د. إبراهيم خليل

يذكر هاشم غرايبة في إحدى متتالياته السردية في رواية «البحّار» (الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 2018) أن الراوي الرئيس سليم الناجي أصبح «بحّاراً»، والبحّار صفة يطلقها «الرماثنة» (أهل مدينة الرمثا الحدودية شمال الأردن) على المهرِّبين لأنهم كثيرو الأسفار والتنقّل بين الرمثا ومدينة درعا السورية. ونجح في تهريب الشاي والقهوة واستبدل بهما ملابس قطنية سورية على الرغم من أن دوريات الجمارك استطاعت ضبطه مرارا ولكنه أفلت منها أيضا مرارا (ص114). وفي غير هذا الموقع لا نجد ما يسوغ للمؤلف اختياره «البحّار» عنوانا لروايته، ?هو عنوان افتراضي يصْدُق عليه القول القديم المتجدد «الاسم على غير المسمى».

والراوي الذي يحتل بؤرة اهتمام المؤلف هو سليم بن عوض الناجي، رجل ثمانيني، على الرغم من أنه يدّعي أن عمره أقل من ذلك بثلاث سنوات (ص145) وذلك شيء ينفيه صديق عمره الشيوعي السابق فيصل المفلح (ص146). فوجئ هذا الثمانيني باستدعاء دائرة المخابرات له لأن اتصالا هاتفيا جرى رصده من حفيده أحمد المعروف باسمه الحركي «أبو قتادة الرمثاوي» كشف لأول مرة أن ذلك الفتى العشريني قد ترك كلية الطب والقصر العيني في القاهرة وهاجر في الله ولله. وقد هاتفه من الرقة في الشمال الشرقي السوري التي يسميها «دار الإسلام» طالبا من جده أن يشرح ?لأمر لأمه وأبيه بالطريقة المناسبة (ص21).

وبعد قراءة عشرات الصفحات يتضح للقارئ أن سليم الناجي نشأ فقيرا كادحا وشهد في صغره ثورة يوسف الهربيد وإعلانه جمهورية الرمثا الديمقراطية الشعبية، واجتاز في صغره مراحل عدة قاسية قبل أن يصبح «زنقيلاً» (ثرياً) فقد كان والده بائع «عوّامة» (ص94)، ثم تحول عنها لبيع الحمّص والفول والفلافل في مطعم شعبي (ص95)، ثم صرف النظر عن هذا لأن زبونا ثقيل الظل جاءه مبكرا ليشتري حمّصا وبيده طبق كبير بحجم لفة الشيخ مياس (ص95) وعمل طيّانا، ولم يتابع سليم دراسته الثانوية لضيق أبيه بنفقاته، وعندما طلب منه أن يبتاع له صندلا أسكته بقول? «الصندل يهترئ مع الاستعمال والقدَمان لا تبليان» (ص109) وانخرط الفتى في الجيش براتب 5 دنانير تعدّ في ذلك الحين مبلغا كبيرا. وبناء على طلبه سُرح من الجيش ليصبح «بحّارا»، ثم غادر إلى ألمانيا عن طريق تركيا برا، وفيها عمل في القواعد الجوية الأميركية، وفي الأثناء تعرف على الألمانية «بترا» إذ جمعت بينهما الإنجليزية، وما هي إلا أيام معدودات حتى أصبحا عاشقين (ص124). وقد استعاد في الرواية لياليه الحمر معها قبل أن تكتشف خيانته في أثناء زيارته لأميركا مع اليابانية «سيكا» (ص190). تضاف إلى هاتين المرأتين امرأة أخرى من ?لمجر اسمها «نورا»، وقد تذكر في مشاهد مستعادة ما كان بينهما من غرام مشتعل لم يستمر إلّا وقتا قصيرا لم يكفِ لتبادل الهدايا، فعندما أحضر لها عقدا من الفيروز فوجئ برجل ممشوق مفتول العضلات يقدم نفسه له بوصفه زوجا لها، ثم يخبره بعلمه بما كان بينهما، وأن ذلك انتهى، وأنها ترفض هديته. ويخوض الراوي في العام 1993 الانتخابات البرلمانية بوصفه مرشحَ الفلاحين، غير أن الحظ لم يحالفه، فكان حاله كحال القائل: «أكلتم خيري وانتخبتم غيري» (ص17).

