الأغنية الرقمية والمسؤولية عن العنف

تاريخ النشر : الجمعة 10:00 21-10-2016
4694

قبل أن يشغل القارئ ذهنه في معنى الأغنية الرقمية، والتساؤل إن كانت لدينا أغنية أخرى غير رقمية، سأبدأ بتعريفها على النحو الآتي: هي الأغنية التي نشأت في حضن التكنولوجيا الذكية، وجرت معالجتها؛ لإدخال أصوات ومؤثرات تصاحب أداء المغني. ويصبح المعنى أكثر وضوحاً، حين تكون الأمور السابقة ضمن أداء مشهدي في غاية الجودة والنقاء (الفيديو كليب)، وتبث للمشاهد دون إلقاء الضوء على فرقته الموسيقية، أو حتى التركيز على أدائه الغنائي وثبوته النسبي في مكان معين أو لباس معين.

ذاكرة الأغنية

كانت الأغنية العربية تتطور في خطى واثقة منذ افترقت عن معنى «الأغنية الشعبية» التي تنشأ في مجتمع شفوي يجهل الكتابة، وتحظى بالذيوع والانتشار بحيث يغيب اسم منشئها الأول، وتتحول ملْكيتها إلى الشعب. فصار هناك كاتب كلمات، وملحن، ومغنٍّ ترتبط الأغنية أكثر ما ترتبط باسمه شخصيّاً. في تلك الفترة، كانت الأغنية تميل إلى الإيقاع الهادئ، والاعتماد على الأداء أكثر من الموسيقى، وكانت الأغنية طويلة إلى حد كبير؛ حتى تعطي المستمع انسيابية الفن في الدخول إلى قلبه وإحداث تلك الهزة العنيفة (الطرب) في داخله، وفي الوقت نفسه، كان قرب المجتمعات من الشفوية قادراً على انتقاد ما يحدث، والإسهام في تعديل المسار عند الانحراف قليلاً أو كثيراً.

أخذت الأغنية -التي توظَّف فيها الآلات الموسيقية في الفترة الشفوية، كاليرغول والناي والربابة والعود- تحظى باهتمام المستمع وتستأثر بنصيب وافر في ذاكرته، فيرددها في لحظات الشعور بالفرح، ويوظفها في مناسبات معينة. كانت هذه الأغنيات تناسب الفترة التي نشأت فيها، وهي الفترة الانتقالية نحو عصر الثورة الصناعية، وما رافقه من سيادة الماكينات على الجهود البشرية.

بعد أن دخلت الماكينات إلى الحياة اليومية، أصبحت الأغنية قادرة على التقاط الفرد من الصخب إلى ما يحقق له التوازن بين التغلغل البطيء للتكنولوجيا والميل إلى السكينة عبر الانتقال إلى أجواء مريحة تتعانق فيها الكلمة مع اللحن والأداء، فيشعر الفرد أن ما يسمعه يؤدي حاجةً روحية لديه، وهكذا ينتقي مطربه في الصباح قبل أن يتوجه إلى عمله أو وهو يشرب فنجان الشاي، وينتقي مطربه في المساء وهو يرخي أعصابه المشدودة بعد عمل طويل في النهار.

تشويش الذاكرة

على مستوى الكلمات، بدأت تتسلل إلى الأغنية عبارات تدلّ على العنف المشروط، ونعني بهذه التسمية: أنه سيحدث كذا (كاقتلاع العيون، وشرب الدم)، إذا حدث كذا (نظر أحدهم إلى محبوبته، أو تزوجها غيره). وجرى كذلك تغييب الموال من بداية الأغنية الذي كان يُنبه المستمع إلى سحر الكلمة قبل سحر الموسيقى الذي يأتي كالموعود المنتظر. وعلى مستوى اللحن الموسيقي بدأت مؤثرات صوتية تأخذ أشكالاً متنوعة غير منسجمة مع ذوق المستمع السليم تتضمن معنى (DJ)، وتتفنن البرامج الذكية في تحريرها وخلطها ودبلجتها ومونتاجها، ومنها: صوت ناجم عن ترجيع خاطف لحركة الأسطوانة المسموعة، وصوت إطلاق الرصاص أو تكسير الزجاج أو الضغط المفاجئ على فرامل السيارة، وأصوات متوحشة تثير الرعب.. إضافة إلى إحداث تنويع إيقاعي شاذ، وهو ما يجعل المستمع ينتقل من حالة انسيابية تقوده إلى الإحساس بجماليات الفن الفائقة، إلى الإحساس بقسوة الفن على قطع تلك الانسيابية أو التشويش عليها.

أما المطرب، فقد باتت قوة حضوره تتراجع لصالح الموسيقى، وباتت له سمة غالبة كالتخصص بالكلاسيكيات، أو الوطنيات، أو الرومانسيات، أو الأغاني التي تحلّق خارج السرب كالجرأة في أداء كلمات تخرج على اللباقة تجاه التعبير عن الحب وغير ذلك. وفي الأحوال كلها، صار السعي إلى النجومية عبر التحليق خارج السرب هدفاً لدى الكثير من المغنين الذين يريدون بلوغ هذه النجومية بأقصر الطرق مهما كلَّف الأمر.

أضاف (الفيديو كليب) إلى ما سبق مشكلات أخرى، يقف على رأسها: تزامن الإيقاع السريع والصاخب للأغنية مع المشاهد السريعة التي تجعل التقاط الأنفاس من أجل التأمل، والإحساس بملامسة القلب، عملية مرهقة وصعبة للغاية، وهو ما جعل الأغنية تُشاهَد كأنها لعبة بمؤثرات صوتية مناسبة، وجعل ما يُستمع إليه كأنه تسويق رخيص لفكرة النيل من المرأة بشهوية تغيب عنها الرومانسية، كالبدء بتركيز عدسة الكاميرا على قدميها فساقيها حين تنزل من السيارة، وغير ذلك من الأمور التي جعلت كلمات الأغنية تخرج عن كون المرأة رمزاً لقيمة معينة، إلى كونها جسداً، وهو ما أدى إلى نشوء مستمع يُقدَّم إليه المعنى جاهزاً؛ ليستهلكه دون التمحيص فيه.

ربما يكون ما يحدث سبباً لدى بعض المغنين للّجوء إلى أغاني الزمن الجميل، أو تلحين وأداء كلمات من عيون الشعر العربي قديمه وحديثه، أو حتى التغني بقصائد صوفية يعتقد مؤدوها أنها ستهز الوجدان هزّاً في هذا الزمن الصعب الذي يغيب فيه صوت الناقد الغنائي المؤثر غياباً كاملاً. كل هذا جائز؛ فالشاعر محمود سامي البارودي (1838-1904) الذي يرتبط اسمه بنشوء الشعر الحديث، كان دافعه لإحياء القصيدة الكلاسيكية، مواجهة الإسفاف بالشعر عن طريق إعادته إلى زمن الفصاحة والجزالة. وربما يكون ما يحدث أيضاً سبباً لدى آخرين للتمسك بالغناء في المنطقة الوسطى: الأصالة والحداثة، حتى وإن تخطت بعض أغنياتهم إلى الرقمية. والأمر نفسه، يحدث لدى المستمعين الذين يلجون عبر هواتفهم الذكية إلى مواقع الفيديو الشهيرة، وعبر الفضائيات المتخصصة التي تعنى بتقديمها؛ للاستماع إلى أغاني الزمن الجميل هروباً من صخب وإسفاف ما يحدث.

وإذا كانت الإفرازات الهرمونية للدماغ (الأوكسيتوسين، والإندروفين، والسيراتونين، والدوبامين) تنشط من الناحية العلمية، عند الإحساس بتدفق وانسيابية الفرح والسعادة من جراء ما يستمع إليه الفرد، فإن المنطق يوحي لنا بأنها ستتوقف عن ذلك أو تتباطأ عند الإحساس بتوقف تلك الانسيابية نتيجة مؤثرات غير منسجمة مع السياق، فتنشط إفرازات هرمونية أخرى (الكورتيزول) تعبيراً عن المشاعر السيئة تجاه ما يحدث. قد يبدو الأمر غير ذي بال حين نستمع إلى أغنية ذات فترة زمنية قصيرة يحدث خلالها التشويش مرتين أو أكثر، ولكن يغدو الأمر مشكلة مؤرقة حين يحدث في أغنيات كثيرة تتخذ النمط نفسه، أو تقلِّد أغنيات غربية تقليداً سيئاً غير متوافق مع طبيعة الأغنية العربية وحركة تطورها.

لا يريد هذا المقال الانتهاء بنتيجة أن معظم ما يحدث يسير في الطريق الخاطئة؛ فهذه النتيجة غير صحيَّة؛ ذلك أننا نعيش في سياقات التكنولوجيا الذكية، ويُفترض أن تنعكس الرقمية على مظاهر مختلفة من الحياة، ولكن هذا الانعكاس ينبغي ألّا يكون عشوائيّاً بسبب عشوائية ما تم إنتاجه.

إن الأغنية التي نستمع إليها عبر هواتفنا الذكية، وعبر إذاعات (FM) التي ترافقنا خلال قيادة السيارات، وفي مناسبات كثيرة، تتحكم في مزاجنا، وفي توجيه دفته بعد تراكمات متعددة تسير في الاتجاه نفسه، وغالباً ما يكون الاضطراب في المزاج وتغيراته، والتصرف الخاطئ قبل التفكير في نتائجه يعود إلى تربية أذواقنا على ما نعتقد أنه فن يعبّر عن الزمن المتغير.

من المؤكد أن الأصيل يمكث، والغثاء يكون مدهشاً في وقته ثم يذهب، وأن الإنسان الواعي لا يسمح للأغنية -التي تتخلى عن مواصفاتها التي تمكنها من البقاء- من الدخول إلى أذنيه قبل الدخول إلى قلبه وعقله، ولكن إسهام الأغاني المعاصرة بالعنف من خلال رقميتها العشوائية، وتغلغلها في التكنولوجيا الذكية وما تهبه من إمكانات مذهلة في نقاء الصوت وسرعة التحميل أو الاستماع المباشر، ومن خلال تحالفها مع فنون جمالية أخرى، ومهارات يعتمد أداؤها على التكنولوجيا.. كل ذلك يجعل المطالبة بصوت الناقد الغنائي أمراً في غاية الأهمية؛ لكي ينخفض مستوى العنف في داخل بعض الأفراد وبخاصة فئة المراهقين والشباب غير الواعين بعشوائية وسطحية نسبة عالية مما يستمعون إليه.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }