أبواب - غدير سالم

يعتبر الطفل الإستفزازي واحداً من أكثر الأطفال صعوبة في التعامل معه، لا سيما وأنه يسبب العديد من المشاكل في البيئة التي يعيش فيها، لكن تصرفاته الاستفزازية وفقا للمختصين لا تنشأ من فراغ بل تعود إلى أسباب عديدة .

وتعتبر هذه التصرّفات في سنّ مبكرة، بمثابة سلوك يصنع عملية تطوّر الطفل وتعلّمه ونجاحه، فالعدوانية والاستفزازية أمور ربما تكون أقرب إلى العادية بالنسبة للطفل، وتكون غالباً دليل ذكاء لديه، وعلى الأهل استغلال هذه الميزة، عن طريق تعزيز التصرفات الذكية التي تصدر عنه سواء في تعامله مع أفراد الأسرة أو أمام الأهل والأصدقاء .

يقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور عمار التميمي :«لا يوجد تعريف دقيق أو واضح في علم النفس للطفل المستفز، ولكن بشكل عام هو من يقوم بسلوكيات يعلم مسبقاً أنها تتعارض مع قيم وتقاليد وعادات الأسرة، وتتنافى مع المعايير الإجتماعية السائدة في الأسرة وحتى المجتمع بهدف الحصول على الأشياء،أو الهروب من الناس، وأحياناً من أجل لفت الإنتباه».

وفيما يتعلق بالعوامل التي تجعل الطفل استفزازياً، يقول التميمي :«يصبح الطفل إستفزازياً بناءً على نمط التربية الذي يتبعه الأب أو الأم كالدلال الزائد الذي يعتبر أحد الأسباب التي تقود أو تطور سلوك الاستفزاز عند الطفل، بالإضافة إلى عدم تعزيز سلوك تحمل المسؤولية عند الطفل منذ الصغر فيعزز لديه سلوك الاستفزاز، والأنانية، عدا عن عدم وجود حوار داخل الأسرة».

ويرى التميمي أن :«سلوك الاستفزاز يتطور عادة بما يعرف «بنواتج السلوك» لأن السلوك عادة محكوم بنتائج، وما يترتب على هذا السلوك من عواقب سواء أكانت إيجابية أم سلبية، فإذا تبع السلوك تعزيز من الأهل سيتكرر السلوك بالطبع، وإذا تبعه عقاب سيتوقف أو يكف السلوك، والأطفال أذكياء بالطبع ويعلمون ما هو السلوك الذي يعاقبون عليه أو لا يرضي ذويهم فيقومون بتكراره بهدف الحصول على ما يريدون أو لفت الانتباه أو الهروب من أشياء كثيرة كواجب مدرسي وغيره».

وعن طرق التعامل مع الطفل الاستفزازي، يقول التميمي :«تختلف طرق التعامل مع الطفل الاستفزازي حسب عمره، فهي تختلف مع طفل عمره أربعة أعوام وآخر عمره تسعة أو عشرة أعوام، فلكل مرحلة عمرية أساليب تتناسب مع الخصائص النمائية لها، ومن هذه الأساليب الثبات في التعامل مع الطفل أثناء الترغيب أو العقاب ونقصد هنا بالثبات هو اتساق نمط التربية ما بين الأب والأم».

ويلفت إلى أنه:«من الأساليب الأخرى أيضاً تجاهل الطفل في المرحلة التي يصبح فيها استفزازياً، ويفضل عدم مجاراته في استفزازه حتى لا يزيد في السلوك ويتحول إلى سلوك عدائي نحو الأغراب أو الأقرباء أو الأخوة، ومن الممكن أن نستخدم أسلوب التحويل بمعنى تحويل اهتمام الطفل من المرحلة الحالية التي يكون فيها إلى مرحلة أخرى من خلال التركيز على الأشياء التي يحبها ويفضلها كالألعاب، والهدف منها تشتيت التفكير في المرحلة الحالية التي يكون فيها استفزاز، فنسأله مثلاً ما رأيك أن نلعب بالألعاب التي تحبها؟ وقد يكون تعزيزا سلبيا من زاوية، ولكن فيما بعد وعندما يهدأ الطفل يجب أن نوصل له أن هذا السلوك لا يجوز والتصرف بهذه الطريقة شيء خاطئ».

