التوغّل التركي جنوب غربي مدينة حلب (وما ادراك ما «حلب» في الايديولوجية العثمانية لأردوغان, الذي ما يزال حتى اللحظة, يعتبر «الشهباء» إرثاً من إرث أجداده العثمانيين) ثم قصف الجيش السوري للنقطة العسكرية التي تمرّكَز فيها جنود أتراك, والإعلان عن قيام دمشق بنشر دفاعات جوية وصواريخ مضادة للطائرات, في مناطق «التماس» مع المسلحين في ريفي حلب وإدلب, لِتُغطّي المجال الجوي للشمال السوري. حيث تم وصف ذلك الإجراء العسكري السوري بانه «رسالة للجميع». وتزامُن ذلك مع طلب ايران من تركيا «مراجَعة سياساتها» في عفرين السورية، معتبرة (طهران) ان استمرار العمليات العسكرية هناك «يزيد من احتمال عودة التنظيمات الارهابية الى المنطقة», ثم مطالبتها انقرة «ايقاف عملياتها واحترام السيادة السورية». ذلك كلّه يعني – بروز مخاوف جدّية لدى دمشق وطهران وربما موسكو التي اصابتها عملية اسقاط الطائرة المقاتلة «سو25» بصاروخ ارض جو محمول على الكتف, بحال من «القلق الكبير» وفق تصريح الناطق باسم الكرملين, و»الغموض» الذي ما تزال موسكو تُبديه, إزاء تحقيقاتها المكثّفة لمعرفة «الدولة» التي «تبرّعت» بصواريخ كهذه, في مسعى واضح من قبل مُشترٍ او مُسهّل او مزوّد هذا السلاح الخطير, للجماعات الارهابية.. التي سارَع معظمها الى تبنّي اسقاط الطائرة الروسية, بهدف تشتيت الأنظار عن الفصيل الإرهابي المسؤول عن مغامرة خطيرة كهذه, يعلم الرُعاة والممّوِلون والمشغّلون ان موسكو بوتين ليست موسكو بريجينيف, وان روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفياتي عام 1979 حتى وصول غورباتشوف, وان الاسلحة الروسية الراهنة بلغت من الدقة والفاعِلية, مستوى لم تبلغْه ذات يوم, تلك التي حملت «الشيفرة» السوفياتية. ناهيك ان صاروخ «ستينغر» الاميركي التي زودت واشنطن به مجاميع «المجاهدين» المتأمركين, لن تعجز الترسانة العسكرية الروسية الحديثة الحالية, عن إفشال مخطط «أفغَنَة» سوريا بالصاروخ الاميركي «الجديد» الذي يحمل اسم «مان باد», والذي تروج شائعات انه اسقط سو 25 الاخيرة.

أجواء الحرب الإقليمية

التوغّل التركي تجاه حلب, بذريعة مواصلة إقامة نقاط المراقبة العسكرية التي انيطت بأنقرة, عند تفويضها الإشراف على منطقة خفض التصعيد في محافظة ادلب، يبدو مريبا وباعثا على القلق, كونه جاء بعد غزوة عفرين/ «غصن الزيتون»، والدفع بآلاف من مرتزقة «الجيش الحر» وتهديد اردوغان باجتياح منبج وصولاً الى الحدود السورية العراقية ، ما يعني ان ما كان خطط له اردوغان عندما احتضن الجماعات الإرهابية مُسهِّلاً وصولها الى الاراضي السورية وإغداقِه الاسلحة والاموال وكل ما تحتاجه من تسهيلات.. لم يتخلَّ عنه. وحان الوقت – في نظرِه – لتطبيقه بعد ان «حظي» بتفويض من شريكيته, يظنه واهِماً انه.. «مفتوح «.

لكن التطورات المتلاحقة في الميادين السورية, والجشع التركي المُعلَن في احتلال مزيد من الأراضي السورية بذريعة محاربة الارهاب، فيما انقرة تواصل تنسيقها ودعمها للجماعات الارهابية وبخاصة جبهة النصرة/تحرير الشام، يكشف ضمن امور اخرى.. ان تركيا تواصل عملية الخداع من اجل خلق وقائع على الارض, تجعل منها «رقماً صعباً» في حل الازمة السورية, التي بدأت تأخذ شكلا جديدا من «التعقيد» بعد «إحياء» الاميركان وجوقة المستعمِرين القدامى في لندن وباريس وبعض الأتباع العرب, اكذوبة «الكيماوي» ومحاولة شيطنة الرئيس السوري, والبحث بوقاحة عن ذرائع واكاذيب لاستصدار قرار مجلس الامن الدولي, يمنح قوى الغرب الاستعماري فرصة لضرب الجيش السوري بمظلة دولية, وليس كما فعل جورج بوش الإبن عند غزوه العراق, ذلك الغزو الذي بات جرحا لا يندمل في الجسد الاميركي المُثخَن, يفوق ما خلّفته حرب فيتنام من خسائر وتداعيات.

الهوس التركي المؤدلَج لـ»تخريب» حلّ الازمة السورية سياسياً, ومواصلة انقرة لعبة المراوغة واستغلال تفويض منطقة خفض التصعيد عسكرياً, سيأخذ الدول الفاعِلة على الساحة السورية, الى «خنادق متقابِلة». وللمرء ان يتخيَّل عندما يقوم الجيش السوري وبقرار سياسي يصدره الرئيس السوري شخصياً, بإسقاط طائرة تركية, وأسرِ او مقتَل طيارها والكيفية التي سترد بها القيادة التركية, والاحتمالات المفتوحة لانفراط عقد مسار استانا، اذا ما وعندما... تُقرِّر «طهران» الإنخراط في المواجهة او تلتزم موسكو الصمت «المؤقَّت» بالطبع, ازاء ما قد يحدُث, كي تمنح لنفسها فرصة مراقَبة المشهد الذي لا تتمنّاه في واقع الحال, اقله في المرحلة الدقيقة الراهنة, التي تواصِل فيها ادارة ترمب وأركان «حزب الحرب» في البنتاغون, خلق المزيد من الأزمات وزرع الالغام السياسية والعسكرية على الساحة السورية. تارة بمغازلة انقرة على حساب الكرد واعتبار عفرين «لا تعنيها», وطوراً بعودتها الى الكرد, الذين صمدوا (حتى الان) في مواجهة الغزو التركي, واعاقوا تقدّمه وأوقعوا في صفوف قواته خسائر بشرية واخرى مادية, تمثّلت في تدمير إحدى عشرة دبابة، لتقول لهم – واشنطن – انها لن تسحب قواتها من منبج. ما قد يعني احتمالات كبح الإندفاعة التركية, او حدوث مواجهة بين القوات الاميركية وحليفتها «الأطلسية».

جولة جديدة من مفاوضات استانا بنسختها التاسعة, يُرجح ان تعقد يوم الجمعة المقبل (9 شباط), اذا لم يحدث ما يعوق انعقادها في اللحظات الاخيرة، وبخاصة ان التوتر بين انقرة وطهران آخذ في التصاعد, وموسكو ليست بعيدة عن هذه الأجواء, في ظل شائعات عن احتمال ان تكون تركيا (او دولة عربية) أوصَلَت الصواريخ المحمولة على الكتف... للجماعات الارهابية.

قد تكون جولة استانا المرتَقَبَة... الفرصة «الأخيرة» ليس لحل الازمة السورية, بل للحؤول دون اندلاع حرب إقليمية او انفراط عقد «استانا», إذا ما واصلَت انقرة اللعِب على... «كل الحِبال».

kharroub@jpf.com.jo