محمود فضيل التل: الشعر عنوان للأصالة الإنسانية

تاريخ النشر : الجمعة 10:00 21-10-2016
5359

محمود فضيل التل صوت شعري متفرد ساهم في ترقية الذائقة الشعرية وفي خلق عوالم أغنت الشعر ودفعته إلى مزيد من الخلق. وبالقاء نظرة موضوعية على شعره نجده عميق الصلة بالتراث العربي، منفتحاً على نتاجات الفكر الغربي، ومؤمناً بالحداثة.

وهو يُعدُّ من الشعراء المعروفين على المستويين المحلي والعربي، لغزارة إنتاجه، وتنوع موضوعاته، وتفوقه الفني في معظم أعماله، وقد استطاع خلال مسيرته الشعرية أن يبدع القصيدة المتلائمة مع متطلبات الحداثة وآفاقها الرحبة، وأن يجد لنفسه موقعاً متميزاً على خريطة الشعر العربي المعاصر.

ولطالما وقف التل في شعره مدافعاً بقوة عن حرية الإنسان العربي وكرامته أمام الهجمة الشرسة التي يتعرض لها العالم العربي من المحيط إلى الخليج. وحين يقترب المرء منه يجد فيه الطيبة والروح النقية، وإذا كان التعرف على إنسان ما يعدّ نوعاً من الاكتشاف، فإن التعرف على محمود فضيل التل يتجاوز الاكتشاف إلى الدهشة.

في هذا الحوار يتحدث التل عن تجربته وعن واقع الشعر العربي وأزماته:

* إلى أي حد عبَّر الأدب الأردني الحديث عن التحولات التي يعيشها الأردن منذُ الاستقلال؟

- أود أولاً أن أبدي تقديري للأدب في الأردن، واعتزازي بالأدباء الأردنيين لالتزامهم الواضح تجاه القضايا الوطنية والقضايا القومية، وربما أنهم في المجال الوطني والقومي قد تقدموا على نظرائهم العرب لأنهم لم يحصروا اهتماماتهم بالقضايا الوطنية المحلية بل اهتموا بكل قضية وشأن عربي.. وهذا ما امتاز به الأردنيون أدباء كانوا أو مواطنين عاديين وعلى مختلف المستويات السياسية.

ولا شك أن الأدباء الأردنيين اعتبروا استقلال الأردن إنجازاً عربياً قومياً ولم يعتبروه شيئاً خاصاً بالأردن، لأنهم يؤمنون بأن الأمة العربية نسيج واحد وكيان متكامل في كل شيء خاصة القضايا السياسية والوطنية.

والحقيقة التي يتبينها كل من يمعن النظر بالأدب الأردني منذ بداياته حتى الآن أن هذا الأدب قد واكب جميع التطورات السياسية والوطنية العربية، وأن قضيتي فلسطين والجزائر -نموذجاً- شاهدتان على ذلك. أما بالنسبة للاستقلال في الأردن، فقد حظي باهتمام لدى الأدباء الأردنيين، ونجد احتفاء الأدباء بالتحولات التي عاشها ويعيشها الأردن منذ عهد الاستقلال حتى الآن خاصة في مسؤولياته السياسية والوطنية والقومية على نطاق الأمة. ومن يطّلع على الأدب في الأردن يجد هذا واضحاً فيما قدمه الأدباء من نتاج إبداعي وثقافي يظهر فيه الاهتمام بالهمّ العربي. وإضافة إلى ما ذكرت من الاعتناء بقضيتي فلسطين والجزائر، هناك أيضاً العراق وغيره من القضايا العربية.

أما على مستوى الأدب نفسه فإننا نلحظ نهضة أدبية سواء أكان ذلك في الشعر أم في الفنون والمجالات الإبداعية الأخرى، سواء من حيث النهضة الإبداعية أم في النشر والدعم والرعاية للمجالات الأدبية وإنشاء المراكز الثقافية ونمو وتطور الهيئات والمؤسسات الأدبية والثقافية ضمن أجواء التقدم العام بعد الاستقلال ثقافياً وعلمياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.

وبرأيي فإن الأدب في الأردن عبّر تعبيراً شاملاً عن التحولات التي يعيشها الأردن منذ الاستقلال.

