«ليس هناك أسوأ من أن تتزوج المرأة رجلاً بخيلاً، فحين تقدم لخطبتي رجل ثري كبير في السن يمتلك شقة راقية ،ويحتل منصباً كبيراً ،ولم يسبق له الزواج من قبل كان هذا العريس «لقطة « على حد تعبير والدتي ، فقد كنت وقتها قد تجاوزت الأربعين من العمر ،وبالطبع سأوافق عليه للهروب من صفة عانس التي التصقت بي على مر السنين ، وللأسف لم أشعر خلال فترة الخطبة بأنه بخيل أبداً». بهذه الكلمات بدأت سهى حمدان خمسة وأربعين عاماً سرد قصتها مع زوجها البخيل.
وتابعت حمدان :«توالت الصدمات والمواقف التي أظهرت بخله إبتداء من ليلة الزفاف وحتى الطلاق ، فعند ذهابنا إلى أي مطعم يطلب من النادل أن يجمع له بقايا الطعام المتناثرة من أجل أن نتناولها في اليوم التالي ، حتى أنه كان يقسم كيلو السكر إلى معالق متفرقة ،ولا يحق لي إضافة أكثر من معلقة سكر واحدة إلى كوب الشاي ، والكارثة الحقيقية كانت عندما يدق الباب منذراً بوجود زائر ،فتتغير كل ملامحه خوفاً من أن يشرب هذا الزائر كوباً من الشاي».
وتضيف :«حتى أنه يحاسبني على ما كنت أحمله من هدايا لأقدمها لأهلي ،ويقوم بإرجاعها وتخبئتها لإستخدامها وقت الحاجة ، بالتأكيد لم يستمر زواجي أكثر من عام وكنت سعيدة جداً عندما حصلت على ورقة الطلاق وتأكدت أن لقب عانس أجمل بكثير من العيش مع زوج بخيل».
ومن أهم أسباب البخل عند الزوج أن يكون قد نشأ في أسرة شحيحة اليد فتطبع منها، أو أنه قضى طفولته في حرمان مادي عنيف ، ومن الممكن أنه اكتسب هذه الصفة من احد والديه أو أقربائه ، فظهرت عليه هذه الصفة التي يصعب التعامل معها وتسبب الحرج للزوجة». وفقاً لما صرحت به مها الطاهات المتخصصة في مجال الإرشاد النفسي بدرجة الماجستير.
وتابعت الطاهات:«فلا بد من أن تسارع الزوجة في التخلص من هذه الصفة لدى زوجها التي لا تؤثر عليها وحدها وإنما تطال أطفالها أيضاً فتسبب لهم عقداً نفسية مستقبلية وتؤثر أيضا على النشاطات العقلية لديهم ، وذلك بسبب قلة توفير الفيتامينات التي يحتاجها الجسم، وقلة النشاطات الاجتماعية التي يشاركون بها فيشعرون بعقدة النقص والإحراج بين زملائهم، والتي قد تستمر لمدى الحياة وتتوارث من جيل إلى جيل في هذه البيئة».
أما فيما يخص طرق التعامل مع الزوج البخيل تقول الطاهات :«على الزوجة أن تتخذ خطوات حازمة للتخلص من هذه الصفة فعليها أولاً السيطرة قدر الإمكان على الزوج وأن لا تشعره ببخله، فتبدأ بصعود السلم بالتدريج حيث تكون متطلباتها مقدوراً عليها وتناسب درجة بخله، عدا عن إشعاره بالسعادة والرضا والفرح عند شرائه مستلزمات المنزل والأولاد، وأن تواصل مدحه الدائم أمام الأقرباء بأنه على استعداد تام لتلبية رغباتها ورغبات أبنائها ، ومن أهم الأمور أيضاً أن تتفق معه على توفير مبلغ خاص بها شهرياً لتوفير احتياجاتها واحتياجات المنزل والأطفال».
وتقول هدى (30عاما): «اكتشفت منذ الخطوبة أن من ارتبطت به شخص بخيل ،ولكنني لم أتجرأ أن أقول ذلك أو أن أطلب الطلاق خوفاً من والدي الذي يرفض أن تعود إحدى بناته إلى منزله مطلقة، فأصبحت حياتي من وقتها مجرد تمضية سنين فقد كرهت زوجي وبخله الشديد، حتى سكان المنطقة لم أسلم منهم فهم دائماً ينادون ابنائي بأولاد البخيل وما زلت على هذا الحال حتى اللحظة فجميع محاولاتي معه للتغيير باءت بالفشل، ولكنني مجبرة على العيش معه من أجل أولادي فقط»!
