يستطيع مؤيدو حركة فتح وقيادتها, الزعم بأن مؤتمر الحركة السابع قد اصاب نجاحا كبيرا وافشل «مُخططات» عدة لتمزيق الحركة او «اختطاف» قرارها المستقل,الذي هو تلقائياً في عُرِف هؤلاء, القرار الوطني الفلسطيني. كون فتح منذ العام 1968 قد امسكت بهذا القرار وبات جزءا لا يتجزأ من مصادر «قوتها» وارتفاع شعبيتها واتساع تمثيلها وغيرها من السرديات, التي دأب مُنظِروها على تكراره كـَ»لازمة» ثابتة في كل احاديثهم وتصريحاتهم ومؤتمراتهم, وخصوصا عند مفترقات الطرق الصعبة, التي واجهتها القضية الفلسطينية وتصدُّر فتح مهمة اتخاذ القرار في هذا الاتجاه او ذلك.

كذلك يستطيع مناوِؤ الحركة او الذين يتخذون منها موقفا نقديا, وليس عدائياً، ان يجدوا في انعقاد المؤتمر السابع مجرد معركة»خاصة» خاضها رئيس الحركة والفريق المحيط به ,من اجل تعزيز مواقعهم الشخصية ودحر المعسكر او المعسكرات التي ناصبتهم العداء او اتحدت لمنافستهم, بصرف النظر عن الطريقة والاسلوب والمقاربة التي اتخذوها, عبرالإحتماء بالدعم الخارجي, عربيا كان ام اسرائيليا ام دوليا, او من خلال السعي لحشد المؤيدين من داخل الحركة واستمالتهم بطرق شتى, مالية و مناطقية و جهوية, الى ان استقرت الحال على وصفهم بـِ «المُتجَنِّحين»الصفة التي ألصقت خاصة بجماعة محمد دحلان، هذا الفتحاوي المطرود من عضوية الحركة, والذي برز فجأة كمنافس لرئيس فتح, دون ان يكون احد منهما لجأ الى الاسلوب الديمقراطي للبروز كقائد عبر الاقتراع الديمقراطي, وليس وفق الاساليب المعروفة التي تسبق «ليالي السكاكين» التي يبرع قادة فتح في تنظيمها, منذ سطوع نجم الحركة وقادة الصف الاول فيها... حتى الان، حيث شهدت عمليات تصفية وتغييب وطمس على اسماء وقيادات كل ذنبها انها اجتهدت وفكّرت بصوت عال او عارضت ضمن الاطر المعروفة, لكنها بَدَتْ في نظر «الاباء» المؤسسين وأزلامهم, خارجة على المألوف ومتمرِّدة على السائد, الذي تُردَّد فيه هتافات التمجيد والولاء.

أيّاً كان ما انتهىت اليه»مُخرجات» المؤتمر السابع لحركة فتح, وأيّاً كان المعسكر الذي تقدم الصفوف وبات اسير نتائج الانتخابات التي افرزت لجنة مركزية جديدة ومجلسا ثوريا جديدا(باستثناء انتخاب رئيس الحركة «عباس»الذي تم بـ»التصفيق».. فقط لاغير)، أُطيح خلال عملية التصويت التي كانت تسير في اتجاه معروف,بشخصيات معروفة, إلاّ في حالات استثنائية, فإن الحصاد «السياسي» لهذا المؤتمر كان متواضعا ان لم نقل أَقلّ من متواضع، ليس فقط في ان «البرنامج» السياسي الذي قُدِم للمؤتمر كان عاديا, جرى التصديق عليه بلا مبالاة وفي سرعة قياسية عكست عدم الاهتمام بما يجري في ساحات الصراع المحتدم مع العدو الصهيوني, والأكلاف الباهظة المُترتبة على مواصلة «خط»السلطة (اقرأ فتح) بالبقاء في دائرة المفاوضات العبثية والتنسيق الامني (المقدَّس.. حتى لا ينسى احد) مع جيش الاحتلال, والاكتفاء باصدار بيانات الادانة والشجب ضد عمليات الاستيطان والتهويد ومصادرة الاراضي وفصل القدس عن الضفة الغربية، وغيرها من القرارات الصهيونية الرامية علنا الى تصفية القضية الفلسطينية واجبار «ممثلي» الشعب الفلسطيني الذين هم في موقع القرار والاعتراف الدولي بـ»شرعيتهم» كما يحلو لهم ان يصفوا انفسهم، بل وايضا في عدم بروز اي «معارضة» لهذا النهج ولو لمجرد «إلباس» مؤتمر فتح لبوساً ديمقراطياً وتعددياً, كما كانت توصف ذات يوم ديمقراطية «غابة البنادق»، التي كانت ترعاها الحركة «الأم» التي تستعد بعد ثلاثة اسابيع, للاحتفال بذكرى اطلاقها الثورة الفلسطينية المعاصرة قبل اثنين وخمسين عاماً.

عدم مغادرة فتح مربع المفاوضات وانعدام الرغبة لديها في طرح بدائل نضالية جديدة غير تلك «اللازمة» التي سئم الشعب الفلسطيني من كثرة تكرارها، دون ان يلوح في الافق اي امل بحدوث تغيير في سلوك القيادة الفلسطينية غير التلويح بالذهاب الى الامم المتحدة, وليس مجلس الامن الذي قيل طويلا وكثيرا انه سيتم اللجوء اليه قبل نهاية العام الجاري، فاذا بموعد «التهديد» يُرَحَّل للعام المقبل، بالطبع لعدم احراج ادارة اوباما الراحِلة, ورهانا على وَهْمٍ... غير مؤكد كالعادة, بان الامر سيكون متاحا، رغم وجود ادارة اميركية جديدة اكثر صداقة ودعما واعجابا والتصاقا باسرائيل, وبالتأكيد عديمة الاهتمام بالصراع الفسطيني الصهيوني, الاّ على قاعدة الدعم غير المحدود لاسرائيل في وجه «الإرهاب» الفلسطيني الذي تواجِهها.

في السطر الاخير ليس ثمة تداعيات في مؤتمر فتح الاخير غير الحديث عن تعزيز مركز «رئيس» الحركة وانسجام مخرجات الانتخابات (وليس القرارات الختامية) التي جرت على هامشه للجنة المركزية والمجلس الثوري، والهزيمة المدوية التي لحقت بمعسكر دحلان، على نحو تم اختزال القضية الفلسطينية.. بين عباس ودحلان, وكأن مستقبل الشعب الفلسطيني وما يلحق به من اضطهاد وعسف وتنكيل وحصار وتجويع ومصادرة للاراضي, قد تم حلّها وان «الدولة» المستقلة قد باتت على «مرمى حجر»...فيما قال الرئيس نفسه في خطابه «الختامي» الذي قوبل بتصفيق ووقوف من قبل الحضور, على نحو تواضعت فيه كل مقارفات وتمثيليات معظم الانظمة العربية، بان يكون موعد «الدولة العضو في الامم المتحدة» العام المقبل.

دولة «افتراضية»... قد (وليس مؤكدا ابدا) تحمل الرقم ,194 لكنها مجرد دولة على ورق الامم المتحدة الازرق, اما على الارض فالكنيست قد شرعن المستوطنات عبر «قانون التسوية»، فيما هم في مبنى «المُقاطَعة».... يحتفلون.

kharroub@jpf.com.jo