في كلمته التي افتتح بها حفل انطلاق مهرجان الخالدية للشعر الشعبي والنبطي في دورته الثانية والعشرين، أعاد مدير شؤون المحافظات في وزارة الثقافة الناقد الأديب الدكتور سالم الدهام الجبور، الحضور إلى الكلمات الراقية الأصيلة والمعبّرة التي ألقاها مندوباً عن وزير الثقافة، مؤكّداً الشعر مفردةً مهمّة من مفردات الثقافة الأردنية، ولا سيما الشعر النبطي، الذي هو ماؤها وعصبها ولحمها الحي، ففيه حفظ أجدادنا عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم الخالدة ورائحة جلودهم، وهو ثقافتهم التي حفظت نكهتهم وجمعت من المشتركات والقيم والأخلاق ما حفظ نسيج هذا المجتمع في هذا المعترك الحار والبراكين الثائرة حولنا في الشرق والغرب.
وعبّر الدكتور الدهام عن حاجتنا الماسّة لأن نعيد بوح البوادي من الشعر والسّمر والمحبة، فينشأ ناشئ الفتيان فينا على المروءة والشرف والرجولة والمجد.
ولفت الدهام إلى أنّ الثقافة ليست ترفاً أو إضاعةً للوقت أو تزجيةً له، أو هي للتسلية؛ فمن خلالها تبنى الشخصيّة الوطنية الأردنية، تلك الشخصيّة الجامعة المتميّزة والمؤمنة بوطنها وقيادتها وشعبها حتى إذا ما دعا داعي الوطن للبناء والنهوض في ساحات الحرب والسلم كان لدى الأردنيين من المكتسبات ما يستشهدون من أجله، ويدافعون عنه.
كما أكّد الدكتور الدهام ثبات المشروع الثقافي الأردني ورسوخه، خصوصاً وهو المشروع الذي قامت على أساسه الدولة الأردنية صاحبة المشروعية الدينية، مشروعية الثورة العربية الكبرى، حيث ظلّ هو المشروع الجامع للأردنيين من شتى منابتهم وأصولهم وتفاصيلهم في هذه الفسيفساء الجميلة، فهو سرّ الأمن والأمان لمن يسأل عن هذه البيئة الأردنية الآمنة والمستقرة.
وتحدث الدهام عن الأردن، ومساءات الفرح المتجدد في المهرجانات، في وطن التعايش والود والسلام والوئام، الوطن الذي خصّه الله بأهلنا الطيبين، الذين ينصرون الوافد ويفكّون العاني ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، الوطن الذي خصّه الله بقيادة جمعت بين المهاجرين والأنصار تحت عباءة محمّدية على أساس الدين والعروبة والمواطنة الصالحة التي أساسها العدل والمساواة والحياة الفضلى، وهي الشعارات ذاتها التي انطلقت من أجلها ثورة العرب الكبرى على يد مفجرها الشريف الحسين بن علي مطلق رصاصتها الأولى، الذي ترقد روحه الطاهرة بسلام في جوار الأقصى، وإلى جواره شهيد الأقصى الملك عبدالله الأول ابن الحسين، وبينهما طريقٌ طويل من العشق والتضحية نفياً واغتراباً وشهادة.
وفي الحفل، الذي حضره مدير قضاء الخالدية، ورئيس المركز الأمني، والشيخ الدكتور محمد فلاح العطين، ومدير ثقافة المفرق فيصل السرحان، وعاقل الخوالدة مدير ثقافة إربد، ألقى رئيس بلدية الخالدية فرج العزازمة كلمة المجتمع المحلي، التي أكد فيها على أهميّة الفرحة في الأردن أرض الرباط والنصر والظفر بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، متحدثاً عن مهرجان الخالدية الذي يجيء بين فرحتين عظيمتين، هما عيد الأضحى المبارك وذكرى الهجرة النبوية الشريفة، وأعرب العزازمة عن تقديره الكبير للقائمين على المهرجان وللشعراء المشاركين، باعتبارهم يضخّون دماء الثقافة والفكر والأخلاق والقيم لتعزيز هذا المجتمع المتحاب بجميع أطيافه السكانيّة، داعياً الجميع لإعلاء شأن الثقافة باعتبارها نوراً يحيا به مجتمعنا العزيز المترابط. ودعا العزازمة إلى زيادة الاهتمام والدعم لمهرجان الخالديّة لما له من أثر ثقافي على مجتمعه المحلي وسمعة طيبة للحضور والضيوف والمشاركين.
وأدّت الشاعرة والإعلامية آية الحراحشة قصائد حيّة في ثنايا تقديمها للشعراء وفقرات الحفل، وهي قصائد كانت تنمّ عن سرعة بديهة واستجابة ذكية لمواضيع الشعراء المطروقة، حيث ألقت الحراحشة مقطوعات عذبة ووطنية تميّزت بخبرة الشاعرة وغنى معجمها اللفظي وقوّة أشعارها، فلم تكن محايدةً في القراءات بل كانت جزءاً منها ومتماهيةً مع الشعراء بشعر لحظي ومن ذاكرتها، حاز على إعجاب الجمهور.
وفي قصيدته الترحيبية، حيّا الشاعر محمد إبراهيم الخالدي القيادة الهاشمية، معتزاً بالفرح الأردني والوطن الذي يعمل الجميع لأجله في سبيل عزّته ومنعته ومجده، وتآلف كلّ أبنائه في وحدة مجتمعية فريدة تشكل نموذجاً عالياً في سماء الوطن، واعتز الخالدي بجميع العشائر الأردنية والأطياف السكانية التي تعمل جميعاً في هذا الحمى الأردنيّ الهاشميّ الأصيل، مؤكّداً وقوف الجميع صفاً واحداً أمام كلّ الأفكار الدخيلة التي ترجو النيل من الوطن، وحملت قصائد الخالدي لوحات قوية وأصيلة في تمجيد الأردن وتأكيد دوره العظيم في وطنه العربي الكبير.
وفي أشعار أمسية الافتتاح، أبدعت الشاعرة العراقية شذى آل معمّر، في قصائد امتازت بقوّة اللهجة وجمال التشبيه واستعارة معاني الفخر والحنين والمدح، حيث قدّمت آل معمّر لجلالة الملك عبدالله الثاني قصيدة تفاعل معها الجمهور، لاشتغال الشاعرة على اللون العراقي المميز، حيث عبّرت عن تقدير العراق واحترامه لجلالة الملك الهاشمي عبدالله الثاني، بوصفه قمراً لكلّ العرب ومبدداً لظلّمة الأمّة. كما قدّمت الشاعرة آل معمّر بغداد الجريحة صاحبة الكبرياء والعزّة وأمّ الشهداء والمجد، بعبارات موشّاة بصور آسرة وحزينة، خصوصاً وهي شاعرة ذات حضور في بلدها ولها سطوتها الشعريّة وأمسياتها المميزة، باعتبارها شاعرة محترفة في اللون الشعبي في العراق.
وقدّم الشاعر الجنوبي شوكت البطوش قصائد معبّرة عن رحلته ورفيقه الشعر إلى الشمال الأردنيّ والخالديّة، ومناداة برق الشمال له، واصفاً الدلال والنار المشبوبة ولوحات الجمال في المفرق، مستدعياً جيوش الشعر، ليمتدح الأردن والقيادة الهاشمية المظفرة، بقصائد أصيلة وغنية بالصور والتماثيل، كما راوح الشاعر البطوش ببعض قصائد النقد الاجتماعي والحوار مع المجتمع والذّات.
الشاعر الشاب سيف جديتاوي ألقى قصائد عذبة وجميلة أكّد فيها قيمة الوطن والعلم الأردني مفصلاً بالعلاقة الحميمة بينه وبين المكان الأردني في كلّ تضاريسه وجغرافيته، وامتازت قصائد الشاعر جديتاوي بسرعة الموسيقى والتفصيل الذكي بالتضحيات لأجل الأردن، وهو ما يبشر بموهبة شعرية قادمة للشاعر الذي جمع محافظات الوطن بأسلوب غنائي محببٍ وشفيف.
واعتمد الشاعر العراقي عمر البياتي في قصائده على الصورة القويّة واللون العراقي الذي يحتمل التعبير فيه أكثر من معنى، حيث أدّى هذا الشاعر بأسلوب مميز، وصنع سجالاً بين الزمن والدهر بتقنيات حواريّة وإسقاطات ذكيّة، علاوةً على ما تميّز به البياتي من حضور على المنصّة في استحضار بغداد، واعتزاز الشاعر بنفسه في أبيات متدفقة بالاشتغالات العذبة، التي حضرت فيها الشمس والصديق والموت والنار والطمأنينة، وغيرها الكثير من قاموس الشاعر الذي امتدح جلالة الملك عبدالله الثاني والأردن بقصيدة قويّة ومعبّرة وذات صور مميزة.
وألقى الشاعر فهد خليفة الشمري قصيدة أصيلة ضمّنها حبّه للأردن والملك بعدد الحروف الأبجدية، بارعاً في وصف الشوق بصور من البادية الأردنية وحضورها الغني والمميز.
مسك الختام كان مع الشاعر الكويتي القدير صالح المطيري الذي ألقى قصائد مفعمة بالعاطفة والدموع وأفكاره الريادية الخاصة بالشاعر، حيث استعار المطيري عصا سيدنا موسى عليه السلام في تأثر واضح بالموروث الديني لخدمة فكرته، والإشارة إلى أنّه لا يملك المقدرة على شقّ البحار لأجل حبيبته، فضلاً عن حرائق الشاعر الداخلية في جوف حزين ومملوء بالذكريات، لا سيما انّه اشتغل على فلسفة المدار والثبات في علاقته العاطفيّة ومعاندة الظروف له، ما جعله فارس الأمسية بامتياز، ولفت الشاعر المطيري الحضور بمخزونه الوجداني وسعة أفقه وتوليفه بين الصور المحيطة به وظروفه العاطفية بأسلوب شاعر قدير شاركه في قراءة أبياته عددٌ من الحضور، بسبب قرب المطيري منهم وتعبيره الواثق وإحساسهم معه في قصائد محورها الذات وعذابات الشاعر التي لا تنتهي بحال من الأحوال.
وفي قراءة نقديّة في إطار المهرجان، أشاد الناقد الدكتور حمزة الخوالدة بعدد من القراءات لتوفرها على عنصر المفاجأة والإدهاش، وأيضاً لأنها تمثل ألواناً من الشعر الأردني والعراقي، ما بين الشعر الكلاسيكي الجميل الذي يحمل القيم والتراث وإحساس الشعراء، وقال الخوالدة إنّ المهرجان استطاع أن يجمع بين الشعر الاحترافي والشعر الذي يعتمد على الوزن والقافية، مؤكّداً أهمية أن يثري الشاعر قصائده بعناصر المفارقة والصورة والإبهار المبني على تصور مسبق للقصيدة وجمالياتها، وأن يضع الشاعر نفسه موضع الجمهور الذين لديهم ذوق فني خاص بهم يستطيعون من خلاله أن يحكموا على مدى إبداع الشعراء واشتغالهم على مفرداتهم الشعرية بأسلوب يجعل القصيدة غالية في أسماع الجمهور ووجدانهم، وقال إنّ مهرجان الخالدية يقدّم كلّ عام خريطة شعرية إبداعيّة ليكون مدرسة لكل المدارس الفنيّة في كتابة الشعر النبطي والشعبي، مهتماً بالصورة الفنية في المقام الأول.
وأبدعت فرقة المهابيش بألوان قديمة من تراث الأردن، إذ تميّزت هذه الفرقة بأشجانها وألحانها التي انطلقت من الربابة، بمعزوفات آسرة تفاعل معها الحضور، فضلاً عن حضور المهباش وترديد أعضاء الفرقة الذين أبدعوا في قصائد حملت الموروث الأردني ومواضيعه الأصيلة في الوجدانيات وحب الوطن والمليك.
وخلال الحفل افتتح الدكتور سالم الدهام معرض الحياة الشعبيّة في البادية الذي نظمته جمعية اتحاد المرأة فرع الخالدية واشتمل على مأكولات ومعروضات تراثيّة هدفت إلى المحافظة على الأصالة والتراث في المنطقة.