أما أسباب البخل من وجة نظر ربة المنزل أم يوسف فهي :«خلل في تربية الأهل والتشدد المبالغ فيه، التقليل من قيمة أي شيء يجذب انتباه الفرد، عدا عن سوء الحالة المالية للعائلة فمن الممكن أن يكون البخيل قد عاش طفولة صعبة وأصبح لديه حرص مبالغ فيه وصل لحد البخل لا ارادياً، بالإضافة إلى محاولته مجاراة البيئة المحيطة به اذا كانت بيئة تدّعي المثالية، و قد يكون سبب البخل مرض نفسي».
وتقول المترجمة مرام معالي: «من وجهة نظري أعتبر الزوج البخيل ماليا بخيلا عاطفياً، فالبخل المالي والعاطفي خطان يلتقيان منذ البداية ويتحدان مع الوقت ، عدا أن البخل صفة مكتسبة عندما يكون في العائلة شخص بخيل يتأثر الآخرون به، والبخل أحياناً مرض نفسي ناجم عن الخوف من الخسارة. خسارة اي شيء بغض النظر إن كان له قيمة أم لا، لذلك عندما نصادف شخصا بخيلا يجب أن نواجهه بالمشكلة».
دكتور علم الإجتماع فيصل الغرايبة يقول:إن البخل عادة إجتماعية وليست ظاهرة ولا يمكن أن تكون وراثية بالمعنى البيولوجي للوراثة إنما قد تكون تقليداً أو إقتباساً من عادات الآباء أو الأمهات ، ولكن الذي يحصل أن أبناء الأباء البخلاء أو الأمهات البخيلات يتجنبون البخل دائماً بمعنى أنهم ينبذون هذه العادة ويحلون محلها عادة أخرى تقوم على الكرم وعلى النفس الطيبة في الإنفاق.
ويتابع الغرايبة: «إن البخل عادة ذميمة تنكد العيش ويصبح شريك العمر في ضيق من ممارسة شريكه للبخل وتقتيره عليه، وخاصة إذا كانت الزوجة لا تعمل وليس لها أي مصدر للدخل سوى ما يعطيها اياه زوجها، فتكون بذلك في ضيق من سد احتياجاتها الشخصية وحتى إحتياجات الأسرة بما فيها تأمين الغذاء والملبس المناسب وخاصة إذا كان الأب أو رب الأسرة الذي ينفق على هذه الأسرة من ذوي القدرة على الإنفاق وعن سعة ولكنه يقتر ويميل إلى ترشيد الإنفاق ترشيداً شديداً إلى حد ما يوصف بأنه بخل».
ويضيف :«الواقع أنه لا يوجد علاج لهذه العادة فالبخلاء دائماً يواصلون ممارسة بخلهم حتى ولو زادت إمكاناتهم المالية عبر الزمن، وهم يطالبون أبناءهم وزوجاتهم أن ينحوا نفس المنحى من التقتير أو حتى من البخل ويبينون في كل الأوقات أن الحياة ستكون أكثر عسراً وضيقاً وأن الإنسان يجب أن يتدبر الأمر بالتقتير وعدم الإنفاق عن سعة تحسباً لضيق ذات العيش في المستقبل ، فهم يبررون ذلك من باب تأمين مصادر للعيش والإنفاق في المستقبل بشكل مريح ومستمر ودائم».
ويلفت الغرايبة إلى أن :«ديننا الحنيف دعانا إلى أن نكون منفقين ومقبلين على الإنفاق بيسر ونهانا عن التبذير والإسراف، بمعنى أنه دعانا إلى الوسطية في الإنفاق، وأن لا نتوانى عن تقديم العون للمحتاجين والفقراء وأن نؤدي الصدقات ،بالإضافة إلى الزكاة فهي فريضة من الفرائض الخمس التي يقوم عليها الدين».
يذكر أن دراسة مصرية أشارت إلى أن البخل مرض نفسي وتربوي ويعتبر نوعاً من أنواع افتقاد الإحساس بالأمن والأمان، ولهذا المرض بواعث عدة أهمها الحرمان في الصغر أو أن البخيل بالفطرة إنسان أناني ويكره العطاء والإنفاق على أهل بيته.ولفتت الدراسة الى أن هناك نوعا من البخل ظهر عند الرجال بعد أن خرجت المرأة للعمل، وأصبح لها دخل ثابت، وفي هذه الحالة يمتنع الرجل عن الإنفاق حتى تضطر زوجته للإنفاق بدلاً منه.