نشاهد لا بل ونعيش - وللأسف - مظاهر حقيقية تتزايد يوما بعد يوم، وتلقي صورة قاتمة بالإشارة إلى عدم المساواة الاجتماعية، والتي يفترض أن يخفف أو يلطف من وجودها التعليم، باعتبارنا مجتمعا قطع التعليم فيه مراحل متقدمة. عدم المساواة ليس فقط في الوضع الاقتصادي؛ أو الدخل الفردي؛ أو الغنى الفاحش والرفاه. بل تعدى ذلك للكثير من نواحي الحياة الاجتماعية والفرص التي يتم توفيرها لأفراد المجتمع، وبشكل متوازن. إذ إن عدم المساواة الاجتماعية بمفهومها الواقعي هو المسؤول عن إضعاف النسيج المجتمعي وبنيته وترابطه، مما يؤثر على طبيعة عمليات التواصل، والتفاهم بين أفراد المجتمع الواحد، ومؤسساته، وليولد لديهم الشعور بأنهم مسلوبو الإرادة، والقدرة على تعزيز المساهمة الفاعلة في بناء وتأطير قوة مجتمعهم وضمن الأدوار الحقيقية ووفقا لقدراتهم. عدا عن ذلك فإن عدم المساواة في التعليم سيؤدي إلى إضعاف النمو الاقتصادي، وتضييع كل جهود القوى البشرية ورأس المال الإنساني، والتمكن من الدعم الحقيقي لبناء المستقبل الذي يسعى إليه المجتمع الأردني.
لذا، فإن على المفكرين الذين يسعون لتعزيز الاقتصاد الوطني: أن يأخذوا بعين الاعتبار الشعور بأن الاقتصاد وتطوره يأتي ضمن مفاهيم العدالة الاجتماعية، وان النمو الاقتصادي لا يرتكز على فئة اجتماعية دون أخرى. وهنا يأتي دور التعليم والتعلم الحقيقي دون تمييز طبقي. إذ يعمل التعليم إذا ما أحسن توظيفه وبشكل حيوي ونشط على تلطيف وتضييق المسافات للوصول إلى الترابط والتماسك بين جميع مكونات المجتمع، من خلال تأكيد مفاهيم العدالة الاجتماعية.
وهنا يكون الحديث عن وجود نظام تعليمي يحقق المساواة التي تنتج فرصا متماثلة لجميع الأطفال والشباب للنجاح والوصول بهم إلى ما يعرف بالتعلم الحقيقي والمبني وفقا لقدراتهم الفعلية. ولكن يبدو أن النظام التعليمي ومنذ أكثر من خمسة عشر عاما لم يسر بهذا الاتجاه. فهو لم ولا يزال لا يوفر فرصا تعليمية متكافئة. إذ تبقى العوامل الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية تلعب دورا حاسما في تقديم تعليم وتعلم متباين، ووفقا للطبقة الاجتماعية، والتي يبدو أن التعليم قد عمل على تعزيزها بدلا من أن يخفف من حدتها، وبعكس اتجاه ما يهدف إليه التعليم بشكل عام.
إن المساواة في التعليم ومخرجاته كانعكاسات تعلمية، ومهاراتية وسلوكية، كانت ولا زالت تشير على عدم قدرة النظام التعليمي على تحقيق مفهوم المساواة الاجتماعية كواقع يمكن مشاهدته، أو عيشه. وهذا ما يمكن أن تلمسه كواقع لمجمل العديد من المؤشرات المحبطة، والتي أخذت بمفهوم الدفع إلى الأمام نحو الخلف. إذ انعكس ذلك وبكل مضامين التعليم في طبيعة الاقتصاد، ونوعيته، ومجالاته بحقيقة لا يمكن تجاهلها. فلا الاقتصاديون قادرين على تلمس المهارات والسلوكيات، ولا حتى المعارف التي يمكن من خلالها بناء الاقتصاد وفق رؤية شمولية للسنوات المقبلة، وكما كانت عليه السنوات الماضية. والدليل على ذلك أننا لم نسهم ولو بجزئية واحدة ضمن اقتصاديات العالم. إن هناك حجما هائلا من الربط بين الاقتصاد والتعليم عبر الزمن، وهذا الربط يبدو جليا واضحا في اقتصاديات المستقبل وللألفية الثالثة، واقتصاديات التقنات التكنولوجية. فالتعليم لم يعد مظهرا شكليا من مظاهر الحياة، فقد يؤدي ذلك إذا ما استمر عليه الحال للإحباط، والسكون الاجتماعي، وأن تبقى الطبقية مبعثها التعليم بدلا من يكون ملطفا لها، ومعززا للعمل والإنتاج، والترابط الاجتماعي. فهل ندرك ذلك، ونعمل برؤية شمولية متوازنة تأخذ بعين الاعتبار كل فرد في المجتمع، وكل فئاته ومكوناته للوصول إلى الهدف المنشود.
*أستاذ التعليم العالي والإدارة التربوية