والمرة الأخيرة التي زار فيها القاهرة، واجتمع بحفيده أحمد في فندق بالدقّي، هي التي سبقت انقطاع هذا الحفيد عن متابعة سنة الامتياز في القصر العيني، وانضمامه لأتباع «أبو بكر البغدادي» في الموصل والرقة. قال له يومذاك: «جئت لرؤيتك خاصة، ولم أُتَلْفِن لأيٍّ من أصدقائي. أريد أن أراك قبل أن أموت» (ص188).

ولعل هذا وحده ما يفسر لنا ميل الكاتب للاعتماد على التذكر في روايته بوصفه الأداة أو الآلية التي بوساطتها يروي الكثير من الوقائع والأحداث. فالراوي على سبيل المثال يتذكر وفاة أبيه عوض الناجي في حوض الضحضاح الشمالي ولمّا يزل جنديا في الجيش (ص52)، ويتذكر حكايته مع سيكا واتهامه بتهريب الماريغوانا لجنود القواعد الجوية الأميركية، وطرده من ذلك العمل بعد أن أصبح غنيا ثريا ثراء فاحشا (ص64)، ويتذكر ماضي والده وحنطوره، وزواجه من فاطمة برغل أم سامي. يتذكر أيضا تردده إلى البورصة ومشاركته في صفقات غسيل الأموال، ويتذكر بيت? الطيني الذي بناه ورُزق فيه بأبنائه الثلاثة ليلى وندى وسامي. وهو لا يفتأ يستخدم عبارة تنم عن أنه يستعيد ذكرياته. يقول في موقع يلخص فيه الكثير الجم من الحوادث التي مرت به: «أستعيد ذكرياتي كما الفيلم » (ص118)، ويتذكر أيضا أيامه مع أمه، وطبق الفول الأخضر بالكزبرة (ص121)، ويقول في موضع آخر واصفا فيض الذاكرة وتدفقها بلا كوابح: «الذاكرة يا صديقي لحظة ممتدة، ترويها بنبرة واحدة، بلا انفعالات، وبلا توقف، وبلا دهشة، وبلا فواصل، ولا نقط، ولا علامات استفهام أو تعجب» (ص151). ويقول في موقف غلبت عليه فيه الذكريات: «استحض?ر الذكريات السعيدة أجمل ألاعيب العمر» (ص195).

ولم يمض طويل وقت على اللقاء الأخير بأحمد حتى اتصل «أبو قتادة الرمثاوي» بجدّه، وقبل أن تستدعيه المخابرات كي تستقصي أخبار هذا الداعشي. وفي الأسبوعين اللذين خضع فيها أبو سامي للتحقيق طُلب منه مرارا أن يكتب كل شيء يعرفه عن أحمد وأن يكتب ما يذكره أيضا عن نفسه، لا عن أحمد وحده. جرى ذلك في صباح يوم من أيام تشرين من العام 2015. وبعد الاتصال يتذكر أبو سامي أشياء كثيرة، ومن ذلك الحوار الذي دار بينه وبين «أبي محمد المصري»، وهو يتذكر ذلك بعد أن فُرض عليه تسلُّم الأوراق والأقلام ليكتب ما طلب منه المحقق في الزنزانة 104 (ص22). في البدء كان المحقق واحدا ثم انضم إليه محققان آخران. وهم يتهمون أبا سامي بالترويج لداعش ما لم يفصح عما لديه من أسرار تتصل بحفيده (ص44).

والحفيد أحمد هذا على خبرة الناس به، وأولهم جده الذي رعاه، لم يكن يُتوقع -في أسوأ الأحوال- أن يلتحق بذلك التنظيم الإرهابي (ص46). ولهذا فجدُّه علاوة على تعرضه للتحقيق والاحتجاز مدة أسبوعين فقدَ فيهما الكثير من وزنه، يلازمه كابوس يملأ عليه فضاء الذاكرة (ص47)، ويشعره هذا الكابوس أنّ في داخله أشخاصا كل منهم لديه أسبابه التي تجعله يعترض على ما يفكر به سليم الناجي أو يهم أن يفكر فيه، أو يكتبه، أو يهم أن يكتبه، فأحدهم يسخر منه، وآخر يدلي من حين لآخر بما يزيده غمّا ونكدا، وآخر يحاصره بعيويبه وأخطائه، ولا يجد حرجا ف? أن يكّذبه كلما تذكر شيئا مغايرا لما يريده المحققون.

