لسنوات ماضية كان «لواء الحسينية» ذو المناخ الصحراوي، الواقع في البادية الأردنية الجنوبية، منطقة طاردة للسكان، إذ أن الأراضي صفراء قاحلة مهجورة والمياه شحيحة.
بعد خدمته لسنوات في الجيش و انتقاله إلى الحياة المدنية كموظف في وزارة المياه و الري، أيقن الخمسيني»حمد ذيابات الجازي» أن»النجاح يحتاج إلى المغامرة»، مفضلا العودة إلى أرضه في لواء الحسينية جنوب المملكة، واستكمال ما بدأه والده، منذ أكثر من 18 عاما ضمن مشروع «توطين البدو الرحل» الذي استند على تشجيع المواطنين على الزراعة.
«قبل عدة أعوام ،حضرت يوم مشاهدة حقلي في محطة الشوبك التابعة للمركز الوطني للبحوث الزراعة، بالتعاون مع المركز الدولي للزراعة الملحية «إكبا» عن تقنية الزراعة الملحية، ووجدت فيها حلا للتغلب على شح المياه الذي يعانيه لواء الحسينية، وارتفاع ملوحة الأرض»يقول الجازي،مضيفا:في البداية فضلت أن أقوم بتقنية «الزراعة الملحية»على ارضي الخاصة، فزرعت دونمين بالبرسيم و الشعير،ومع نهاية الموسم و الحصاد، كان المحصول من «البذار المنتجة «نواة لزراعة 30 دونما أخرى في الموسم التالي.
و»الجازي»الذي بدأ العمل في القطاع التعاوني و الزراعي منذ نحو عقدين،هو من الجيل الجديد ،الذي أعاد الحياة الزراعية للواء،ويدير حاليا مشروعا بدأه والده عام 1970 ،يتمثل في إعادة توطين البدو الرحل من خلال الزراعة، وكان من نتائج هذا المشروع، إنشاء «لواء الحسينية» كتجمع سكني، والعشرات من قاطني اللواء حاليا، هم من العاملين في الزراعة و خاصة بتقنية»الزراعة الملحية».
والزراعة الملحية تقنية زراعية أطلقها المركز الدولي للزراعة الملحية»إيكبا» و مركزه الامارات العربية المتحدة بالتعاون مع المركز الوطني للبحوث الزراعية ، تقوم على زراعة محاصيل وسلالات نباتية لها القدرة على تحمل مستويات عالية من الملوحة ودرجة الحرارة.
و الان يقدر عدد سكان الحسينية بنحو 17 ألف نسمة، بحسب أرقام صادرة عن دائرة الإحصاءات العامة.
«قاطنو لواء الحسينية يتجهون الان إلى الزراعة العلفية و خاصة بتقنية الزراعة الملحية التي تعتمد على المياه المرتفعة الملوحة بدلا من المياه العذبة التي هي بالأصل شحيحة» يقول الجازي، مشيرا إلى أن نجاح تجربته التي بدأت قبل نحو 3 سنوات، شجعت العشرات من أبناء اللواء على العودة إلى أراضيهم.
ويضيف: «في السابق...تدهورت المنطقة شيئا فشيئا، نتيجة قيام أصحاب الأراضي بتأجير أراضيهم لآخرين الذين لم يولوا اهتماما بالبنية التحتية المحلية، الأمر الذي دعا أبناء المنطقة لاتخاذ قرار هام بالعودة إلى أراضيهم و استثمارها بأنفسهم والعناية بها».
ويزيد»كانت تجربتي في الزراعة الملحية أمرا مشجعا لهم لتلك العودة، والآن هم فرحون ولم يعد هنالك منهم من يؤجر أرضه لآخرين أو يهجرها خاصة وأنهم تعلموا درسا قاسيا من جراء هجرة الأراضي و تأجيرها.»
ويشدد»على أن تنظيم الأيام الحقلية يشجع كثيرا على ترويج تقنية الزراعة المالحة، خاصة إذا تزامن عقد هذه الأيام مشاريع تستخدم هذه التقنية، ومشاهدتها تكون على ارض الواقع»،مشيرا إلى أن الزراعة المالحة تتناسب و طبيعة «الحسينية» ذات درجات الحرارة المرتفعة و مياهها وتربتها المالحة، و هي ميزات تساهم بشكل كبير في مضاعفة إنتاج الزراعات العلفية وهو ما لمسته في زراعة دونمات أرضي الـ30 ، ودفعني لتوزيع قسم من البذار المنتجة على مزارعي «الحسينية» للتجربة وزراعة أراضيهم ضمن مشروع تل برما الزراعي الذي أديره.
ولم يشجع نجاح تجربة الجازي أبناء بلدته فقط، بل إنتشرت «الزراعة الملحية» إلى المناطق القريبة وخاصة في لواء الجفر.
وينهي حديثه وهو يقلب صورا التقطها لمحصوله الزراعي قبل أن يقوم بحصاده:»إبنتي الوسطى قررت دراسة الهندسة الزراعية و التخصص في التربة والمياه لتساعدني على استثمار أجزاء أخرى من الأراضي في الزراعة الملحية ،وأنا لا أنوي العودة للزراعة التقليدية، خاصة وأن المحصول من الزراعة الملحية أكثر بنحو 40 %.»
وتنتشر تقنية» الزراعة الملحية» في محافظات عديدة من المملكة وخاصة في تلك التي تقع على أحواض مائية جوفية، تعاني من الاستنزاف نتيجة السحب الجائر، و تذبذب هطول الأمطار بين موسم و آخر.