* التراث كموضوعة جدلية قائمة، كيف تنظر إليه، وما مدى تأثير التراث العربي القديم والأدب الغربي باتجاهاته المختلفة في تجربتك؟

- التراث خبرة حاضرة ماضية تعيش فينا، والتراث مكون أساس في حياتنا -عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا، وفكرنا، وهو يمثل مواقفنا هذه الأيام من كثير من أمور حياتنا ولا يمكن أن ينتهي تأثيره مهما ابتعد الزمن وتقادم، وما يزال هذا التراث يوجه سلوكنا على نحو أو آخر لأنه شامل لتجاربنا وخبراتنا، وقد أعطاه الزمن صفة الاعتزاز والإجلال والتقدير، لأننا نرى فيه الآباء والأجداد، ويأخذ علاوة على ذلك صفة القداسة -التراث الديني- لأنه مرتبط بالإيمان والعقيدة.

وقد كان للتراث أثر كبير في تجربتي الأدبية بشكل خاص والحياتية بشكل عام. ومنذ أن كانت لي علاقة بالمجتمع والحياة وأنا ألحظ الأهمية الخاصة للتراث في حياة الإنسان. فالتراث الثقافي والأدبي عدا أننا اكتسبناه عن طريق التربية الأسرية والاجتماعية، فقد كان المكون الأساس لفكرنا وسلوكنا وشخصياتنا بشكل عام عن طريق التعليم المدرسي والجامعي.. فالدين، والتاريخ، والآداب، والفنون التراثية، جميعها كانت لها آثار قوية في تجربتي الإبداعية بشكل إيجابي..

المعلقات والقصائد التي قالها معظم الشعراء، والكتابات الخاصة بتاريخ الأدب، والنصوص في العصرين الجاهلي والإسلامي.. كل ذلك ترك آثاراً عميقة الجذور عندي، لهذا أجد مثل هذا التراث موجوداً فيما قدّمتُ وكتبت... فقد كانت هذه الآداب مادة دراسية مقررة عبر مراحل التعليم المختلفة حتى في الجامعة.. فعلى الرغم من أنني درست علم الاجتماع في الجامعة الأردنية فقد كانت مادة الأدب العربي والتاريخ العربي من المواد الأساسية خلال سنوات الدراسة. كما درسنا ضمن مادة اللغة الإنجليزية شعراً أجنبياً. وأثناء الدراسة وبعدها كنت محباً لدراسة الشعر الأجنبي –المترجم – من لغات العالم المختلفة. وهذا فيما أعتقد ما أفادني ومكنني من أن أقدم شيئاً أو شعراً يحظى باحترام القارئ.

* كيف تنظر إلى التجريب في الشعر؟

- أنا مع كل تطور وتغيير في الحياة، بما في ذلك الشعر، حتى لا يبدو جامداً ويتأخر عن ركب التقدم والمعاصرة والملاءمة لاحتياجات الشعراء وأذواق القراء ولإكسابه روحاً جديدة على ألّا يكون هذا التجريب اعتباطاً ومجازفةً ومجرد رغبة للخروج على ما اعتدنا عليه.

هذا التجريب -كما هو في مختلف مجالات الحياة- بحاجة إلى تهيئة واستعداد وخلق قيم تغذي هذا التجريب ووسائل تأخذ به إلى مرحلة انتقالية مدروسة تحفظ للشعر خصائصه ودلالاته المرحلية الجديدة، لأن طبيعة التجريب الذي ظهر علينا خلال السنوات الأخيرة جاء في الغالب بالغرائب والعجائب وأخرج الشعر عن طبيعته وأُقحمت عليه أمور كثيرة ليست بذات نفع له، خاصة وأن بعض الذين تولوا عملية التجريب لم يستطع أن يتدبر أمر الشعر فيها، فجاء التجريب عند هؤلاء تشويهاً للشعر. بينما قلة من الشعراء استطاعوا أن يتعاملوا مع التجريب بأساليب ووسائل مدروسة، وكانت تجاربهم ناجحة وفّرت القناعة والقبول لدى الباحثين والدارسين والنقاد أولاً، وعززته في نفس القارئ والمستمع على حد سواء، لأنهم حرصوا على إبقاء تجريبهم حافظاً لما عهده الناس في الشعر من روح الحياة وألقها وكفاءته التعبيرية ورسالته السامية في حمل قضاياهم وهمومهم وطموحهم والآفاق التي يجدون أنفسهم فيها سياسياً ووطنياً واجتماعياً وأدبياً وفنياً.

ثم إنه لا بد من أن يكون هذا التجريب ضمن نسق عام فيه عناصر أساسية مشتركة حتى لا يعصف كلٌّ على هواه بالشعر الذي ظل طيلة العصور الماضية محافظاً على نسبة عالية من التناسق والتناغم والتجانس. وهذا ما حفظ له قدرته على التأثير في نفوس الناس، وهذا مما جعل الشعر يقود الإنسان إلى أرض المعركة مضحّياً بنفسه وجعل الطالب يخرج إلى الحياة ليقوم بحماية الوطن حاملاً رسالة الحياة، وهذا ما جعل الناس جميعاً أوفياء في حبهم وعشقهم وحرصهم عليه. فالتجريب في كثير من الأحيان -على عكس ما نرى ونتمنى- أتانا باللاشعر، وغرّب الشعر وأمات الرؤى والعاطفة والوجدان، وأضعف من روابط التماسك والتماثل والتجانس بين الناس، وأصبح عند بعضهم مثل الكلمات المتقاطعة التي لا ينتظمها ناظم بلا معنى ولا موضوع ولا مفهوم.

إننا نريد للشعر أن يبقى عنواناً للأصالة الإنسانية والأدبية وروحاً لذائقتنا ورائداً من رواد رسالتنا في الحياة.

* إلى أي مدى توظّف الأسطورة والرمز في شعرك؟

- الأسطورة تعميق للمعنى الذي أريد أن أترك من خلاله أثراً في نفس القارئ... وهي أيضاً تعزيز للفكرة والمعنى واستشهاد بالخبرة الإنسانية، والتراث الإنساني غني بالأساطير التي توثق حياة الإنسان من جوانبها المختلفة. والأسطورة كما ينظر إليها الباحثون في هذا المجال «هي حكاية مقدسة»، أو بما يحمله المصطلح إزاء هذا المفهوم أو ما يشبهه أو يقترب منه... ومع مرور الزمن واستمرار روايتها تصبح وكأنها شيء واقعي من حياة الإنسان من حيث التصديق بها، ويصبح الناس يروونها ويضربونها مثالاً على ما يلائمها أو يماثلها من أمور حياتهم وكأنها حدثت فعلاً في حياتهم. فكثير من الأشياء التي نتحدث عنها بكثير من التأييد والتصديق ما هي في الحقيقة سوى أساطير من هذا القبيل. وإنني أجدها -إضافة إلى ذلك- عنصراً جمالياً وظاهرية تشويقية ودليلاً على ثقافة الشاعر واطلاعه على التراث والاستفادة منه.

والأسطورة من الظواهر الخارقة غير العادية وغير المألوفة في حياة الناس، وإنني أهتم بها لتقريب الحدث من ذهن القارئ أو المستمع وتسهيل إدراكه للمقصود في القصيدة الشعرية. وفي كتاباتي الشعرية الكثير من هذه الأساطير، منها على سبيل المثال، جلجامش، زرقاء اليمامة ويونيسيوس (الذي كانت الطير تشرب من دمه حيّاً).

وتعبّر الأسطورة عن عناصر الحداثة الأدبية والإبداعية في الوقت الحاضر. ويهدف الرمز -إضافة إلى ما تقدم- إلى التوضيح والإشارة والقيام مقام الفكرة، خاصة عندما لا يرغب الشاعر التصريح بها لسبب من الأسباب.

أما الرمز، فقد أصبح عنصراً أساسياً في الفنون الإبداعية، وما أكثر ما نجده في الشعر الذي كتبته. ومن الرموز التي يكثر وجودها في شعري: الطريق، البحر، الريح، القمر، الليل، الخريف، الشاطئ، الذئب، الأرض، الطوفان، والكهف.

• ما حدود العلاقة بين الأدب والحرية من وجهة نظرك؟ وكيف ترى مسؤولية المبدع في صنع المستقبل العربي، خصوصاً في هذه الأيام العصيبة والأوضاع العربية المتردية؟

- لا حاجة للأدب لشيء مثل حاجته إلى الحرية.. فالحرية هي الآفاق التي يولد فيها الأدب وينمو ويتقدم.. وهي الفضاء الذي يستلهم فيها الأديب أفكاره وتتوسع فيها أفكاره وأحاسيسه.. فهي من بواعث الأدب الرئيسية وهي التي تطلق إمكانات وإبداعات الأديب وطاقاته القادرة على الإفصاح عن كل ما لديه وما في نفسه. وهي التي تلغي الحدود والإشارات الحمراء التي تجعله أسير التردد والانكماش وتضعه في إطار المحدودية وتقتل لديه الألق والإبداع، بل تقتل الفكر وتجعلهما -الأدب والفكر- يسيران ضمن هيمنة غير حضارية بعيدة كل البعد عن تناول الأدب لقضايا الإنسان والمجتمع بصدق وصراحة وموضوعية، ويصبح الأدب موجهاً تموت فيه روح الإبداع والتجديد والابتكار والتطور، لأنه يقدم إرضاء الأهواء وغايات أشخاص واتجاهات معينة.