قواعد اللعبة

وعلى الرغم من أن اللعبة الروائية ها هنا أساسها أحمد الذي ترك القصر العيني والتحق بأتباع «أبو بكر البغدادي»، فإن الحديث عنه لم يأت بالحجم المناسب، لذا يمكن القول إن سليم الناجي –جده- هو الذي يستأثر بالحجم الأكبر من المرويات، يليه أحمد الذي غُيب تماما عن مسرح الأحداث، إلا ما جاء من حديث الآخرين عنه، وعن أولئك الذين نظَّموه، من مثل سفيان العشري الملقب «أبو محمد المصري»، و«الشيخ همام» إمام مسجد الفتح في ميدان رمسيس، و«أبو علاء الجمركي»، وهو رمثاوي يميل ميلا واضحا لهذا التوجه الذي آثره أحمد سليم الناجي.

ففي رأي سليم لم يكن توجه أحمد لـ«داعش» إلا ردّا من ردود الفعل التي تواجه شباب هذه الأمة المقهورة (ص43)، وهو شيء لم يكن لأحد توقعه لا سيما وأنه يتمتع بعيش رغيد، ولا ينقصه شيء، خلاف الجهاديين الذين انجرفوا في هذا التيار بدافع الحاجة والفقر (ص47) ولولا ذلك الشيخ المعروف بـ«أبو محمد المصري» -وهو زميل له في كلية الطب- لما ارتكب حفيده ذلك الخطأ الجسيم (ص58)، فالانتماء لهذا التنظيم خطأ، لأنه تنظيم «ينكر الأنا مثلما ينكر الآخر. ولا يرى إلا الجنة يقينا، والحور العين جائزة» (ص60). ورأي «أبو العلاء الجمركي» يختلف فهو?يقول ردّا على سليم الناجي: «هو لم يهرب يا خِتْيار، أحمد هاجر في سبيل الله يا رجل، أحمد كان ضالّا فاهتدى» (ص69).

وكان أحمد في اتصاله الهاتفي مع جده قد دافع عن اختياره، زاعما أن التنظيم يجمع الجهاديين برباط إلهي، لا رمثاوي، ولا إقليمي، ولا أممي (ص77). ويشق على جده أن يفقده بعد الدلال الذي لقيه منه «أيها الطفل المدلل، أي منازل، وأي حدائق، وأي مراجيح... امتطيناها معا» (ص78). وهذا التذكار الحميم لماضي أحمد وجده يجعل الخسارة فيه كبيرة: «يحزنني أن أحمد الذي أستعيد عيد ميلاده هو الآن أبو قتادة» (ص80).

والحديث عن أحمد، على الرغم من قلته في الرواية، يسلط الضوء على الخطوة الأولى نحو ممارسة الإرهاب: «تجنيد المستجدين شيء مثل السحر يا جدي. سهرت أدرس لامتحان الأنسجة مع سفيان العشري (أبو محمد المصري)، اقترب الفجر، فأغراني بالذهاب للصلاة، ضحكت وقلت: (أنا نعسان، وغدا عندي امتحان صعب).

- عشان ربنا يفتح عليك يا راجل.

تحت إلحاحه قُمْت على مَضَض» (ص90-91).

بعد ذلك تغيب الإشارة لأحمد غيابا كاملا إلا من كابوس يرى فيه سليم الناجي نفسه يغادر الرمثا ذاهبا إلى الرقة ليُحضر أحمد بنفسه، واصفا ما يمر فيه من خطر القذائف والسيارات المفخخة، والتفجيرات والتخطي بين الأشلاء والرؤوس المتناثرة. وإشارة أخرى يتذكر فيها فيصل المفلح (الشيوعي السابق) شيئا عن أحمد وأنه «لم يكن متعصبا، ولا متدينا، وأنه –بلا ريب- ضحية البروباغندا الدينية التي تبثها الماكنة ذاتها حسب علمي» (ص137).

