وفي هذا السياق، صدر نظام تنظيم الإعلام الرقمي رقم (13) لسنة 2026، الذي يمثل خطوة تشريعية مهمة لتنظيم عمل المؤثرين وصناع المحتوى من خلال إخضاعهم لإجراءات التسجيل والترخيص ووضع إطار قانوني واضح لممارسة هذا النشاط. فقد انتقل المشرع الأردني من مرحلة غياب التنظيم القانوني إلى مرحلة مراقبة النشاط الرقمي وإخضاعه لقواعد قانونية محددة، إضافة إلى تنظيم وسائل البث والنشر الرقمي وآليات الرقابة الإدارية عليها.
ومع أهمية هذه الأحكام في ضبط القطاع وتنظيمه، إلا أن النظام لم يتناول بصورة خاصة المسؤولية الجزائية الناشئة عن استغلال النفوذ الرقمي أو الثقة التي يتمتع بها المؤثرون لدى متابعيهم، وإنما أبقى هذه المسائل خاضعة للقواعد العامة في قانون العقوبات وقانون الجرائم الإلكترونية. وهنا تبرز إحدى أهم الإشكاليات القانونية المرتبطة بظاهرة المؤثرين، والمتمثلة في مدى كفاية الأحكام الجزائية العامة للتعامل مع الجرائم التي قد ترتكب باستغلال المكانة الرقمية والنفوذ الذي يتمتع به أصحابها، أم أن خصوصية نشاط المؤثرين تستدعي تدخلا تشريعيا أكثر تخصصا.
فمن الناحية القانونية البحتة، لا يوجد ما يمنع من تطبيق النصوص الجزائية القائمة على المؤثرين كما تطبق على غيرهم من الأشخاص العاديين، ذلك أن جرائم الاحتيال والابتزاز والذم والقدح والتشهير وغيرها من الجرائم لا تتغير طبيعتها القانونية تبعا لصفة مرتكبها، وإنما تبقى خاضعة للأركان والشروط ذاتها التي حددها القانون.
ويؤكد هذا الاتجاه أن قانون الجرائم الإلكترونية لم يخصص أحكاما جزائية خاصة بالمؤثرين أو صناع المحتوى، وإنما أخضعهم للقواعد العامة المطبقة على جميع مستخدمي المنصات الرقمية. ومع ذلك، فقد أخذ هذا القانون في المادة (28) منه بفكرة تشديد العقوبة في بعض الحالات، فنص على مضاعفتها إذا ارتكب الجاني جريمته مستغلا وظيفته أو عمله أو الصلاحيات الممنوحة له.
غير أن هذا التنظيم التشريعي، رغم أهميته، لا يجيب بصورة كاملة عن خصوصية الدور الذي يؤديه بعض المؤثرين في الفضاء الرقمي. فالجريمة التي يرتكبها شخص عادي قد يقتصر أثرها على عدد محدود من الأفراد، بينما يمكن للفعل ذاته إذا صدر عن مؤثر يتابعه مئات الآلاف من الأطفال والبالغين أن يؤدي إلى أضرار أوسع بكثير بسبب الثقة التي يتمتع بها لدى جمهوره وقدرته على التأثير في قراراتهم وسلوكهم.
ومن هنا يمكن التفكير في تطوير التشريعات النافذة من خلال اعتبار استغلال النفوذ الرقمي أو المكانة التي يتمتع بها المؤثر لدى متابعيه ظرفا مشددا للعقوبة في بعض الجرائم الإلكترونية، وذلك على غرار ما هو معمول به في حالات استغلال الوظيفة العامة أو المركز الوظيفي لارتكاب الجريمة. فالمسألة لا تتعلق بصفة المؤثر بحد ذاتها، وإنما باستغلال هذه الصفة كوسيلة لارتكاب الجريمة أو تسهيل وقوعها أو توسيع نطاق آثارها.
وفي جميع الأحوال، فإن إصدار نظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026 يمثل خطوة تشريعية مهمة تحسب للمشرع الأردني، إذ نجح في معالجة جانب أساسي يتعلق بتنظيم نشاط المؤثرين وصناع المحتوى وإخضاعه لمتطلبات التسجيل والترخيص والرقابة القانونية. غير أن التطورات المتسارعة في الفضاء الرقمي تكشف أن التنظيم الإداري وحده قد لا يكون كافيا لمواجهة جميع التحديات التي تفرضها ظاهرة النفوذ الرقمي، الأمر الذي يبرر فتح نقاش قانوني حول مدى الحاجة إلى تطوير المعالجة الجزائية لبعض الأفعال التي ترتكب باستغلال المكانة الرقمية والثقة التي يتمتع بها المؤثرون لدى جمهورهم.
ويبقى التحدي التشريعي قائما في مواكبة التحولات التي فرضها اتساع النفوذ الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي. فكلما اتسع نطاق التأثير الذي يمارسه المؤثر على جمهوره، تعاظمت في المقابل مسؤوليته القانونية عن كيفية استخدام هذا النفوذ والآثار المترتبة عليه.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية