الدكتور محمد أبوحمّور

ما جاء في حديث جلالة الملك عبدالله الثاني خلال لقائه مع رئيس مجلس النواب ورؤساء اللجان النيابية حول تطبيق مضامين الأوراق النقاشية الملكية السبع ، يؤكد مسألتين مهمتين: الأولى تتمثل في إشارة جلالته إلى أهمية التطبيق الكافي للأفكار والمقترحات الواردة في هذه الأوراق. والثانية المسؤولية المشتركة المترتبة على المؤسسات المختلفة للقيام بأدوارها المطلوبة لعكس هذه الأفكار بشكلٍ فاعل وجدّي على أرض الواقع، وفق برامج واستراتيجية وخطط تنفيذية في إطار العملية الإصلاحية الشاملة.

لقد حدَّد جلالته بدقة ووضوح التحديات القائمة والمستقبلية التي تتطلَّب منا جميعاً العمل والالتزام المسؤول لتجاوز هذه التحديات بجهد وطني يساهم فيه الجميع، سواء على الجانب الاقتصادي أو منهج التعاطي الجاد لإحداث الفعل النهضوي المستند إلى ركائز الهوية الأردنية، وترسيخ الوحدة الوطنية، والتنمية المستدامة، وبما يحقق الاستقرار المجتمعي كضمان لمستقبل الوطن وأبنائه، وبناء الأردن القوي، وتجاوز التحديات الداخلية وتلك الناشئة عما تفرضه الأوضاع والأزمات الإقليمية والتغيرات العالمية.

لا شك أن في ذلك معالم المنهجية المطلوبة، والتي سبق لجلالة الملك أن أوضحها في الأوراق النقاشية بتأكيد دور المسؤولية الجماعية «في احتضان القيم والممارسات الديمقراطية والاستمرار في تطويرها مستقبلاً، بحيث تتجذر في المنظومة القيمية والتربوية والتشريعية»، وبحيث يسير الحوار والعمل معاً بالتوازي. وهو ما أكده جلالته منذ بداية طرح الأوراق النقاشية الهادفة إلى تحفيز المواطنين للدخول في حوار بنّاء حول القضايا الكبرى التي تواجهنا، وثقة جلالته بأن رؤية المواطنين للعملية السياسية والإصلاحية هي فرصة للوصول إلى أفضل الأفكار والحلول.

ذلك يجعلنا بالفعل أمام سابقة نموذجية في تاريخ الديمقراطيات في العالم عندما نجد أن التحول الديمقراطي وإقامة أركان الإصلاح فكراً وتطبيقاً، هي نتيجة طبيعية وغير مصطنعة في الحوار رأس الدولة والمواطنين مع قائد البلاد وفي إطار حوار وطني عام، قائم على عمق الثقة المتبادلة بين الملك والشعب، والإيمان بقدرة الأردن على التعامل بحكمة واقتدار مع الصعوبات والتحديات، وبالتالي السير في الطريق السليم للبناء الديمقراطي والمستقبل الآمن.

وأستذكر هنا ما تحدث به الأمير الحسن بن طلال رئيس منتدى الفكر العربي، في أكثر من مناسبة ، عن دور الفكر والفكر العملي والدراسة المعمقة في إثراء أبعاد الحوار حول قضايا التنمية والإصلاح، والمساهمة في تنوير سبل العمل نحو ثقافة إصلاح متجذرة في البنيان الوطني الأردني، تحافظ على الثوابت والقيم والمبادىء الراسخة، ولا تنفصل عن أسس الهوية الوطنية الأردنية والانتماء العروبي الإسلامي. وأيضاً إشارة سموه إلى أن عملية الإصلاح السياسي في الأردن ترافقت مع إصدار الأوراق النقاشية الملكية، التي تعد خريطة طريق يتلمس من خلالها القائمون على إدارة الدولة طريقهم السوي في الإصلاح والتغيير نحو مأسسة منظومة الإصلاح الديمقراطي، وتفعيل أضلعه التكاملية الثلاثة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية فضلاً عن المجتمع المدني، بحيث تعمل هذه المكونات معاً على تفعيل الإرادة الشعبية الحرة وتنوير العقل المجتمعي.

في ضوء ذلك كله، بادر منتدى الفكر العربي مستنيراً بالرؤية الملكية كما مثلتها الأوراق النقاشية السبع وبتوجيهات من سمو الأمير الحسن بن طلال رئيس المنتدى ، إلى المساهمة في توسيع دائرة النقاش والتحاور والتفاكر حول مضامين هذه الأوراق، وتعزيز مشاركة مختلف الأطياف الاجتماعية والسياسية والفكرية في سلسلة من اللقاءات الحوارية على مدار (18) جلسة، بدأت على إثر صدور الورقة النقاشية الأولى في نهاية العام 2012 وامتدت في غضون السنوات اللاحقة حتى العام الماضي (2017). وعلى أجندة برامج المنتدى المزيد من الجلسات الحوارية لمتابعة هذه المساهمة والمشاركة الفكرية في بلورة الرؤى الوطنية لعملية الإصلاح والنهوض وآليات تطبيقها.

ويحسن بي أن أشير هنا إلى أن هذا الحوار ترافق عبر امتداده الزمني بما شهدناه وشهدته المنطقة والوطن العربي من تداعيات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية منذ بدايات ما سمّي بالربيع العربي وحتى اليوم، مما أكسب هذه النقاشات والحوارات سمة استقرائية تحليلية متفاعلة ومتنوعة الاتجاهات، شارك فيها ما يزيد على (500) من ممثلي الأطياف الفكرية والنخب السياسية والبرلمانية وقادة الرأي والإعلاميين والأكاديميين والاقتصاديين والقانونيين والقطاع الشبابي وقطاع المرأة، وكذلك ممثلو سائر الشرائح الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني.

ولعل الكتاب التوثيقي للحوارات المُنجَزة حول الأوراق النقاشية الملكية الخمس الأولى، الذي أصدره المنتدى عام 2015 وجرى توزيعه على نطاق واسع بعد إطلاقه في احتفال كبير بالمركز الثقافي الملكي – في أيلول 2015 – يعطي مؤشرات على درجة كبيرة من الأهمية لإرساء منظور متقدم لخريطة الإصلاح، ومبادىء الممارسة الديمقراطية المتطورة، وترسخها في إطار النظام الملكي الدستوري، وضمن العناوين التي حملتها الأوراق النقاشية نفسها، ابتداءً من (مسيرتنا نحو بناء الديمقراطية المتجددة)، مروراً بـ (تطوير نظامنا الديمقراطي لخدمة جميع الأردنيين)، و(أدوار تنتظرنا لنجاح ديمقراطيتنا المتجددة)، و(نحو تمكين ديمقراطي ومواطنة فاعلة)، و(تعميق التحول الديمقراطي: الأهداف والمنجزات والأعراف السياسية)، وحتى الحوارات حول الورقة النقاشية السادسة (سيادة القانون أساس الدولة المدنية) التي صدرت بعد نشر الكتاب وستضم إليه في طبعة لاحقة، وحملت في مضمونها ما أكده المشاركون في الحوار حولها من أن المواطنة تشكل المكون الأساسي في بنيان الديمقراطية، وتجسد سيادة القانون بما يفرض تحقيق الانسجام التام بين الحقوق والواجبات، والتوازي في معادلة شراكة التضحيات/ المكاسب، وتوزيع المكاسب/ الالتزامات، مع ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة وعدالة التوزيع بالنسبة للسلطة والثروة، والفصل المتوازن بين السلطات في نطاق سيادة القانون، بما في ذلك كله من الإصلاح القضائي، واعتماد معايير واضحة للتعيين، ومنع الاحتكار في الوظائف العليا، والفرص المتساوية في العمل والتعليم والصحة، ومحاربة الواسطة والمحسوبية والفساد، واعتماد الشفافية والمساءلة، واعتبار (التنوع مصدر الازدهار الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتعدد السياسي، مع صون حقوق الأقلية كمتطلب لضمان حقوق الأغلبية).

ونظراً لطبيعة المحاور المتخصصة التي اشتملت عليها الورقة النقاشية السادسة وتعلقها بالمجالين الإداري والقضائي، فقد ارتأينا في منتدى الفكر العربي أن نجعل الحوار على لقاءين – عُقد الأول في 25/10/2016، والثاني في 21/2/2017 – وشارك فيهما مختصون وخبراء في المجالين المشار إليهما، فضلاً عن عدد من السياسيين والأكاديميين ورؤساء لجان نيابية، ناقشوا بشكل تفصيلي مضمون الورقة السادسة وقدموا أفكاراً جديرة بالنظر ولا سيما في وسائل وآليات التطبيق عملياً.

ويعمل المنتدى حالياً على متابعة عقد جلسة حوارية حول الورقة النقاشية السابعة لجلالة الملك وعنوانها (بناء قدراتنا البشرية وتطوير العملية التعليمية جوهر نهضة الأمة) الصادرة في نيسان 2017. كما يُعدّ المنتدى لإصدار طبعة جديدة من كتاب (اللقاءات الحوارية حول الأوراق النقاشية الملكية)، مضافًا إليها خلاصة الحوارات حول الورقة النقاشية السادسة (سيادة القانون أساس الدولة المدنية)، وكذلك خلاصة الجلسة 19 المنتظر عقدها حول الورقة النقاشية السابعة.

إننا في ذلك كله نستنير بالرؤية الملكية السامية لنساهم مع فعاليات المجتمع ومؤسساتنا الوطنية في تعزيز المسؤولية الجماعية من أجل تعميق المسيرة الديمقراطية وضمان أسباب نجاحها. ذلك أن استشراف المستقبل ودخوله بثقة عملية تخطيط استراتيجي مبنية على تكامل الأدوار وتناغمها لضمان حصانة الأردن ومنعته.