شخصيات

وثمة شخصيات عدة في الرواية، غير أن حضورها في الأحداث حضورٌ ثانوي. فسامي، وهو الابن الأكبر لسليم الناجي ووالد أحمد، لم يظهر في الرواية ظهورا لافتا، وكذلك زوجته. وزميل أحمد «أبو محمد المصري» لا يظهر إلا في موقف أو اثنين، و«أبو علاء الجمركي» لم يظهر إلا في موقف المدافع عن أحمد مرة واحدة (ص69)، و«الشيخ همام» ذُكر عرضا، و«فيصل المفلح» اقتصر ظهوره الفعلي على موقف في الفصل الثامن (ص133)، وأم سامي (فاطمة برغل) تذكّرها الراوي وهي تعاني من سرطان اللسان، وأمه تذكّرها مرارا فكان ظهورها غير مباشر، وقد فوّت المؤلف على ن?سه فرصة الإفاضة في التركيز على شخصية الأب عوض الناجي من حيث أنه نموذج الفلاح المكافح، وعلى كلٍّ من حامد الصفار، مدرس الفلسفة البعثي، والناصري عبد الرحمن الجون، وحتى المهندس الشيوعي فيصل المفلح، الذي هو أكثرهم اطلاعا وقراءة (ص113).

وهذا الشحّ في الوقوف عند الشخصيات، بمن في ذلك ليلى وندى وسيكا وبترا ونورا، وضع شخصية سليم الناجي في الواجهة دون غيره من الشخوص. وتحوّل بين عشية وضحاها إلى كاتب رواية، متخذا من تلك الكتابة وسيلة لإطلاق العصافير النزقة من رأسه (ص11)، مستعينا على أداء هذه المهمة بشخصيات أخرى استنبطها من شخصيته، فهو سليم واحدٌ، لكن في داخله مَن هو ضده. يقول وهو عاكف على كتابة ما طلبه منه المحققون: «اكتشفت متعة أن أكتب لغيري.. صرت أكتب وفي ذهني قارئ يهمني أن يبقى مشدودا لروايتي»، (ص132) ويقول في موضع آخر: «أحاول أن أكتب عنه وعني شيئا يشبه الرواية» (ص134)، ويقول في مكان آخر: «صوّبت نظري في استكانة الشاي الفارغة، وقلت بصراحة: يا صديقي، أنا أحاول أن أكتب رواية» (ص138). وهذا يعيد إلى ذاكرتنا حكاية «عربي» في رواية تيسير سبول «أنت منذ اليوم» عندما تداول أصدقاؤه إشاعة عن أنه يكتب رواية، لكن التاريخ فُرض عليها قسرا. أما في رواية سليم الناجي فإن التاريخ لم يُفرض عليها. فقد كانت ولادة سليم في السنة التي أطلق فيها الحاج أمين الحسيني ثورة ضد الانتداب البريطاني (ص36)، وتعلّق بيوسف الهربيد الذي ثار وأعلن جمهورية ديمقراطية شعبية في الرمثا ولما يبلغ العشرين (ص32)، وشُغف بعبد الناصر، وعوّل على ياسر عرفات تارة، وعلى صدام حسين أخرى. وأش?ر في موقع لنكسة حزيران 1967 ولظهور الفدائيين، وانضمام عدد من «البحّارة» للكفاح المسلح، في إشارة قد يُفهم منها أن أكثر الفدائيين كانوا مهرِّبين، ولم تفته الإشارة إلى «الربيع العربي": «تلفزيون الجزيرة يبث صورا لرجل تونسي في شارع خال من المارة، وهو يصيح: ابن علي هرب.. ابن علي هرب» (ص119)، وذكر أيضا حرب أكتوبر (1973) التي ابتاع في أثنائها أول سيارة احتفاءً بالنصر الذي لم يتم (ص176).

