«حبراص».. اسم مكان يدل على أنه كانت بلدة عامرة خلال القرن السادس عشر قبل الميلاد، وأن المصريين القدماء، أيام الفراعنة، عرفوها، وسكنوها بعد قيام فرعون مصر تحتمس الثالث بغزو المنطقة، فقد دخلتها القوات المصرية خلال الفترة 1510/1447ق.م ومكثت فيها نحو مائتي عام، وحبراص تحريف لاسم الإله المصري القديم (حابي حورس) الذي عبده المصريون أيام الفراعنة. وكانوا على عبادته أثناء غزوهم الأردن.
وربما كان اسمها مشتقاً من الفعل (حرص)، ومنه: الحرصة والحارصة والتحريصة بمعنى: الشجة التي تشق الجلد قليلاً. والجدير بالذكر أن حبراص تعني – بالسامي المشترك- الشق أو الصدع أو الثغرة، على اعتبار أنها مأخوذة من حرص، والباء زائدة فيها، فالباء من حروف الزيادة، وعلى هذا يكون أصل حبراص: حراص، علماً بأن كلمة حريص في اللغة العبرية (وهي لغة الكنعانيين العرب) معناها: فلع أو شق أو صدع، ومنها: حروص: مشقوق أو مقطوع. ومعنى حرص (بفتح الراء وليس كسرها) بالعربية: شق.
ويدل على أن حبراص موغلة في القدم تلك الآثار الكثيرة التي تكشفت أثناء أعمال البناء في القرية، حتى أصبحت معظم مبانيها تقوم على آثار قديمة تعود للحضارات التي تعاقبت عليها منذ فجر التاريخ حتى العهد العثماني، ومن أهم الحضارات التي تركت بصماتها في المكان: الرومانية والبيزنطية والأموية والمملوكية.
تقع قرية حبراص في منطقة الكفارات من لواء بني كنانة أحد ألوية محافظة إربد، وتبعد عن مدينة إربد شمالاً ستة عشر كيلومتراً، بينما تبعد عن العاصمة نحو ثمانين كيلومتراً، وترتفع عن سطح البحر حوالي 460متراً. وتقع القرية فلكياً على خط الطول 35 درجة و50 دقيقة شرقاً، ودائرة العرض 32 درجة و40 دقيقة شمالاً.
ويعتبر غزو تيمورلنك لحبراص من أهم الأحداث التي مرت على القرية، وعصفت بها، ففي عام 803هـ/1400م هاجم هذا القائد المغولي بجيوشه التترية مناطق بلاد الشام، بما فيها حبراص التي فقدت على يد تلك الجيوش نحو أربعمائة وخمسين شخصاً من أهلها ثم قتلهم بوحشية بالغة.
ويدل على قدم حبراص وعراقة تاريخها ما فيها من مخلفات أثرية من الأعمدة الحجرية الرومانية والبيزنطية الموجودة على تلة من التلال السبع التي تقوم عليها القرية، ولعل أهم أثر إسلامي في حبراص، بل في منطقة الكفارات كلها، هو ذلك المسجد القديم، الذي بني – كما تدل آثاره- في العصر الأموي، وتمت توسعته وإحكام بنائه في العصرين الأيوبي والمملوكي. ودليل بناء المسجد في العصر الأموي هو أرضيته، حيث بلطت بالأسلوب نفسه الذي بلطت به أرضية مسجد جرش الذي يعود للعصر الأموي.
ويتكون المسجد من بيت الصلاة والمنارة، ومن صحن للمسجد لم يعد تحديده ممكناً نظراً لتراكم الأتربة. كما يشمل المسجد على أروقة ومدخر رئيسي. وقد استخدمت في بناء المسجد حجارة تم انتزاعها من أبنية رومانية وبيزنطية قديمة، فالأعمدة وقواعدها مثلاً تعود إلى عهد بيزنطي متأخر. أما أرضية المسجد فقد رصفت ببلاط حجري غير منتظم، وهو الأسلوب نفسه الذي استخدم في تبليط المساجد الأموية مثل مسجد جرش.
وبيت الصلاة في مسجد حبراص مستطيل الشكل، ولا يزال جدار القبة والجداران الشمالي والغربي صامدين حتى وقتنا الحاضر. وقد أقيم قسم من واجهة القبلة فوق أرض صخرية، وما تزال آثار هذا القسم موجودة أيضاً.
