كان الفنان التشكيلي العراقي خالد الجادر يختبر تلاميذه بالطهو، ويقول من يتذوق الطعام وألوانه ورائحته، يمكن أن ينضج لوحة جميلة.
وهي النصيحة التي عملت بها الفنانة التشكيلية لورا السروجي التي استعادت في معرضها صور الأشياء التي كاد الناس ينساها لفرط ما احتشدت الذاكرة من أحداث.
في المختبر الذي اسسته دارة الفنون ـمؤسسة خالد شومان انبسطت أعمال الفنانة على «بورد» أرضي لزخرفات على الورق كان يلف به الصابون النابلسي، فكرة تستعيد معها ذاكرة الطفلة التي كانت «تقصقص» غلاف الصابون بأشكال تضفي عليها جمالاً وبعضاً من الذاكرة.
وفي المكان امتزجت رائحة كنافة النابلسية، والصابون النابلسي والقهوة، ومشاهدات لوحات الأسلاك الشائكة، ومشغولات التطريز و»البطانيات»، وإعلانات المحال التجارية التي تأسس بعضها في القرن السابع عشر.
في المعرض الذي حمل عنوان «الاستهلال الوطني ونزع الحساسية»، تحاول لورا تغيير الصورة النمطية للمشهد الفلسطيني بكلياته، و»تُسائل نفسها إن كانت بتشبُثها واحتفائها بأيقونات فلسطينية قد طورت نزعة استهلاكية أعفتها من انخراط أكثر جدية بالقضية».
ربما تكون محاولة لتعليق الجرس أو قرع الخزان، لتلفت إلى الصورة المشرقة من التاريخ الفلسطيني منسجمة مع شعار الاحتفالية التي ننظمها الدارة «فلسطين حضارة عبر التاريخ»، لتقول عبر النص البصري مشاهد من الحياة اليومية للإنسان الفلسطيني المجد والعامل والمبتكر، وتمنح ما خلفته الحروب والقهر معان جديدة، وكما يقول محمود درويش: نربي الأمل»،
«هنا،
عند مُرْتَفَعات الدُخان، على دَرَج البيت،
لا وَقْتَ للوقت.
نفعلُ ما يفعلُ الصاعدون إلى الله:
ننسي الأَلمْ.
........
نربي الأمل»
فهي تزرع الأمل بالتقاط الصور ، ومنها الأسلاك الشائكة التي لونتها بالأصفر ليحمل اللون معنى جديداً للأمل بدلاً من الألم والخوف والجبن، وتركز على التطريز متوقفة عند عبقرية المرأة الفلسطينية اللماحة التي انحازت لموقف المندوب السامي همشولد الذي دان العصابات الصهيونية، وخلدته من خلال ترزة التصليبة، وحمامة السلام.
هي تحاول أن تزرع الفكرة بالأمل لتنبت في الأرض التي حرقتها الحروب أزهار الياسمين، ومن جهة تعيد ذلك التاريخ الانتاجي المضيء ضمن مسيرة النضال الوطني الفلسطيني الذي انحاز دائماً للحياة.
المعرض الذي حظي بجمهور من مختلف الأجيال يأتي ضمن برنامج «فلسطين الحضارة عبر التاريخ» الذي أطلقته «دارة الفنون» في عمّان، ويتواصل حتى نهاية أيلول المقبل.
وتتزامن التظاهرة مع مرور 100 سنة على وعد بلفور، وسبعين على قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، وخمسين عاماً على حرب 1967، في محاولة لإبراز دور المدوّنة التاريخية والبصرية في تكذيب السردية الإسرائيلية وتقويضها، من خلال النسيج الذي تمثّله الرواية العربية بوحدة الأرض الفلسطينية التاريخية ووامتداد تاريخها الحضاري بملمحها العربي.