السرد والتشظي

وبما أن الرواية هي رواية الشخصية الواحدة –تقريبا- فإن السرد الملائم لهذا النوع هو السرد المتشظي تماما مثلما جاءت رواية «أنت منذ اليوم» وحيدة الشخصية ومتشظية سردا. فالسرد لا بد فيه من خلط الأوراق للتعويض عن فقر الرواية في التشخيص. وهي لذلك كتلة من التداعيات والأحلام والرؤى والكوابيس التي تروي ما ترويه من غير تبويب ولا ترتيب ولا تسلسل زمني وقائعي. فالراوي لا يفتأ يخلط بين مشهد وآخر أو متتالية سردية وأخرى، فبينما كان يروي لنا شيئا عن لياليه الحمر مع بترا فُتح باب الزنزانة فجأة ودخل أحد المحققين (رقم 104) فاست?قظ من تداعياته التي كان قد اشتط فيها مبتعدا عن حاضره. وطريقة المؤلف في هذه التداعيات تعتمد على ردود الفعل التلقائية، فرؤية شيء تذكّره بسلسلة من الأشياء فيتذكرها على أساس أن رؤية ذلك الشيء محفزة للذاكرة. ففي متوالية سردية يقع بصره على مخابز سهل حوران، فذكّره ذلك بمشهد كان أبوه فيه يبذر القمح خلف المحراث بطريقة اعتادها الفلاحون، ويروي لنا الكثير مما يتصل بهذا إلى أن ينهي المتوالية بعبارة محمود درويش «أحن إلى خبز أمي» (ص173). وبهذه الطريقة نجده يروي ما جرى له في الماضي، وكأنه جرى لشخص آخر غيره. فهو بدلا من أن يحتل موضع المتكلم، يحتل موضع المخاطب: «عندما ك?ت تعمل في القاعدة الجوية الأميركية.. لكنك رفست النعمة.. وصرت تهرّب الماريغوانا لجنود القاعدة» (ص24). على أن هذه التداعيات قد يرتبط بعضها برابط نفسي، مما يقرب روايته من الرواية النفسية التي عُرف بها كتاب غربيون كجيمس جويس، ومارسيل بروست. فتذكُّره مثلا للفراق بينه وبين بترا الألمانية يرتبط بتذكُّره لماضيه مع زوجته وأم أولاده فاطمة برغل- أم سامي (ص177). وقد ارتبطت هذه المشاهد بأخرى عن الأيام الموجعة التي سبقت وفاتها بالسرطان (ص178).

والخطير في أمر هذه التداعيات أنها، في كثير من الأحيان، تستوعب ما لا ضرورة له في الرواية إلى جانب ما هو ضروري. فقد استسلم سليم الناجي لهذا مرارا وتكرارا. فهو على سبيل المثال يتذكر في ما يشبه التفصيل الممل مشهد القطة مشمشة مع القط (ص88)، فلو حُذف هذا المشهد الذي يملأ صفحة كاملة لما ترك حذفه ثغرة في الرواية. وشبيه بهذا ما تذكّره عن قصة البدوي والناقة (الوضحى) فلو أنها حُذفت هي الأخرى لما تأثرت الرواية بحذفها لا كثيرا ولا قليلا (ص142-143). وثمة مرويات أخرى من هذا القبيل تصعب الإشارة إليها جميعا مع تجنب الإطالة?والإسهاب.

إشارات

بقي أن نشير، في خاتمة هذه المقالة، لشيء مهم جدا، وذلك أنّ المؤلف -كغيره من الروائيين- يضفي على شخصيته الوحيدة (سليم الناجي) ما لا يتوقعه القارئ، فعلاوة على أنه جندي، ومهرِّب سابق، ورجل أعمال لا يتورع عن ارتكاب جرائم تبييض الأموال، ويعمل في القواعد الجوية الأميركية، ومهرب مخدرات، ومرشح برلماني غير ناجح، يتلفظ بعبارات، من حين لآخر، تنم عن أنه كاتب حقيقي، بل كاتب مثقف أيضا، يعرف ماركيز، ويقتدي به، ويقرأ رواية «الساعة الخامسة والعشرون» لكونستانس جورجيو، التي صدرت الطبعة الأولى منها في العام 1949، ويعرف الشخصيا? فيها، ويناقش فيصل المفلح في مآلات إيوهان مورتينيز، ويضمّن أقواله أشعارا لمحمود درويش وكأنه يحفظ شعره (ص133). وفي موقع آخر يتفوه الراوي بعبارة درويش الغنائية «أحن إلى خبز أمي».

وهذا بطبيعة الحال يفصح عن أن في سليم الناجي شيئا من المؤلف، وإذا كان المبدأ الأساسي في الرواية يقوم على اختفاء المؤلف، في رأي الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير، وغيره، فإن مثل هذه الإشارات –إذا جاز التعبير- تؤكد حضوره لا اختفاءه من خلال الشخصية الرئيسة، وأن هذه الشخصية -سليم- تقول في بعض الأحيان ما يمليه عليها المؤلف، وهذا شائع في كثير من الروايات التي يكتبها كتّابُ اليوم، ولا سيما أولئك الذين تحولوا من الشعر للرواية، فأفسدوها، على الرغم من فوزهم بجوائز بهية، ومكافآت مُجزية وسنية.

• ناقد وأكاديمي من الأردن