«لطالما عذبني وأهانني والدي عندما كنت طفلة صغيرة لأي سبب كان ، والآن لا أريد الزواج من اي رجل لأنني ما زلت اخاف أن يكون صورة عن والدي» ، بهذه الكلمات وصفت سهير معاناتها من التعنيف الاسري الذي تعرضت له في طفولتها .
تقول والدة سهير وهي تبكي بحرقة على ابنتها الشابة ،إنها كانت تتعرض للضرب من قبل ابيها ، وعندما كبرت واصبحت فتاة بعمر الزواج باتت ترفض اي عريس يتقدم لها خوفا من ان يكون مثل والدها يضربها أو يتسلط عليها بعنف لفظي .
وتضيف انها اصبحت تتصرف بشكل غريب ، أقنعتها بالذهاب الى طبيب نفسي ليشخص حالتها ، فتبين بعد ذلك ان العنف الاسري جعلها تخاف من الزواج حيث اكد الطبيب النفسي ان الطفل عندما يتعرض للعنف ينعكس ذلك سلبا على نفسيته في فترة المراهقة والشباب حيث تتحول المواقف العنيفة التي يتعرض لها الى كوابيس ترافقه مدى الحياة اذا لم يتم علاجه .
اما المعلمة وفاء فقد لاحظت على طالب في الصف الثاني ، حب الانعزال وعند اقتراب اي احد منه يقوم بدفعه بقوة وينهار بالبكاء ، وبالرغم من ذكائه الا انه لا يحب الدراسة .وتضيف المعلمة وفاء لقد قمت بعرضه على المرشدة النفسية في المدرسة فتبين ان الطفل يتعرض للتعنيف والضرب والصراخ من قبل والديه .
لكن هنالك اسراً قادتهم النتائج العكسية للعنف الى ما هو الصواب ، تقول ام عدنان -وهي أم لطفلين- إنني كنت اضرب ابنائي على الدوام ،الا ان ضربي لم يؤت ثماره بل ازدادوا تمردا واصرارا على اغضابي ، فاصبحت طفلتي تعاندني حينما اضربها و تقول اصلا ما توجعت ، وفكرت في وسيلة اخرى للتفاهم وهي الحديث المتبادل والحوار وكان له اثر بالغ في تعديل سلوكهم للافضل .
ووفقا لوزارة التنمية الاجتماعية فإن غالبية الضحايا من الأطفال في عام 2017 من الإناث بواقع 1431 أنثى ،فيما بلغت نسبة الذكور 873 ذكرا وشهد العام ذاته وفاة 7 أطفال في جرائم قتل أسرية، فيما بلغ إجمالي عدد حالات العنف ضد الاطفال عام 2016حوالي 3227 منها 1836 واقعة على اناث والباقي على ذكور.
وفي نفس السياق تؤكد دراسة علمية من جامعة نيو هامشبر البريطانية أن التلاميذ الذين تعرضوا للضرب كثيرا في المنزل تدهورت قدراتهم في التفكير والقراءة والحساب.
الطب النفسي
يقول مستشار الطب النفسي الدكتور وليد سرحان ، إن الأسرة هي وحدة بناء المجتمع ، فيها تبنى الأجيال وإعداد شخصياتهم وصقل مواهبهم، ولا شك أن الجو الأسري الذي يعيشه الفرد يؤثر على التطور النفسي والعاطفي له، ومن أسوأ الأجواء الأسرية التي يمكن للفرد أن يعيشها، هو الجو الأسري المليء بالعنف.
ويضيف السرحان أن العنف الأسري من الظواهر الموجودة لدى كل الشعوب، إلا أن الإتجاه الغالب في المجتمع هو نحو التستر على ظاهرة العنف وعدم الحديث عنها، مما يجعل الإحصاءات في هذا المجال قليلة وغير معبرة، فالذي يتم وضعه في الإحصاءات هو الحالات الشديدة التي أدت للوفاة او الإصابات الجسيمة.
ويشير إلى أن الطفل الذي سينشأ في أسرة مليئة بالعنف لاشك أنه سيتعلم هذا النموذج ، ويحمله معه إلى المجتمع والمدرسة والشارع ،ثم إلى أسرته التي سيكونها في المستقبل ، وسيتوارث العنف جيلاً بعد جيل .
