أبواب - غدير سالم

« تعرضت إبنتي منى ذات العشرة أعوام للعنف والإساءة النفسية من قبل زميلاتها ، حتى باتت تكره المدرسة وتصاب بالتوتر الشديد والبكاء كل يوم صباحاً رافضة الذهاب للمدرسة ، فتعرضها للتنمر من قبل زميلاتها بات يقلقها ويجعلها تعتقد أنها وحيدة ولا أحد بجانبها « بهذه الكلمات عبرت أم سعيد عن المشاكل النفسية التي سببها التنمر على طفلتها.

وتابعت حديثها مبينة تفاصيل التنمر الذي تعرضت له منى :» تعرضت طفلتي لضغوط نفسية شديدة حيث أخبرتها مجموعة من الزميلات من خلال رسالة خطية بأنها ليست جزءا من هذه المجموعة ، فبدأت منى بالبكاء الشديد حتى رأتها المعلمة وقرأت الرسالة فقامت بتوبيخ الطالبات جميعهن ومراسلة أمهاتهن ، ولكن هذا لم ينه المشكلة بل زادها تعقيداً ، فأصبحت الطالبات يتجاهلن منى كلياً ويضحكن بصوت مرتفع كلما مرت من أمامهن ، ويتجاهلنها خلال الحصص الدراسية ولا يشاركنها بأي شيء على الإطلاق».

وشرحت أم سعيد الحلول التي استخدمتها للتخلص من تأثير التنمر على طفلتها:» للأسف ما جعل منى تصاب بكل هذا التوتر والتعب هو موقف زميلاتها المفاجيء اتجاهها من دون أي سابق إنذار ، لذلك قمت بمعالجة الأمر مع المدرسة ومع أمهات الفتيات اللواتي تعاونّ معي إلى أقصى حد ، حتى بدأ وضع منى يتحسن تدريجياً ، ولكنها لم تتجاوز المحنة كلياً ».

ووفقاً للتربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسيةنجوى حرز الله فإن :»التنمر شكل من أشكال العنف والإساءة والإيذاء المقصود والموجه من شخص أو مجموعة أشخاص إلى شخص آخر أو مجموعة من الأشخاص ، بحيث يكون المتنمر أقوى جسدياً من المتنمر عليه ، ويحدث التنمر في العديد من الأماكن وبشكل يومي نراه ونمارسه بحياتنا اليومية ويمارس في المدرسة ،الشارع ،الجامعة ،المنزل ،أماكن اللعب والساحات ، لذا يجب أخذ الحيطة والحذر من المكان الذي يلعب به أبناؤنا أو يدرسون فيه حتى لا يتعرضوا للتنمر ، ويجب أن نعلم أن المتنمر يختار ضحيته بالعادة من الأشخاص ضعاف الجسم ، ثقتهم بنفسهم منخفضة ، وغير قادرين على مواجهة أي مشكلة بحياتهم.

وعن أشكال التنمر ، تقول حرز الله :» للتنمر أشكال مختلفة فقد يكون التنمر لفظي أي أن المتنمر يستخدم فيه ألفاظ سيئة تسبب الضيق للمتنمر عليه كالتنابز بالألقاب والسخرية مثل: قزم ، دب ، غبي ، كسول ، وهناك أيضاً التنمر البدني ،ويشمل قيام المتنمر بضرب أو ركل أو عض أو عرقلة المتنمر عليه ، بالإضافة إلى التنمر النفسي ،وهو القيام بنشر الشائعات بشأن الشخص المتنمر عليه أو إحراجه أمام الأشخاص أو استبعاده من الأنشطة بطريقة متعمدة ومتعودة ، وهناك التنمر الإلكتروني وهو الشائع والأسوأ في وقتنا،أي هو إيذاء الآخرين بواسطة مواقع التواصل الإجتماعي أو مقاطع الفيديو أو الرسائل النصية».

وعن الآثار السلبية التي تعود على الشخص المتنمر عليه ، تبين حرز الله :»هناك مشكلات مرتبطة بالصحة النفسية للشخص مثل: الإكتئاب والقلق وانخفاض تقدير الذات ، عدا عن ضعف الأداء المدرسي الملحوظ وهو مؤشر واضح للطالب على أن هناك مشكلة وعلى الأهل الإنتباه لها ، بالإضافة إلى التعاطي والوصول للإدمان للتخلص من قلق التنمر لعدم وجود الحل وعدم تواجد الداعمين للمتنمر عليه ، ومن الآثار السلبية أيضاً العنف لدى الشخص المتنمر عليه ،بحيث يقوم بالإنتقام لعدم قدرته على مواجهة المشكلة ، وأحياناً نصل بمشاكل أكثر من التنمر مع الضحية مثل الهروب من المدرسة ، والإنتحار ، والتفكير بالإنتقام وهو أشد أنواع العنف ، وكره الأصدقاء ، وكره الوالدين».