ويشير التميمي إلى أنه :«من النصائح الأخرى المعروفة تربوياً إثابة كل سلوك إيجابي وتجاهل السلوك غير المرغوب به، وإذا تجاوز السلوك حدود الأدب أو اللياقة لا بد أن يكون في الأسرة قوانين أو ضوابط تحكم هذا السلوك، مثلاً إذا قام الطفل بسلوك خاطئ يتم سحب الأشياء المحببة والمفضلة لديه كعقاب بهدف تربيته وتهذيب سلوكه،وحتى يدرك أن هذا السلوك لا يجوز أو يترتب عليه عقوبات، بالإضافة إلى التجاهل والثبات بالتعامل، والتربية بالنموذج والنموذج يكون بالسلوك،بالكلام، فعلى الأب والأم أن يراعيا ذلك لأن سلوك الاستفزاز ليس سلوكا موروثا وإنما مكتسبا، فهذه السلوكيات يتم تعلمها من البيئة أو نمط التربية الذي ينشأ عليه الطفل ».

وتعرف الاستشارية التربوية والأسرية رولا خلف الطفل الاستفزازي بأنه:«الطفل الذي يريد شيئا من شخص أمامه فيقوم بإزعاجه من خلال إثارة أعصابه وإثارة غضبه والتحدي حتى يحقق كل ما يريد،، ومن صفاته أنه غير واثق بنفسه، ولا يحب الخير للآخرين أو يفقد الأمان، ويحب لفت الإنتباه إليه بأي طريقة، والطفل الاستفزازي من أكثر أنواع الأطفال صعوبة في التعامل ويوّلد العديد من المشاكل مع الأهل نتيجة التصرفات التي يقوم بها».

وتشير خلف إلى أن:«الاستفزازية لدى الطفل تعود لعدة أسباب لا يعرف الطفل التعبير عنها ومنها الانتقاد الدائم للطفل وتركيز الأهل على سلبياته فيفسّره بأن أهله يكرهونه فيتملكه السلوك الاستفزازي، بالإضافة إلى التعنيف المستمر للطفل والضرب، وعدم الاحتواء وعدم شعوره بالأمان والحب في منزله، عدا عن التفرقة بين الأولاد وتفضيل أحدهم على الآخر، واختلاف وجهات نظر الأم والأب في التعامل مع الطفل فيقوم بالسلوك الاستفزازي للفت النظر إليه».

وتقول:«يجب أن يتصرف الأهل بصورة صحيحة وبشكل إيجابي مع استفزازية الطفل وسلوكه العدواني، لأنه سينعكس إيجابياً على سلوكه ويقلل من استفزازيته مع العمل على تعزيز السلوك بعبارات تشجيعية، وتأمين ما يحبه، ومرافقته إلى المكان المفضل الذي يريده،ومكافأته من قبل الأهل، بالإضافة إلى تحلي الأهل بالهدوء وضبط النفس في ردود أفعالهم على تصرفاته للتخفيف من العدوانية والإستفزازية لديه».

وتنبه إلى أنه:«على الأم أن تحاول تحديد مشاعر القلق لدى طفلها فإذا سمعته يبكي، يجب أن تسأله ماذا يريد؟ وهل يحتاج لمساعدة مع الاستماع له جيداً؟، وأن تقدم له خيارات محددة عندما تشاهده يقوم بسلوك استفزازي، وأن تحتوي سلوكه من خلال إعلامه بما يجب أن يفعله، وأن لاتواجه الأم طفلها بل أن تقف جانباً وتدعه يعبر عن مشاعره دون النظر إليه مباشرة، وعدم الحديث معه في هذه اللحظات لأنه غير مستعد للاستماع إليها».

وتلفت خلف إلى أن :«على الأم أن تتحلى بالصبر، وأن تعلّم طفلها التحكم بانفعالاته وعصبيته من خلال تعديل سلوكه مع تكرار للسلوك الإيجابي والتركيز عليه حتى يتخلص من السلوك الاستفزازي».

وينصح خبراء الصحة النفسية للأطفال بضرورة إظهار الأم مشاعرها نحو طفلها، بحيث تتأكد من أنه يعي تماماً أنها تحبه حتى لو أنها تكره سلوكه السيىء، وبالتالي يجب أن تحاول دوماً أن توصل إليه هذه الرسالة، مستغلة الوقت الذي تتواجد فيه بمفردها معه، مثل وقت الإستحمام أو أثناء إيصاله إلى المدرسة لإخباره بمشاعرها، واللعب معه أيضاً، كما يمكنها أن تمنحه إهتمامها الكامل للنشاط الذي يرغب القيام به، وأن تحرص على أن تظهر له مدى استمتاعها باللعب وتمضية الوقت معه، وأن تحرص على تشجيع طفلها على التصرف دوماً بأسلوب جيد ومناسب، محاولة أن تقلل من فرص ظهور سلوكه الاستفزازي والمثير للغضب، وهذه الأوقات الإيجابية مهمة جداً في تعزيز تقديره للذات.