ويتابع ان العنف الأسري قد يكون عنفاً لفظياً كلامياً فيه الصراخ والعويل والشتائم بين الزوجين ، وبين الأبناء ،واحيانا بين كل افراد الأسرة وبكل الاتجاهات ، أما الجانب الأخر فهو العنف البدني وفيه الضرب الموجه من الزوج للزوجة والأبناء ، ثم ضرب الأم للأبناء وبعد أن يشب بعض الأبناء يبدأون بضرب إخوانهم وأخواتهم ،وقد يبدأون بضرب الوالدين وحتى الاجداد،فكل واحد يضرب من هو أضعف منه جسدياً ويكيل له الشتائم ، وهذا هو نظام القيم الذي سيسود الأسرة وقد ينتقل العنف الى المجتمع ويساهم بالعنف المجتمعي بكافة اشكاله .
ويبين ان العنف الأسري أصبح راسخاً في عاداتنا وتقاليدنا في المجتمع العربي، وعلينا معالجة هذه السلوكيات السلبية والمنحرفة ، فالاصل في العلاقة الزوجية هو المودة والسكينة ،واما الفكرة التي قد يحملها البعض بأن ضرب الزوجة منذ الليلة الأولى للزواج سيجعلها مطيعة مخلصة صالحة ، بلا شك أنها فكرة مرفوضة.
ويتابع :»أما العنف الذي يمارسه الوالدان على الأطفال فقد يبدأ منذ لحظة ولادتهم وبأساليب قد لا تكون مقبولة لأي إنسان، مثل ضرب الطفل في الشهور الأولى إذا بكى مما يؤدي لإصابته بكدمات وكسور وخدوش أو أن يحرق بالسجائر، أو أن يهمل ساعات طويلة دون عناية او يهمل تعليمه وصحته وغذاؤه، وهناك أساليب اساءه جنسية متعددة واثارها شديدة على الطفل، وقد تجتمع كل هذه الأساليب معا، وهذه الاساءات المتعددة قد تؤدي للكثير من الاعراض النفسية الفورية واضطرابات أخرى لاحقة قد تبقى معه لسنوات طويلة».
ويشدد على أنه لاشك بأن الأسرة ستعاني من الخلافات والمشاكل بين الحين والآخر ، وهذه المشاكل تتفاقم إذا كان العنف هو وسيلة التصحيح والحل ، فالأسلوب السليم لحل هذه الخلافات هو الحوار الهادف المنطقي بين الزوجين أولاً ثم الأبناء لاحقا، في جو من الحب والإحترام مما يعطي الكثير من الثمار الإيجابية ويساعد على إستقرار وسعادة الأسرة .
ويلفت إلى أنه من الأعذار المعتادة للعنف قضية أن فلان عصبي أو فلانة عصبية بمعنى أنه لا يسيطر على نفسه في لحظة الغضب ، فلا يدري ما يفعل فقد يضرب ويصيح ويكسر أثاث البيت ، وعظام زوجته وأبنائه إذا لزم الأمر أو لم يلزم ، فان هذا الإنسان يعاني من أثار عصبيته الزائدة وعنفه لتجده يبكي ويندم على ما فعل ، إلا أنه يعود ويكرر نفس الفعل كلما غضب ، وقد تبرر بعض الأمهات العنف بأن أحد الأطفال شقي وكثير الحركة ويتطلب الكثير من الرقابة والضبط ، وخصوصاً إذا كان قد وصل عدد الأطفال إلى خمسة وهي حامل للمرة السادسة ، ومما يزيد من التوتر والعنف الأسري تعاطي الكحول والمخدرات التي تفقد متعاطيها صوابه وسيطرته على أعصابه ، وهناك من يشعل سيجارة ويشرب القهوة كلما توتر ، وهذه منبهات ستزيد من عصبيته وسرعة إنفعاله .
ويقول على الأسر التي تعاني من ظاهرة العنف، أن تراجع أسلوب حياتها ، أما إذا كان أحدكم يعاني من عصبية شديدة فعليه بالعلاج، وهذا لصالح حاضر الأسرة ومستقبلها، بل وأكثر من ذلك فهو لصالح المجتمع واستقراره، وإذا كان هناك مشكلة في تعاطي الكحول أو المخدرات أو فرط الحركة عند الأطفال أو الإكتئاب عند الأم، هذه كلها قضايا نفسية قابلة للعلاج.
ان الانكار والاستمرار في الخطأ غير مبرر، والكثير من المشكل الأسرية تتطلب حلولاً بسيطة وبعض المشاكل تتطلب حلولاً أكثر تعقيدا، دعونا نواجهها معا.