عمان - ناجح حسن
كانت مشاركة الفيلم الروائي الطويل «تونس الليل» للمخرج التونسي الياس بكّار، واحدة من بين المفاجأت اللافتة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الأخير، لرؤية وأسلوبية مخرجةالفطنة، في تتبع أحوال أسرة عادية داخل لجّة من الأحداث الجسام التي عصفت بتونس قبل أعوام.
بعتبر المخرج بكار المولود العام 1971 والذي درس السينما في فرنسا، أحد أبرز صناع السينما التونسية الجديدة، وسبق له أن أثرى السينما التونسية والعربية بأطياف من المعالجات التسجيلية البديعة منها: «كلمة حرة»، «حائط المبكى» و»أنا فين»، التي تهتم بقضايا ثقافية ووطنية وإنسانية، الى جوار فيلم روائي طويل حققه العام 2004 تحت مسمى «هو وهي»، تختزن مجتمعة، موضوعات تدور حول هموم وطموحات أفراد وجماعات في أكثر من بيئة إجتماعية وسياسية، أنجزها على نحو جمالي وفكري لافتين، سواء على صعيد توظيفه لمفردات اللغة السينمائية، أو في براعته بإختيار قصص وحكايات مستلّة من بطون واقع مجبول بالآلام والأسى والإنكسارات.
برع بكّار في التقاط موضوع فيلمه الروائي الطويل الثاني «تونس الليل»، بعد طول انتظار من التقصي والتروي والتأمل في واقع بيئته الاجتماعي والسياسي والثقافي ، إلى ان داهمته احداث التحولات السياسية في وطنه في الأعوام الخمسة الأخيرة، ثم انطلق في كتابة نص الفيلم الذي جسد فيه معاناة أسرة عندما وجد الأب نفسه وهو الإذاعي المرموق وصاحب الشهرة الواسعة قد أحيل على التقاعد من عمله في الإذاعة، لكن إنصراف باقي أفراد الأسرة عنه نحو ملاحقة اعمالهم ورغباتهم، جعله يعيش في دوامة من العزلة، الاّ من بعض الأصدقاء، الذين يلتقي بهم ليلا في حانة أو مقهى غدا اشبه بنافذة يطلّ منها على أحوال البلد بعيداً عن إنشغالات الذات والأسرة.
آثر بكار تصوير أغلبية احداث الفيلم، في فترة قصيرة كأنها تسري في يوم وليلة وداخل اجواء الليل، وهو ما أضفى على العمل مناخات من الحميمية، رغم تلك الإشارات الدّالة على القسوة والعزلة والضياع، وتدهور القيم والظلم الذي يجري على شخوص الفيلم، نجح في صوغها ببلاغة يبرز فيها الحدث السياسي بسلاسة مجبولة بحراك الواقع اليومي، تترآى فيه معالم تاريخية وثقافية كحال البيت التونسي في تكويناته وديكوراته وتوزيع مساحاته، كل ذلك على خلفية من موروث الموسيقى والأغنيات الأصيلة في نأي عن الوقوع بفخاخ من المباشرة والدعاية أو التوظيف المجاني للفولكلور التونسي.
تغوص كاميرا فيلم «تونس الليل»، في دواخل الأفراد بعمق وجرأة ورصانة، على توازٍ مع توظيفات بكّار الجمالية الذكيّة لعناصر زوايا التصوير والإضاءة في أجواء تونس الليلية، وفوق هذا كلّه، ادارته المحكمة لطاقم الفيلم التمثيلي، الذين برعوا في أداء أدوارهم بشكل شاعري عذب، يدنو من التلقائية والعفوية في قدرتهم على اقناع المتلقي في انتقالهم بين حالات متباينة تكاد تصل احيانا الى درجة من التناقض، كما ظهر لدى الممثل رؤوف بن عمر في دور الأب، والممثلة آمال الهذيلي وهي تؤدي دور الأم، كلاهما نجح في طرح اسئلة وعلاقات واشواق شخصيتهما سواء في بيت الأسرة أو من داخل إيقاع المجتمع بأكمله.