ويتكون بيت الصلاة في مسجد حبراص من ست بلاطات وثمانية عشر صفاً، وإحدى بلاطاته من جهة الباب الرئيس للمسجد عمودية على المحراب، وهناك ثلاث بلاطات على يمينها واثنتان على يسارها. أما السقف فيقوم على عشرة أعمدة بازلتية ذات تيجان تعود للعهد البيزنطي المتأخر، وتتصل فيما بينها بقناطر محمولة ترتكز على أربع عشرة قاعدة متصلة بجدران المسجد؛ خمس منها في كل من جدار القبلة والجدار الشمالي، واثنتان في كل من الجدارين الشرقي والغربي.
ويعتقد أن مسجد حبراص كانت له قبتان، وأن بيت الصلاة فيه كان له بابان أحدهما في الجدار الشمالي والثاني في الجدار الشرقي. ويمكن الدخول إلى الباب الشمالي من مدخل له حاجز يزيد ارتفاعه قليلاً على خمسة أمتار، ويمكن الوصول من خلاله إلى باب المئذنة.
وتقوم في جدار القبلة في مسجد حبراص ثلاثة محاريب منها اثنان ما يزالان موجودين حتى الآن، وقد نحت الجزء السفلي لأحد هذه المحاريب في الصخر. أما مئذنة المسجد فهي مربعة الشكل، ومتصلة بالجزء الشرقي من الجدار الشمالي للمسجد، ويبلغ طول ضلعها أربعة أمتار وأربعين سنتيمتراً. والمئذنة أو صومعة المسجد بُنيت في عهد المماليك، وقد أمر ببنائها السلطان منصور قلاوون (679-689هـ/1279-1290م) وذلك سنة 686هـ1287م. وقد أنيطت مهمة الإشراف على البناء إلى أحد مماليك السلطان، وهو لؤلؤ المنصوري الحسامي، ويستدل على ذلك من نقش موجود على لوحة تأسيسية مؤلفة من حجرين، ويبلغ طولها 133سم وعرضها 46سم. وينص النقش على ما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر أمر بعمارة هذه المئذنة المقر الأشرف الحسامي طرنطاي المنصوري (نائب) السلطنة بتولي العبد الفقير إلى الله لولو المنصوري الحسامي في ظهر صفر سنة ست وثمانين وستمائة».
وقد تم في بناء المسجد والمئذنة استخدام الحجارة المدقوقة متوسطة الحجم، واستخدمت الحجارة الضخمة في الجدارين القبلي والغربي لبيت الصلاة، واستخدم الملاط من الشيد والرمل لربط حجارة المسجد والمئذنة.
وتعرض مسجد حبراص للهدم بفعل العوامل الطبيعية، إلا أن جزءاً منه أعيد استخدامه في العصر العثماني، حيث بنيت الجدران في وسط بيت الصلاة باستثناء جدار القبلة، واستخدم المحراب الرئيسي للمسجد القديم، واستخدمت القناطر لرفع السقف المكون من القصب والخشب كغيره من السقوف التي شاعت في بناء البيوت خلال العصر العثماني، وفي أوائل القرن العشرين الميلادي.
وقد ورد في دفاتر الطابو العثمانية ما يشير إلى عدد سكان حبراص، وأهم حاصلاتها الزراعية خلال العصر العثماني، فقد ورد في دفتر الطابو رقم (430) أن بها ثمانياً وسبعين أسرة، وأن حاصلاتها من الحنطة بلغت ثمانين غرارة، ومن الشعير عشرين غرارة.
وورد في دفتر الطابو رقم (401) أن «قرية حبراص تابع بني كنانة زعامة بنام رمضان بك، فيها تسعون خانة (أسرة) ومجردان اثنان وإمامان اثنان». وورد في الدفتر أن حاصلات القرية من الحنطة بلغت ثمانين غراره، ومن الشعير عشرين غرارة.
أما دفتر الطابو العثماني رقم (99) فقد ورد فيه أن في القرية ستاً وخمسين أسرة، وثلاثة وثلاثين فرداً من العزاب، وثلاثة مؤذنين، وثلاثة خطباء. أما حاصلاتها فكانت خمسين غرارة من الحنطة، وعشرين غرارة من الشعير.
وتعد قرية حبراص من أجمل مناطق لواء بني كنانة، فهي ذات طبيعة خلابة، وتشتهر في الوقت الحاضر بزراعة الزيتون والتين والصبر والرمان. وتوجد في وسط القرية عين ماء تسمى (عين حبراص).
أخيراً تعد دار تحفيظ القرآن أهم معالم البلدة بعد مسجد حبراص الأموي.
أستاذ علم التاريخ/ الجامعة الأردنية