة، وكان يتصل بالكهف جدار من الحجارة بني أمام المدخل.. ويبدو أن هذه البيوت قد استعملت لعدة فترات متقطعة، ويُستدل على هذا من الأرضيات المتعاقبة داخل الكهف الواحد.

ب- العمارة الدينية :

بالرغم من الانتشار الواسع لمواقع العصر الحجري النحاسي في الأردن، الا أن المباني التي يمكن وصفها بأنها عامة، أو دينية كانت قليلة جداً، ولم يُعثر إلا على مبنى واحد من هذا القبيل في موقع تليلات الغسول؛ الذي يُعد أكبر هذه المواقع، إذ بلغت مساحته هكتارا.

وجاء هذا المبنى مستطيل الشكل ومشابهاً في شكله للمعبد الذي عُثر عليه في موقع عین جدي إلى الغرب من البحر الميت في فلسطين.

وقد تم تأريخ معبد تليلات الغسول بحوالی 3700 ق.م وذلك اعتماداً على تأریخ كربون مشع تم الحصول عليه بعد تحليل أحد أجزاء عمود خشبي استعمل لتسقيف المبنى.

ويتكون معبد عين جدي من ساحة كبيرة يتصل بها من جهتها الشمالية بناء آخر يُعتقد أنه شكل البناء الأساسي للمعبد.. ولهذا المبني مدخل في جداره الطويل الذي يفتح على الساحة الكبيرة، ويؤدي هذا المدخل الى قاعة المبنى حيث بنيت مصطبة ترتفع عن مستوى الأرضية ملاصقة للجدار الشمالي التي ربما استعملت مذبحا.

أما في طرف الساحة الشرقي فقد تم إضافة بناء أصغر من البناء الرئيسي. ولبناء المعبد الكامل مدخلان يؤديان إلى الساحة التي يوجد في وسطها حوض ماء، الأول في الجهة الجنوبية، والثاني في الجهة الشمالية الشرقية.

ومع أن مواقع العصر الحجري النحاسي الأخرى في الأردن لم يعثر فيها على مبانٍ يمكن القول إنها دينية، الا أنه قد تم التعرف على بعض الملتقطات الأثرية ذات الصبغة الدينية.

ومنها: القواعد البازلتية المزخرفة في نهايتها العلوية بأشكال منحوقة نحتاً بارزاً التي عُثر عليها في بداية الأمر في منطقة الجولان، ثم في بلدة سال من العصر الحجري النحاسي، والزيرقون من العصر البرونزي القديم.

وكلا الموقعين يقعان على بعد يتراوح بین كم الی الشمال الشرقي من مدينة اربد.

كذلك تشير بعض الدمى الأدمية، خاصة المصنوعة منها على شكل أداة الفيولين الموسيقية (Violin) والدمى الحيوانية على شكل ثور، والرسومات الجدارية التي عثر عليها في موقع تليلات الغسول، وبعض الأواني الفخارية مثل المباخر والأقماع، تشير الى ممارسة نوع من الطقوس الدينية في العصر الحجري النحاسي في الأردن.