خلافاً للتصور السائد بأن الصدق سمة أخلاقية تلازم المرء في كل أحواله، يبرز الصدق في العلاقات الاجتماعية كـ «قرار انتقائي «نحن لا نمنح حقائقنا العارية لكل عابر سبيل، بل نحتفظ بها لمن نثق في قدرتهم على استيعابها، ومن هنا يتجلى مفهوم «الانتزاع»؛ فالصدق لا يتدفق تلقائياً، بل هو استجابة ذكية لبيئة آمنة يفرضها الطرف الآخر بوعيه ونضجه، ليتحول الصدق من مجرد «قول للحقيقة» إلى «مكافأة» تُعطى لمن أثبت جدارته بالثقة.
إن عملية «انتزاع» الصدق لا تعني القسوة أو الضغط النفسي، بل هي فن تفكيك الدفاعات النفسية لدى الآخرين، فالإنسان بطبعه يميل للاحتماء خلف أقنعة اجتماعية لتجنب الانكشاف؛ والطرف البارع في بناء العلاقات هو من ينتزع هذا الصدق عبر «الأمان الفائق»، وأنت تنتزع الصدق حين تمنح الآخر يقيناً بأن حقيقته -مهما كانت صعبة- لن تُستخدم ضده يوماً، وبأن عيوبه ستُعامل بامتنان لكونها كُشفت أمامك، لا كأدوات للإدانة.
اليوم نعيش في عالم محكوم بـ «البروتوكولات» والمجاملات التي أفرغت التواصل الإنساني من جوهره، مما جعل الصدق عملة صعبة تتطلب مجهوداً لاستخراجها، وهذا «الانتزاع» هو في جوهره فعل مقاومة للتزييف؛ فالصداقة الحقيقية لا تبدأ حين يتفق الطرفان، بل حين يمتلك أحدهما الشجاعة لقول ما لا يجرؤ الآخرون على قوله، إنها اللحظة التي يقرر فيها المرء التخلي عن جاذبيته الاجتماعية مقابل أن يكون حقيقياً، وهي لحظة لا تحدث إلا بوجود «محفز» بارع في الطرف المقابل.
لماذا يتردد الناس في منح الصدق؟ لأن الحقيقة لها ضريبة باهظة قد تصل إلى خسارة المكانة أو هدم الروابط. لذا، يصبح الصدق رهيناً للمناخ النفسي؛ فإذا كان المناخ محقوناً بالأحكام المسبقة، انزوى الصدق في الزوايا المظلمة، إن انتزاع الصدق يتطلب بناء جسور من «الشفافية الراديكالية»، حيث يدرك الطرفان أن المخاطرة بكلمة الحق هي السبيل الوحيد للنجاة بالعلاقة من مستنقع السطحية والملل.
ومع مرور الوقت، يتحول الصدق من فعل يتطلب مجهوداً لـ «انتزاعه» إلى حالة من التدفق الطبيعي وهذا التحول الكيميائي في العلاقة يحدث حين يثبت «المنتزع» أنه مخزن أمين للأسرار، وحين يدرك الطرف الآخر أن الصدق لم يعد مغامرة بل هو «اللغة الرسمية» للرابطة بينهما، وهنا يندمج الجهد بالنتيجة، ويصبح انتزاع الصدق ممارسة يومية صامتة تعتمد على النظرات والمواقف أكثر من الكلمات المباشرة.
في الختام، يجب أن نعي أن مسؤولية الصدق تقع على عاتق «المستمع» بقدر ما تقع على «المتحدث» إن الصدق لا يُمنح بل يُنتزع بمدى رحابة صدرك، وعمق إنصاتك، وتجاوزك للأنا الضيقة، وإذا أردت واقعاً اجتماعياً صادقاً، فلا تبحث عن الصادقين فحسب، بل كن أنت الشخص الذي يُجبر الآخرين بنبله ورقيه على أن يخلعوا أقنعتهم طواعية أمامك؛ فالحقيقة لا تسكن إلا البيوت التي تُشرع أبوابها للفهم لا للمحاكمة.