بات من المؤكد أن «مبادرة السلام الأزرق» تعيش تغيُّرات عدة، تؤسس لتحوُّلٍ في المشهد المتعلق بالمياه إقليميا على الأقل. وهذا التغير، وإن كان حتى الآن في مراحله الأولى، لن يشهد توسعا في الأعضاء- التي شكلت المبادرة- فقط، بل أيضا توسعا في التطلعات و المهام.
بدأت مبادرة» السلام الأزرق» في الشرق الأوسط في عام 2009 وقادتها مجموعة الأبحاث الإستراتيجية Foresight Group، وترتكز على تقييم لمشكلة المياه في المنطقة، تضمنه تقرير أعدته مجموعة الأبحاث الإستراتيجية الهندية قبل عدة سنوات، بتفويض سويسري–سويدي، ونُـشـر تحت عنوان «السلام الأزرق أو ضرورة إعادة النظر في قضية المياه في الشرق الأوسط».
و قبل عدة أيام تم تنظيم اجتماع في ستكهولم، لنقل إدارة الاشراف إلى مجموعة من المؤسسات الإقليمية.
وعلى مدار العام الماضي، عُقد اجتماعان لممثلي المؤسسات الإقليمية من تركيا والأردن والعراق ولبنان وسوريا وإيران، بالإضافة إلى عدد من الاجتماعات الثنائية على مستوى أصغر للبدء بعملية نقل عملية الإشراف، وتحديد موضوع «كفاءة استخدام المياه في الزراعة» كمجال رئيسي للتركيز في المراحل الأولية للمرحلة القادمة من مبادرة «السلام الأزرق» في الشرق الأوسط..
من جهتها، تقول خبيرة المياه عضو الفريق الأساسي في المبادرة ميسون الزعبي أن «أهمية هذا الاجتماع تنطلق من انه شهد ولأول مرة في تاريخ المبادرة الممتد منذ نحو تسع سنوات، إدارة ذاتية تدار بالكامل من دول الإقليم بعد أن قادتها مجموعة الأبحاث الإستراتيجية لسنوات منذ لحظة تشكيلها».
وتلفت إلى أن «الإعلان عن الهيكل التنظيمي للمبادرة برئاسة لجنة استشارية رفيعة المستوى من دول المبادرة، تدعمها لجنة إدارة تُشكل من مندوبين اثنين لكل دولة ، وتم الاتفاق على تكليف معهد بحوث المياه في تركيا برئاسة اللجنة التنسيقية للمبادرة لمدة عامين يتم من بعدها تداول المهمة التنسيقية بين الدول».
و الاجتماع الذي دعت له مجموعة الأبحاث الإستراتيجية SFG» بالتعاون مع منظمة «الشراكة العالمية للمياه» الوكالة الدولية السويدية للتنمية والتعاون والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، بحث بحضور الرئيس السابق لجمهورية سلوفينيا الدكتور دانيلو تورك والسفير السويسري في السويد كريستيان سكونينبرغر ومسؤولون رسميون وخبراء إقليميون ودوليون، مسار عمل المبادرة لفترة ما بعد إنهاء مجموعة الأبحاث الهندية مهامها مع المبادرة مع نهاية العام الجاري. وعلى مدى يومين في العاصمة السويدية، ناقش خبراء وإعلاميون يمثلون دول المبادرة: العراق ولبنان وتركيا والأردن، ومنظمات دولية معنية بقضايا المياه، مقترحات عملية لتحديد رؤية المبادرة ومهمتها في المنطقة، وكذلك هيكليتها وأنشطتها الرئيسية.
وكانت جلسات من الاجتماع سَبقت مناقشات مسار عمل المبادرة، بدأتها رئيسة مجلس إدارة منظمة GWP مونيكا ويبرفار التي شددت على «أهمية حوكمة وترشيد استهلاك المياه وتوقيع اتفاقيات واقتراح آليات عمل لإدارة الموارد المائية في منطقة الشرق الأوسط بشكل أفضل». فيما تحدثت مديرة البرامج في وحدة الشرق الأوسط لدى الوكالة الدولية السويدية إيسي نيلسون عن «ضرورة التعاون المائي وبذل الجهود وتوحيدها للحفاظ على هذا المورد الحيوي».
واعتبر السفير سكونينبرغر أنه «من المهم تشارك التجارب والخبرات والتعاون لمواجهة التحديات، حيث أن قضية المياه تتعدى كونها مسألة محلية، إنما إقليمية وعالمية عندما تتشارك الدول مصادر المياه والأحواض المائية، وذلك بما يخدم مصلحة جميع الأطراف».
ودعا إلى»تحويل التحديات لفرص يستفيد منها جميع الفرقاء، وبالتالي جعل المياه أداة للسلام، عوضا عن أن تكون سببا للنزاع والحروب».
أما نائب رئيس البرنامج العالمي للمياه في الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون أيلين هوفستاتر لفتت إلى الحرص على «دعم الشباب الناشطين في مجال المياه».
وتطرق مدير البرامج في الوكالة السويدية دانييل ماغنوسون إلى «ضرورة العمل على بناء السلام وضمان حق الشعوب جميعها بالمياه». ودعت مديرة البرامج والخبيرة الدولية في منظمة CEWAS في الشرق الأوسط ألين بوسمان إلى «الاستثمار في الفرص التي يتيحها قطاع المياه وتطبيق الحلول الآيلة إلى تحقيق استدامة بيئية واجتماعية واقتصادية».
واعتبر خبير الموارد المائية في المركز الدولي للزراعة الملحية في الإمارات العربية المتحدة الدكتور خليل عمار، أن «التعاون في مجال المياه أظهر الطاقات والإمكانيات التي تتمتع بها منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي ساهم في التخطيط الأفضل لكيفية إدارة الموارد المائية ومواجهة التحديات ورفع الإنتاجية الزراعية».
«السلام الأزرق» بإشراف لجنة استشارية
وتتابعت الجلسات فيما بعد لمناقشة مبادرة السلام الأزرق و هيكلتها الجديدة.
من جهته لفت وزير الدولة السابق في الحكومة التركية حسن ساريكايا «إلى الدور الذي يجب أن تستكمله مبادرة السلام الأزرق في الشرق الأوسط بعد أن قطعت شوطا مهما في تقارب وجهات النظر لجهة التباحث و جلوس الأطراف المختلفة على طاولة المباحثات».
بدوره، عرض رئيس SFG صنديب واسليكر»إنجازات مبادرة السلام الأزرق منذ انطلاقتها عام ٢٠٠٩ ومسار عملها في منطقة الشرق الأوسط، في محاولة لاقتراح الحلول العملية وتعزيز التعاون للحد من الخلافات حول قضية المياه التي كانت قضية شائكة قبل إطلاق مبادرتنا التي ساهمت في توحيد الرؤى والجهود وتحقيق فهم أفضل لمسار التعاون وتشارك الموارد الطبيعية».
وشهدت الجلسة الختامية إعلان تشكيل لجنة استشارية عليا على أن تستلم دفة العمل من مجموعة SFG مشكّلة من فعاليات المنطقة، تتولى إدارة مبادرة السلام الأزرق في الشرق الأوسط للمرحلة المقبلة بتمويل من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون و توسيع دول الأطراف في المبادرة بإضافة سوريا و إيران.
وقدمت المؤسسات الإقليمية مقترحات عملية حول الآلية المؤسسية التي ستنسق أنشطة عملية «السلام الأزرق «في الشرق الأوسط وتدفع بها إلى الأمام ، بالإضافة إلى التركيز على موضوع كفاءة استخدام المياه في الزراعة.