وأوضحت حرز الله الوسائل التي يجب أن يتبعها أولياء الأمور أو المسؤولين القادرين على حماية الشخص المتنمر عليه للتخلص من هذه المشكلة :»بداية الإصرار والإلحاح دوماً على الطفل لمواجهة مخاوفه من خلال مشاركته الحديث والاستماع له بهدوء ودعم مشاعره وإشعاره بالأمان له للتعبير عن ما يحدث معه ومشاركته في مواجهة المشكلة «،وتقول :»يجب أن نعلم الطفل كيفية التعامل مع التنمر بحيث لا يدخل في عراك أو لا يفكر بالإنتقام بل عليه اللجوء لشخص بالغ سواء :أب ، أم ، معلم ، مرشد ، أومدير المدرسة ، ليقوموا بدعمه وحل مشكلته ، وعلى الأهل أن لا يواجهوا المشكلة بالعنف أي أن لا يستخدمون ألفاظا مثل «أنت كبير حل مشكلتك لوحدك» ، أو «قم أنت بضرب من يضربك» ، «ولا تسمح لأحد بالاستهزاء عليك «.وتشير إلى أنه :»لو كان بمقدرته حل مشكلته لوحده لما لجأ للأهل لذلك عليهم مساعدته «.

وأضافت :» على الأهل مراقبة أبنائهم لأن بعض الأبناء يخفون التنمر حتى لا يفقدوا شيئا من مكتسباتهم ،مثل الهاتف أو الخروج من البيت أو استخدام الإنترنت ، ويجب تعزيز ثقة الطفل بنفسه حتى يكون قادرا على رفض ما يمارس عليه وخاصة التنمر النفسي ، ويجب التركيز على أن المتنمر نفسه في مشكلة لذلك يحاول أن يتنمر على الآخرين فهو بحاجة لمد يد العون والمساعدة له».

تسرد أم أمجد قصة طفلها أمجد وكيف أصبح من المتنمرين بسببها زوجها فتقول :» طفلي أمجد كثير الحركة يفعل ما يريد ولا يردعه أحد عمّا يقوم به ، ولا يستأذن أبداً،ويفعل ذلك خارج المنزل وداخله ، عكس أخته سحر التي تختلف حركاتها عن خارج المنزل وداخله ، فهي داخل المنزل هادئة لا تخرج صوتاً وتجلس دائماً وحيدة أما خارج المنزل فهي إجتماعية تلعب مع الجميع«.

وأضافت :» ذات يوم طلبت من أمجد مشاركة ألعابه وطعامه مع أخته ولكنه رفض بشدة وعند سؤاله عن السبب ،قال :بأننا نضرب سحر ولا نضربه، ونعاقبها إن قامت بأي فعل ولا نفعل معه ذلك ، فهو سيتعامل معها كما نفعل ويقوم بضربها وأخذ طعامها وألعابها منها ، حتى أنه أصبح يتطاول على جميع الأطفال ويأخذ منهم ما يريد ويضربهم بوجود ذويهم ، فاكتشفنا بأننا السبب في جعل أمجد متنمرا على أخته وغيرها ، وبأننا قمنا بالتأثير على نفسية سحر حيث أصبحت تكره المنزل ومن فيه وتحب أن تبقى دائماً خارجه ،وفي الروضة، لأن كل من هم خارج هذا المنزل لطيفين ولا يعاملونها كما نقوم نحن ، وهذا بالتأكيد يؤثر على سير حياتنا،ونحاول جاهداً أن نصلح لو القليل مما قمنا به ، ولكن قد نكون تأخرنا كثيراً».

تقديرات «اليونسكو» الصادرة عام 2017 تشير إلى أن من بين أكثر من مليار طفل في المدارس حول العالم، يتعرض ربعهم لأعمال البلطجة والعنف المدرسي، وإن مراهقاً واحداً من أصل ثلاثة مراهقين، في أوروبا وأميركا الشمالية تعرضوا للتنمر في المدارس، مرة واحدة على الأقل، وإن الأكثر عرضة لخطر التنمر هم في كثير من الأحيان من الفقراء أو الأقليات العرقية أو اللغوية أو الثقافية.