فالأدب -وكما هو مفروض- له روح، وبه إحساس لا يقبل القيود والحدود ولا يرضى أن يكون مسيَّراً لتحقيق غايات لا حياة فيها ولا تمت إلى حياة المجتمع والإنسان بصلة. الأدب حياة، والحياة إذا مُنعت على الإنسان ماتت ومات معها الإنسان. وكذلك الحرية؛ تأبى أن تقتل الأدب لأنه حياة الإنسان. إنها تريد له الانطلاق والتحليق في آفاق الإبداع الواسعة، على أن تكون حرية بنّاءة مسؤولة لها ضوابط أخلاقية وفنية حتى يظل هاجسها الصالح العام احتراماً وتقديراً للأدب واعتزازاً بالإنسان وحياته المقدسة.

أما فيما يتعلق بمسؤولية المبدع في صنع المستقبل العربي في هذه الظروف والأوضاع المتردية، فالمبدع مُلْهَم، وهو صاحب رسالة فيها أخلاقيات وتجسد أمانة المسؤولية والعمل من أجل خدمة قضايا الوطن والأمة. وهو صاحب بصيرة، وهو بما لديه من بعد نظر واستشراف للمستقبل صاحب رؤيا، ولديه إحساس عميق بأوضاع المستقبل، ومن خلال تصوراته وتحليلاته ورؤياه النافذة، يتحدث عن القضايا بأحاسيس كلها وعي وذوب نفس. وهو ذو إحساس صادق يقدّر مصلحة الأمة ويخشى عليها من الضياع والتردي الذي يقودها إلى الدمار بكلمات وأفكار مشحونة بما ينتظرها من أخطار مقابلاً ذلك بما كان لها من ماضٍ وتراث وإرث حضاري وسيرة تاريخية استحقت عليها مكانة مرموقة بين الأمم. وهو يستنهض إحساسها بالكرامة والاستمرار في الحضور الثقافي والتاريخي والسياسي عبر مراحل تاريخها وإلا فإنها ستزول بعد أن كانت خير أمة أُخرجت للناس.

والمبدع بما لديه من حبّ عميق لوطنه وأمته والإنسان الذي يعتبر جزءاً منه، يفيض حرصاً على كل ذلك. يستنهض الهمم، وينشر الوعي، ويوقظ الإحساس، ويوحي بما علينا الإيمان به والتمسك به ليحول دون سيرنا إلى الهاوية وكيلا نفقد أمجادنا ونخسر حضورنا اللائق بين شعوب الأرض وتضيع حقوقنا ولا نجد من يرهب جانبنا، لأننا تنازلنا عن كل شيء إلا عن مصالح فئة محدودة من الناس.

فالمبدع هو الأكثر تأثيراً بالناس مقارنة بأصحاب المسؤوليات الذين يكونون -أحياناً أو غالباً- هم سبب الضياع ولا يهمهم ذلك ما دام هذا الضياع لا يؤثر على مصالحهم ولا يتعارض مع مطامعهم وطموحاتهم الشخصية.

إن المبدع وبسبب إلمامه وإحاطته بواقع ومصير الأمة العربية، وبناء على ما يتحلى به من القدرة على التعبير والإثارة والتأثير، واعتماداً على أمانته وصدقه وصراحته وقوته في الجهر بالحقيقة وتبيان مواقع الخلل وما يجب أن تكون عليه الأمة، يصبح نقطةَ إنارة ومشعلاً يضيء الطريق للمواطن ونذيراً من الأخطار والكوارث والهوان. لذا على أي مجتمع أن يضعه في الصدارة في قضايا ومصالح الأمة.

• برأيك؛ ما هي غاية الكتابة، وما علاقتها بالحياة؟

- غاية الكتابة باعتقادي هي الاهتمام بحياة الإنسان والتعبير عنها، والشعر في هذه الحالة يمكن أن يُعتبر وثيقة إنسانية يمكن أن تفيد مستقبلاً بالرجوع إلى معالم فترة معينة من حياة المجتمع والإنسان ودراستها لمعرفة كيف كانت هذه الفترة وكيف تطورت إلى ما نحن عليه الآن.

فالشعر شاهد على حياة الإنسان ووثيقة مهمة ومصدر غزير وحيوي لدراسة حياة الإنسان من قضايا ومشاعر وأوضاع وتاريخ وحضور، فهو وثيق العلاقة بالحياة، يتناولها بالأساليب والطرق شتى.

فالشعر هو بمثابة الحياة ذاتها، لأنه منها وعنها وفيها، بل إنه يبلور الحياة ومواقف الإنسان ومشاعره فيها على أي نحو يجب أن تكون بما يليق بمشاعره وأحاسيسه ووجوده وكرامته. فكل الشعر من الحياة وللحياة، ولا يوجد شيء يُكتب من خارج الحياة وإن ادعى بعضهم ذلك.

فالشاعر يعبّر عن مشاعر وعواطف وأحاسيس، وهذا البعد العاطفي في غاية الأهمية في حياة الإنسان، كما إن الشاعر يطرح رأياً وفكراً وفلسفةً ورؤيا، ويقترح مشاركة إيجابية في حياة المجتمع والوطن والأمة والإنسانية.

* أنت والشاعر مصطفى وهبي التل (عرار) من العائلة نفسها، كيف تنظر إلى شعر عرار، وفي أي موقع تضعه؟

- من غير المنصف النظر إلى عرار بوصفه شاعراً فحسب... إنه في الأساس مناضل، ثائر، متمرد، له فلسفة وفكر ورؤى حياتية شكلت إطاراً عاماً لحياته السياسية والوطنية والقومية والإنسانية، وقد جعلته ثقافته الواسعة رائداً لأكثر من ظاهرة في الشعر لا يختلف فيها كل من نظر إلى تجربته بموضوعية وبصيرة نقدية.

عرار يشكل ظاهرة ثقافية وفكرية ووطنية شاملة ومتكاملة، والنظر إليه على أنه شاعر فقط يعبّر عن نظرة ناقصة ومجزوءة ومبتورة وظالمة أيضاً، لأن الشعر كان الإطار الذي نظم به وأحاط به كل ما ذكرته عنه. فالشعر كان بالنسبة له وسيلة التعبير والدعوة إلى كل ما آمن به وسار عليه من إيمان بمبادئه وأخلاقه وفلسفته، وكان الشكل المباشر أو البناء المباشر والصيغة المثلى التي نادى بها ومن خلالها إلى ما دعا إليه من عدالة اجتماعية ومساواة وحرية وديمقراطية للناس جميعاً، وقد مارس هذا في كل دقائق حياته حتى في العمل والوظيفة ولم يأبه لشيء مما لقيه في سبيل ذلك، ولم يراع لومة لائم لأنه اتصف بالجرأة والشجاعة والصدق والإيمان بفلسفته وفكره.

لهذا السبب كان شعر عرار جميلاً أخاذاً مؤثراً، وقد أحبه الجميع لأنهم وجدوه معبراً عن حياتهم وعما يعيشونه خاصة في المجال الوطني والسياسي فيما يتعلق بالاستعمار وقضية فلسطين وقضايا الأمة وضعفها وهوانها وما يحيط بها من أخطار وتعانيه من ضياع. لذا ما زال المطلع على شعره والقارئ يجده معبراً عن وجدانه ورأيه وموقفه في كل بقعة من نواحي الوطن، فلا غرابة والأمر كذلك أن نجده قد أحاط بكل مكان أردني وطاف بمدن الأردن وقراه وسهوله ووديانه وعيونه ومائها الذي فضّله على ما سواه.

لهذا سيظل شعر عرار خالداً، نردده تعبيراً عن آلامنا وآمالنا وأوجاعنا وعنائنا الدائم وتطلعنا إلى الخلاص من هذا الواقع المحموم الذي يفسد على الإنسان حياته ويقض مضاجعه ويثير مواجعه... ولا نجافي الحقيقة في شيء إن قلنا إن «عرار» يُعتبر مصلحاً اجتماعياً لأنه حارب الظلم ووقف إلى جانب الفقراء وناصر المظلومين محاولاً إنصافهم ولو على حساب نفسه، لأنه كثيراً ما دفع ثمن هذه المواقف من سجن إلى عزل من الوظيفة ونفي إلى أماكن داخل الأردن وخارجه، وقد امتدت معاناته منذ أن كان صغيراً في مدرسة عنبر في دمشق حتى فارق الحياة، فمهما اخترت له مكانة أضعه فيها سيكون قليلاً عليه، خاصة وأنه لم يحفل بالواقع والمراكز والألقاب. ويكفي أن أقول إنني أجد «عرار» القيمة المثلى والرمز في كل شيء في حياتي، وأعتبره النموذج الإنساني الفريد والمتميز الذي يعتبر مثالاً للمواطنة القدوة والروح الخالدة في ضمائر المستنيرين المخلصين الأوفياء.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }