آهاتٌ أنتِ أيتها الدنيا، ومكابدتك لا تزيدنا إلا إصراراً، ذلك أنه إذا أراد أحدنا أن يقف ساعةَ سعادةٍ مع الحياة فإنه سيقف على رمادٍ تحته جمرٌ سَرعان ما يخلُصُ إلى قدميه.
وتتعدد آهاتُ الدنيا بتعدد آلامها ويبقى الحلّ معها أن نُقبلَ عليها كما هي. وأن لا نتقاعس عن السّعيِ الحثيث على إسعاد أنفسنا وإسعاد الآخرين ، في عمليّة تعاونيةٍ تشاركيةٍ حتميةٍ، تزداد هذه العملية (الإسعادية) حتميةً كلما اقتربَ أحدنا من تراب وطنه، أو التراب الذي يعيش عليه مقيمًا أو ضيفاً.
واليوم تعالوا نعيش مع أجواء الجنوب الشامخة في جبالها، العالية بهمة أبنائها، ولكنها الباردة في شتائها الذي لا يرحم، (والراحمون يرحمهم الرحمن). في قريةٍ أقلّ مآسيها الفقرُ، وأكبر معانتها نسيان الزمان للمكان الذي يعيشون فيه
إنها قرية بُربيطة: ولمن لا يعرفها – وكثيرٌ ما هُمْ – هي: إحدى قرى محافظة الطفيلة، تقع قريبًا من سدّ الحسا، ولكنّ أهلَها لا يجدون ما يحتسونه في ظلام الليلِ عديمِ الإنارة، في القرن الحادي والعشرين، وهم لا يجدون طريقًا يسلكونها لطلب الرزق إلا تلك الجبال الراسيات التي تعلموا منها الثبات على حبّ أوطانهم، يقتاتون من الرعي وزراعة الجوّافة ذات الجودة العالية، التي ينافسهم عليها أصحاب الاستيرادات العالية، فتنزل أسعارها لترتفع مآسيهم.
هذه القرية فيها مدرسةٌ مميزة، و يمكن لكلّ الأردنيين أن يفخروا بأبناء تلك المدرسة بل والقائمين عليها من المعلمين والإدارة الذين يعيشون الألم والعذاب مع إشراقة كلّ يومٍ، ومنبع الفخر بطلاب مدرسة بربيطة، أنهم يقولون عن المسافات الطويلة التي يقطعونها للوصول إلى الغرف الصفية (المتواضعة) : تتعب السيارات ولا نتعب نحن.
ولست أقول : إنّ مبنى المدرسة الذي تمّت صيانته من أحد المحسنين من الإمارات، بأفضل من بيوت الطلبة التي بها يقطنون، فهي بيوت تكابد الأحوالَ المأساوية، لدرجة أنها أصبحا قرينين مقترنين (البيت والمأساة) لا ينفكان عن بعضهما، فليس ثمّة مقومات عيشٍ تسعدهم .. وهم ينتظرون الأمل مع فسحة قلوب المخلصين من أبناء الأردنّ الكرام.
واليوم قرية بربيطة، تعني للأردنيين الشيء الكثير، ففي قريتهم يعيشون حياةً تقف على أعتاب أولي الأمر، وكلّ المخلصين من أوطاننا ليحققوا لهم مزيدًا مِن النظرة الحانية الأخوية (الإسعادية) لتكونَ دافعةَ بلاءٍ عن المحسنين الأبرار. والجميل في الأمر أنّ أهالي بربيطة لم يتحدثوا عن معاناتهم فهم يألفونها ويعايشونها، فأولادهم لا يعرفون الشاورما ، وبعضهم لا يعرف (الشاور) . أما البرغر الذي يعرفونه في أعالي جبال نيبال ، فأبناء الوطن العزيز (الأردن) من أبناء بربيطة لا يعرفونه.
وهذا أمر لا يعيبهم، ولكنني أتحدث اليومَ عن مأساةِ أطفالٍ لا يجدون نعلا يلبسونه، ولا كساءً يرتدونه، ولا طعاماً يغذّي أجسادهم، ولا يعرفون شيئًا سوى أنهم أهل طموحٍ وكبرياء، فوالله إنّ الأديب ليعجب من أدبهم، ولعلّ ذلك من تربية بيوتهم، كما هي تربية أبناء الأردنّ والعرب الكرامن أو هي من تربية المعلمين في مدرستهم.
فهل سيأتي اليوم الذي يتمّ تأهيل مثل هذه المنطقة الزراعية، لتزداد من العمل الدؤوب والإنتاجية مما يوفر لهم حياةً كريمةً، فليس بعيدًا عن أهل الخير أن يوفروا لهم وسيلة نقل (باص) من وإلى البيت والمدرسة، ناهيك عن اللباس والطعام ، واستثمارات في تلك المنطقة – وشبيهاتها – ويبقى شعار العمل الخيريّ، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدالّ على الخير كفاعلِه).
وإنني أسأل اللهَ أن يديم على بلادِنا نعمةَ الأمن والأمان في ظلال الإيمان والقيادة الرشيدة. وأنْ يخفف معاناة القرى النائية الفقيرة، ولكنها غنية بحبّ أوطانها، فهي تستحق التقدير.